رجال ملأتهم الشروخ
24-04-2026 01:57 AM
العمر ثقيل، كأنه سطل حديدي مليء بالزيت الساخن المستقرة عروته الصدئة على ساعدك. العمر مزعج، كأنه حقيبة ضخمة تحملها على ظهرك في حلك وترحالك، حقيبة باهتة مهترئة مليئة بقطع قماش وقصاصات أوراق تأمرك كل يوم بإعادة تذكرها وترتيبها وتشكيلها. العمر حكايات لم تُشهد خواتيمها، وآلام لم تُقفل جراحها، وهزائم تحجب النظر، تجثم جالسة على صدر كل انتصار. العمر مسلسل تركي ميلودرامي طويل، تبقى تستعيد حلقاته لتذكرك بما لم تنجز ولم تدرك، بالأحلام الضائعة والعداوات المتكالبة والمحبات المتلاشية في كراهيات لا تعرف لها سبباً ولا تفهم لها معنى. العمر مجموعة حواس متصلة تذكرك بطعم ورائحة هؤلاء الذين سبقوك، وأولئك الذين تخشى عليهم حين تسبقهم. العمر أشجان متراكمة تهرس قلبك بلذة بعض ذكريات وأسى بعضها الآخر إلى أن، كما تقول الملكة إليزابيث الأولى في قصيدتها «في مغادرة السيد» والترجمة لي «أموت فأنسى ما عناه الحب أبداً».
منذ صباح اليوم وأنا أقرأ وأستمع لقصائد أمل دنقل، أعذب نفسي بوخز كلمات تنطلق مباشرة كما الإبر في الوريد، بمعان وآلام وأشجان تلتف برقة وروعة حول رقبتي فقط لأنتبه بعد حين أنها غصة كبيرة مليئة بالدموع تود أن تفلت من بلعومي. يحفزنا دنقل على حمل ضغينة شريفة، ألّا نصالح، ألّا ننسى الرداء الملطخ بالدماء، ألّا نلبس الثياب المطرزة فوق تلك الدماء. يذكرنا دنقل أن الميزان مختلف، غير متساو، فقلب الغريب ليس كقلب أخيك، عيناه ليستا كعيني أخيك، وأن السهم المنغرس من الخلف سوف يصلنا من ألف خلف، فلا نصالح. يؤكد دنقل ما لا يستدعي تأكيداً، ألّا يجب أن نقتسم الطعام مع قاتلنا، وأن نروي قلوبنا العطشى بالدماء لو عز الماء، ألّا نستمع لنداء القبيلة، ولا نخاف السيوف والرجال «التي ملأتها الشروخ».
أتأمل كلماته على مرآة واقعنا، هذا الواقع المليء ببشر ملأتهم الشروخ، هؤلاء المشروطون من رأسهم إلى أخمص قدمهم بمشرط الخيانة، هؤلاء الذين يضمدون شروخهم بجثث الأطفال، ويلهون مسامعهم وأبصارهم بصور الجوعى والعطاش والمعذبين في السجون والمشردين في الأرض. ترى، كيف يحيا هؤلاء المشروخون وكيف ينامون؟ كيف يصمون آذانهم عن صوت هند رجب، وصورة يوسف بشعره «الكيرلي»، ومنظر د. حسام أبو صفية، ومشهد غزة المبادة؟ كيف تحميهم شروخهم من سماع عويل أطفال يقتلون في مدارسهم، ومواليد يبادون في مستشفياتهم، وصغار جوعى يُقتنصون فيما هم يتراكضون بوعاء خال، كل أمنيتهم أن يطفو على سطحه بعض الأرز أو شيء من فتات خبز؟ كيف تحمي الشروخ النفوس من إنسانيتها؟
أعود إلى نفسي وذاتي بأنانيتي البشرية الجينية، «أراجع ذكريات أمسي» كما يقول الشاعر راشد بن أحمد الجابري، الذي يعيدني إلى حضن ديوان دنقل المليء بالعذاب والشجن. أتأمل كيف أن «مصفوفة حقائبي على رفوف الذاكرة، والسفر الطويل، يبدأ من دون أن تسير القاطرة» وفيما أنا أنظر من الشباك «وريقة.. وريقة.. يسقط عمري من نتيجة الحائط، والورق الساقط، يطفو على بحيرة الذكرى، فتلتوي دوائر، وتختفي.. دائرة.. فدائرة». حارق أمل دنقل وهو يصف تلاشي الحياة وكأنها دوائر تتردد جزيئاتها على سطح الماء، قاس في رسمه لهذا التلاشي وهو يحدث أمام أعيننا، يذكرنا بفنائنا، بعدميتنا وباللامعنى المنوط بكل هذا اللاشيء.
تنضح كل ندوب الروح بالألم وأنا أتأمل الجملتين القصيرتين «حبيبها الذي قد حطم اللعبة، مخلفاً في قلبها… ندبة». أتذكر كل هؤلاء الذين أحببت والذين وشموا جلدي بذكرى وألم. لا معنى للكراهية في هذا العالم المؤقت العبثي، لا هدف أخير ولا نتيجة حتمية للندوب التي نخلفها في قلوب بعضنا بعضاً، والتي كل مآلها أن تجعل الرحلة أكثر صعوبة ومراراً. وها هو الزمن يمر سريعاً «فتأكلني دوائر الغبار، أدور في طاحونة الصمت، أذوب في مكاني المختار» وبعد برهة «شيئاً فشيئاً… يختفي وجهي وراء الأقنعة» ليغدو قلبي «المعروض في سوق الرياء، جائعا… حتى العياء». جوع حقيقي يعذب الروح إلى زمن ما، إلى حديث ما، إلى حرية ما، إلى كل ما كنا نفعل ونقول، ليعطي للحياة شيئاً من معنى. وفيما العالم كله يتجه إلى صمت صارخ مزعج، صمت تثبته وتوثقه ضوضاء منصات التواصل بكل قسوتها وعتهها وتخديرها للعقل والمنطق والشعور، تموت الكثير من القلوب المعتادة هدوء الحرية، المقتاتة على البوح والقول والفعل. على هذه الموجة الملوثة من تاريخ البشرية، وفي هذه المرحلة الدكتاتورية الصامتة الصاخبة بالعته والجنون في حياة البشر، يختفي كل معنى للحياة، هذا المعنى الذي كنت بالكاد أصنعه لنفسي كل يوم، بكلمة أحاول قولها أو صرخة اعتصام أقف فيه. كل شيء له معنى اختفى. ومع غياب المعنى، غابت الحياة وبقيت ممارساتها البيولوجية العصابية المقرفة.
«كل صباح أفتح الصبور في إرهاق، مغتسلاً في مائه الرقراق، فيسقط الماء على يدي… دماً»، دماً لا يوجد ماء نقي يغسله أو يزيله. وكيف لا وقد «فاضت النار على المخيمات، وفاضت.. الجثث، وفاضت الخوذات والمدرعات». والآن «لم يبق اختيار، سقط المهر من الإعياء، وانحلت سيور العربة، ضاقت الدائرة السوداء حول الرقبة، صدرنا يلمسه السيف، وفي الظهر: الجدار». إنه زمن السقوط المدوي للمهور، زمن صعود الرجال الذين ملأتهم الشروخ، زمن الدوائر التي تتلاشى في البحيرة وتلتف حول الرقبة، زمن الظهور التي لا ترقد على الأسرّة بل تلتصق بالجدران، زمن الصدور التي لا تغفو على الصدور بل على السيوف، زمن الصمت المطبق، صمت ضجيجه يصم الآذان ويطرق القلوب بسكتات ليس بعدها عودة.
لقد تأخر الوقت بالنسبة لي ولكل جيلي من غير المشروخين، من غير البائعين، من غير هؤلاء الذين يرتدون ملابسهم المطرزة فوق الدماء، الذين يقتسمون الطعام مع قاتلهم، الذين ليس لديهم حقائب في صفوف الذاكرة، مرتاحين من أمتعة الحياة الثقيلة بضميرها وإنسانيتها ومعناها، هؤلاء الذين يحطمون اللعب ويخلفون الندب، هؤلاء الذين يغتسلون بالدماء ويوجهون السيوف للصدور. الحياة اليوم لهم، هو زمنهم الراضي عن جنونهم وقسوتهم وعتههم ودناءة نفوسهم. إلا أن الحقيقة تبقى، ستختفي حياتهم كمانا تماماً، ستسقط أعمارهم من نتيجة الحائط، تتلاشى سنواتهم دائرة فدائرة، وتبقى جودة الحياة معياراً للمدى والطريقة التي حييناها بها.
أما في اللحظة، فلا تتبقى سوى حقيقة أمل دنقل: «العالم في قلبي مات، لكن حين يكف المذياع، وتنغلق الحجرات، أخرجه من قلبي وأسجيه فوق سريري، أسقيه نبيذ الرغبة، فلعل الدفء يعود إلى الأطراف الباردة الصلبة، لكن.. تتفتت بشرته في كفي، لا يتبقى منه سوى.. جمجمة.. وعظام! … … … وأنام!!».
كل المقاطع الشعرية مأخوذة من ديوان أمل دنقل»الأعمال الشعرية الكاملة» لدار العودة، بيروت.
الدولار يرتفع واليورو يتجه لتسجيل خسارة أسبوعية
إطلاق النار استمر لدقائق .. تفاصيل جديدة عن حادثة كنيسة الكرك
المحكمة الرياضية تبرئ عداء ياباني
بيان حكومي مرتقب بشأن عملية الكرك .. والامن يحذر
7 وفيات على الأقل بهجوم مسلح على كنيسة في الكرك
الصراع في الشرق الأوسط يرفع أسعار الغاز إلى مستويات قياسية بأوروبا
إنشاء مبانٍ مدرسية جديدة في عجلون
مسلح يقتل شخصا ويصيب 4 بالرصاص في باريس
الاحتلال يغلق الحرم الإبراهيمي ويطرد موظفيه
ارتفاع عدد المصابين في زلزال التبت
إحباط محاولة تسلل على الحدود الشمالية
التعامل مع 1617 حالة إسعافية خلال 24 ساعة
محاصرة الخليل وإغلاق الضفة بعد إصابات بين جنود الاحتلال .. التفاصيل كاملة
17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟
خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل
تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس
متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟
تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل
قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب
زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.
الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل
النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة
خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة
قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟
عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن
تقاعدات وترفيعات وإنهاء خدمات في التربية .. التفاصيل والأسماء
فرصة للبيع .. ارتفاع الذهب محلياً
طفل أردني ينقذ 4 زملاء من الاختطاف .. ثم كانت المفاجأة القاسية بانتظاره