رصيف الهامش

رصيف الهامش

08-06-2026 12:23 AM

حين تشتد الأزمات الاقتصادية وتضيق شرايين المنظومة الرسمية، لا تكتفي الأسر بمشاهدة الكارثة؛ بل تتحرك مدفوعة بغريزة البقاء وبثقل المسؤوليات اليومية التي لا ترحم. في تلك المساحة الرمادية التي تقع بين قسوة القوانين وقسوة الجوع، يولد ما يسميه خبراء الاقتصاد بـ "القطاع غير المنظم". لكن خلف هذا المصطلح الجاف والمحايد، تختبئ حكايات لحم ودم؛ حكايات لرجال، ونساء، وأطفال، لم يجدوا مكاناً تحت سقف القانون الدافئ، فصنعوا لأنفسهم مظلات من شقاء يومي وعمل شاق على أرصفة مجتمعاتهم، ليثبتوا أن الحياة، في أشد صورها جفاءً، تبتكر دائماً طريقها للاستمرار.

فحين يصبح الشقاء ملاذآ ينتشر دفء البيوت وعربات الرصيف
ليست القصة مجرد "بسطة" أو "عربة" أو "طبخة منزلية"، بل هي قصة تكيف إنساني مذهل وموجع في آن واحد. تجد النساء، بمرونة فطرية، يفتحن بيوتهن لإنتاج الحلويات، وطهي الطعام، وصناعة كعك العيد، والألبان والأجبان؛ ينسجن من مطابخهن المتواضعة شبكات أمان صغيرة تقي عائلاتهن غوائل العوز.
وعلى أرصفة الشوارع، في قيظ الصيف وزمهرير الشتاء، يقف آباء خلف عربات الترمس والكستناء، أو يبسطون بضائع بسيطة من جوارب وألعاب ، إن ما يسميه التكنوقراط "عشوائية"، هو في الحقيقة "ابتكار اجتماعي موجع"، فرضه غياب البدائل الرسمية العادلة. هؤلاء البشر لم يختاروا الرصيف ترفاً، بل ساروا إليه بأقدام متعبة ليعوضوا عجز الهياكل الرسمية عن تأمين "عيش كريم" يحفظ للإنسان كرامته المهدورة.

تعتبر عقلانية المضطر "التمرد الصامت" على منظومة تكبل الضعيف
خلافاً للنظرة النمطية النخبوية التي تتهم هذا القطاع بالارتجال والفوضى، فإن سوسيولوجيا الألم تكشف عن "عقلانية مفرطة" يحركها الاضطرار. من منظور الفعل الاجتماعي والاختيار العقلاني، نجد أن لجوء الفرد إلى هذا الهامش هو أقصى ما يمكنه فعله لحماية مصلحته الوجودية.
حين يحسب الفقير كلفة الدخول في "الجنة الرسمية" للدولة (من معاملات بيروقراطية معقدة، ورخص تعجيزية، ومظلات ضريبية تبتلع الأرباح قبل ولادتها)، مقابل فتات الدخل الذي قد يحصل عليه، يدرك بعفوية حاسمة أن الهامش أرحم؛ هناك، يملك وقته، وجهده، وحريته، ويدير معركته اليومية وفق خطة استراتيجية ذكية، تختصر الوقت وتحقق الكفاءة، محولاً هذا الاقتصاد الموازي إلى درع واقٍ في مواجهة شروط العمل النظامي المجحفة والشحيحة.

فسلاح الضعفاء "اقتصاد موازٍ معجون بالثقة والتضامن" حيث
يمثل العمل غير المنظم "سلاح الضعفاء اللامع" في الالتفاف على جدران البيروقراطية الصماء؛ إنه صرخة احتجاج صامتة ضد القوانين والضرائب التي تلاحق البائع الصغير وتغض الطرف عن الحيتان الكبيرة. إنها مقاومة يومية ناعمة تخلق هامش ربح يعين على العيش.
وفي هذا الفضاء الهامشي، لا تُباع السلع والخدمات (كتأمين المياه أو النقل أو المأكل) بموجب عقود قانونية باردة أو شهادات جودة رسمية غالباً ما تفتقر للروح، بل تُباع بـ "عقد اجتماعي أخلاقي" أساسه "الثقة" و"السمعة" وعلاقات التضامن التكافلي. هنا، يتحول البيع والشراء إلى طقس اجتماعي يحمي الهوية الثقافية والتراث (كما تفعل النساء في إحياء المشغولات التقليدية)، ويتحول الاقتصاد إلى "شبكة أمان إنسانية" تعوض غياب الضمانات الحكومية المفقودة.

بينما تعتبر الريادة البيئية من عمق المعاناة أنبل تجارب التدوير حيث يتجلى البعد الإنساني والنقدي بأبهى صوره في قطاع "جامعي وتجار الخردة والنفايات" (الروبابيكيا). هؤلاء الذين يمر بهم المجتمع مطأطئ الرأس أو مشيحاً بوجهه، هم في الحقيقة رواد الحفاظ على الكوكب. من منظور علم الاجتماع الحديث والاقتصاد الدائري، يمثل هؤلاء أول وأصدق تجربة لإعادة التدوير من الأسفل إلى الأعلى.
بأيدٍ عارية وظروف قاسية، يقوم هؤلاء بـ "فلترة" وفرز مخلفات الطفرة الاستهلاكية للمجتمعات المترفة، ليعيدوا ضخها كمواد خام في شرايين المصانع الكبرى. إنهم يمتصون نفايات مجتمع "ما بعد الحداثة" الاستهلاكي، ويصنعون من القمامة توازناً بيئياً واجتماعياً يعجز عنه التخطيط الرسمي، محولين مخلفات الأغنياء إلى لقمة عيش شريفة ومغسولة بعرق الجبين.

أخيراً، يضعنا النص أمام مرآة المجتمع القاسية التي تصم هؤلاء الفاعلين بـ "العمل القذر" أو "الدونية الطبقية"، وهي نظرة قاصرة تنظر إلى القشرة وتتجاهل الجوهر. إن الفاعل الاجتماعي في هذا المضمار يحول هذه "الوصمة" إلى وقود للتحدي؛ إنه لا يتسول، ولا ينتظر حسنة من أحد، بل يترجم حاجته الإنسانية إلى حركة وفعل يومي في الشارع.
العمل هنا ليس مجرد وسيلة لجلب المال، بل هو أداة للتحرر من أسر الحاجة وضغوط الواقع. وبذلك، يتجاوز هؤلاء الأفراد، بوعيهم العقلاني والعملي، نظرة المجتمع الطبقية الضيقة، ويصنعون لأنفسهم مكانة شريفة تُنتزع انتزاعاً من فم الظروف الصعبة، متحررين من سطوة الأحكام الجاهزة التي يطلقها من يجلسون في الغرف المكيفة.

ختامآ :
إن القطاع غير المنظم ليس تشوهاً عمرانياً ولا فوضى اقتصادية تستدعي الملاحقة والأمن؛ بل هو "بيان إنساني صارخ" يعلن فيه الضعفاء انتصارهم على العجز والتهميش. إنه اقتصاد معجون بكرامة البشر، وابتكار اجتماعي ينبض بالحياة والتضامن. إن احترام هؤلاء الفاعلين وتمكينهم، بدلاً من وصمهم ومطاردتهم، هو الاختبار الحقيقي لإنسانية أي مجتمع، ولعدالة أي سلطة تدعي رعاية مواطنيها.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد