الحروب والفساد وتآكل الثقة .. لماذا تخسر الاقتصادات العربية تريليونات الدولارات؟

الحروب والفساد وتآكل الثقة ..  لماذا تخسر الاقتصادات العربية تريليونات الدولارات؟

02-06-2026 10:57 PM


في ظل تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها العديد من الدول العربية، برز مفهوم "اقتصاد الخوف" باعتباره أحد أكثر الظواهر تعبيرًا عن حالة القلق وعدم اليقين التي تسيطر على الأفراد والأسواق ومؤسسات الأعمال. فبين معدلات البطالة المرتفعة، والتضخم المتسارع، واتساع رقعة الفقر، وتداعيات الحروب والنزاعات، أصبحت القرارات الاقتصادية للمواطن العربي محكومة في كثير من الأحيان بالخوف من المستقبل أكثر من ارتباطها بفرص النمو أو تحسين مستويات المعيشة.

وفي هذا السياق، نحاول ان نقدم قراءة تحليلية معمقة لمؤشرات الاقتصاد العربي، نوضح فيه كيف أسهمت مجموعة من التحديات الهيكلية المتراكمة في تشكيل ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الخوف"، وما انعكس عنه من تغيرات في سلوك الأفراد واتجاهات الاستثمار والعمل والهجرة والثقة بالمؤسسات، إلى جانب استعراض أبرز الفرص التي يمكن أن تمهد للانتقال من اقتصاد القلق إلى اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والتنمية والاستدامة.

إن ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الخوف" أصبح أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه العديد من الدول العربية، هذه الظاهرة لا ترتبط بمؤشر اقتصادي واحد، بل هي نتيجة تراكمية لمجموعة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تؤثر بشكل مباشر على سلوك الأفراد والشركات والأسواق، وتنعكس على قرارات الاستثمار والاستهلاك والعمل والهجرة.

البطالة.. إحدى أهم ركائز اقتصاد الخوف

تمثل البطالة إحدى أهم ركائز اقتصاد الخوف في المنطقة العربية، حيث أظهرت بيانات البنك الدولي لعام 2025 أن معدل البطالة بين الشباب العرب في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عامًا بلغ نحو 29.7%، وهي من أعلى المعدلات على مستوى العالم.

هذه النسب ترتفع بصورة أكبر في بعض الدول العربية، حيث تتجاوز 38% في تونس، وتصل إلى نحو 42% في الأردن، ونحو 25% في مصر، بينما بلغت في لبنان نحو 47% قبل اندلاع الأزمة المالية.

هذا التحدي لا يرتبط فقط بارتفاع معدلات البطالة، وإنما أيضًا بطول الفترة الزمنية التي يقضيها الشباب في البحث عن أول فرصة عمل، حيث تشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن متوسط فترة الانتظار قد يصل إلى أربع سنوات في بعض الدول العربية، وهو ما يدفع العديد من الشباب إلى القبول بوظائف منخفضة الأجر أو بساعات عمل طويلة وشروط أقل من المستوى المأمول، نتيجة الخوف من فقدان فرصة العمل أو عدم العثور على بديل مناسب.

وهذه الحالة تؤدي إلى خلق بيئة اقتصادية تتراجع فيها القدرة التفاوضية للعمال، خاصة مع وجود فائض كبير في العرض مقابل الطلب داخل أسواق العمل، الأمر الذي ينعكس بدوره على مستويات الأجور وفعالية التمثيل النقابي وقدرة العاملين على الدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.

كيف تحول التضخم إلى عامل خوف يومي؟

وفيما يتعلق بالتضخم، فإن تأثيره لا يقتصر على كونه متغيرًا نقديًا أو ماليًا فقط، بل يتحول إلى عامل خوف يومي يؤثر على سلوك الأفراد والأسر، في لبنان مثلا، شهد منذ عام 2019 تراجعًا في قيمة العملة المحلية تجاوز 98%، مع فقدان القوة الشرائية لأكثر من 90% وفق تقديرات محلية صادرة عام 2024، بينما سجل التضخم في السودان نحو 260% خلال عام 2023، وتجاوز 120% في سوريا، ووصل في مصر إلى نحو 35% خلال ذروة الموجة التضخمية الأخيرة.

إن إحدى النتائج الخطيرة للتضخم تتمثل فيما يعرف بـ"التضخم المتوقع"، حيث يدفع الخوف من ارتفاع الأسعار مستقبلاً المواطنين إلى زيادة مشترياتهم الحالية بصورة تفوق احتياجاتهم الطبيعية، وهو ما يخلق موجات طلب استثنائية تؤدي إلى مزيد من الضغوط السعرية، ما قد تستفيد بعض الأطراف التجارية من هذه الأوضاع، في حين تضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، الأمر الذي يرفع تكلفة الاقتراض على الأفراد والشركات ويؤثر على النشاط الاقتصادي.

130مليون عربي تحت خط الفقر

يمثل الفقر بعدًا آخر من أبعاد اقتصاد الخوف، حيث أن بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا" لعام 2025 أظهرت ارتفاع عدد العرب الذين يعيشون تحت خط الفقر البالغ 5.5 دولار يوميًا إلى نحو 130 مليون شخص، بما يمثل قرابة 29% من إجمالي سكان المنطقة العربية. هذه النسبة تتجاوز 50% في دول مثل موريتانيا والسودان واليمن.

ولا تقتصر آثار الفقر على تراجع الدخل أو ضعف القدرة الشرائية، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، حيث تؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية.

وبناء على دراسة نشرتها مجلة The Lancet عام 2024 أفادت بأن نحو 43% من سكان المناطق العربية المتأثرة بالنزاعات يعانون من اضطرابات قلق حادة مرتبطة بانعدام الأمن الاقتصادي.

ويمثل الوضع في قطاع غزة نموذجًا صارخًا لهذه الأزمة، حيث بلغت معدلات البطالة نحو 85%، فيما تجاوزت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر 96% وفق بيانات الأمم المتحدة الصادرة في مايو 2026، موضحًا أن الحياة الاقتصادية هناك تحولت من اقتصاد فقر إلى ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد النجاة"، حيث ينشغل الأفراد بتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للبقاء.

وقد أصبحت الهجرة غير النظامية إحدى أبرز الاستجابات للخوف الاقتصادي وفقدان الأمل في المستقبل، وبناء على بيانات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2025 التي تشير إلى أن عدد المهاجرين العرب غير النظاميين الذين حاولوا الوصول إلى أوروبا خلال عامين تجاوز 250 ألف شخص، في حين سجل البحر المتوسط أكثر من 8 آلاف حالة وفاة بين المهاجرين خلال الفترة نفسها.

كما أن الأموال التي دفعتها شبكات الهجرة والتهريب خلال الفترة من 2022 إلى 2025 تُقدَّر بنحو 15 مليار دولار، وهي أموال كان يمكن استثمارها في مشروعات إنتاجية داخل الدول العربية.

هذه الظاهرة تخلق دائرة اقتصادية مغلقة، إذ يدفع الخوف إلى الهجرة، وتؤدي الهجرة إلى استنزاف المدخرات، بينما تتحول التحويلات المالية التي بلغت نحو 65 مليار دولار خلال عام 2024 إلى وسيلة لدعم الاستهلاك الأسري دون أن تسهم بشكل كافٍ في بناء قاعدة إنتاجية أو صناعية واسعة.

ويعد ضعف شبكات الحماية الاجتماعية من أبرز العوامل المغذية لاقتصاد الخوف، موضحًا أن بيانات منظمة العمل الدولية لعام 2025 أشارت إلى أن أقل من 10% من العمال العرب يتمتعون بتغطية تأمين ضد البطالة، مقارنة بنحو 70% في أوروبا، بينما لا تتجاوز نسبة من يحصلون على تغطية صحية شاملة غير مرتبطة بالوظيفة نحو 15%.

هذه الأرقام تعني أن غالبية المواطنين يعيشون في حالة هشاشة اقتصادية مستمرة، حيث يمكن أن يؤدي فقدان الوظيفة إلى فقدان الدخل والرعاية الصحية والقدرة على تحمل تكاليف التعليم والسكن في الوقت ذاته، وهو ما يدفع الكثيرين إلى قبول أي شروط عمل مهما كانت صعبة أو غير عادلة.

وفي سياق متصل، فإن وسائل الإعلام تلعب دورًا مهمًا في تشكيل المناخ النفسي والاقتصادي العام، فوفق دراسة أجراها مركز حماية وحرية الصحفيين عام 2025 على 12 قناة عربية كبرى أظهرت أن نحو 80% من مقدمات النشرات الإخبارية تضمنت مفردات مرتبطة بالأزمات والخطر والانهيار والحروب والفوضى، بينما لم تتجاوز نسبة الأخبار المرتبطة بالحلول أو قصص النجاح والأمل نحو 7%.

هذه الظاهرة لا ترتبط بالضرورة بتوجهات إعلامية مقصودة، وإنما بطبيعة الاقتصاد الإعلامي وخوارزميات المنصات الرقمية التي تمنح أولوية للمحتوى الأكثر إثارة وقدرة على جذب الانتباه، الأمر الذي يساهم في ترسيخ مشاعر القلق وعدم اليقين لدى الجمهور.

وتمثل الحروب والنزاعات المسلحة أحد أكبر مصادر الخوف الاقتصادي في المنطقة العربية، حيث تشير تقديرات البنك الدولي والأمم المتحدة لعام 2026 إلى أن الصراعات في سوريا واليمن وليبيا والسودان والعراق وفلسطين كلفت الاقتصاد العربي أكثر من 3 تريليونات دولار، وهو رقم يعادل نحو ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لمصر خلال عام 2024.

آثار الثورات والحروب

لا تقتصر آثار الثورات والحروب على الدمار المباشر، بل تشمل أيضًا هروب الاستثمارات وانهيار العملات الوطنية وتراجع الإنتاج وتعطل البنية التحتية. فعلى سبيل المثال، انكمش الاقتصاد السوري بنحو 85% خلال عقد واحد، بينما لا يعمل سوى 30% من المصانع في اليمن، في حين تراجع الناتج المحلي للسودان بنحو 40% خلال عام واحد فقط.

ويمثل الفساد أحد أهم العوامل التي تغذي مناخ الخوف الاقتصادي، بناء على تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2025 أظهر وجود 14 دولة عربية ضمن الفئات ذات المؤشرات المنخفضة في مدركات الفساد، بأقل من 40 نقطة من أصل 100.

وتفيد تقديرات الأمم المتحدة لعام 2026 بخروج ما يقرب من 400 مليار دولار سنويًا من المنطقة العربية في صورة أموال مهربة أو مهدرة، وهو ما يمثل أكثر من 10% من الناتج المحلي العربي، الأمر الذي ينعكس على مستويات الثقة والاستثمار والتنمية.

وبناء على استطلاع "الباروميتر العربي" لعام 2025 الذي كشف عن تراجع ملحوظ في مستويات الثقة العامة، حيث أبدى نحو 70% من المواطنين عدم ثقتهم في قدرة الحكومات على حل الأزمات الاقتصادية، بينما أعرب 65% عن عدم ثقتهم بالمؤسسات المالية، واعتبر نحو 80% أن الفساد يتزايد بمرور الوقت.

ورغم هذه الصورة المعقدة، الا أن هناك مؤشرات إيجابية تستحق التوقف عندها، موضحًا أن التحويلات الرقمية بين الدول العربية ارتفعت بنحو 140% خلال أربع سنوات وفق بيانات البنك الإسلامي للتنمية لعام 2026، كما ارتفع عدد الشركات الناشئة العربية من نحو 800 شركة عام 2020 إلى أكثر من 4200 شركة بحلول عام 2025.

كما أن استطلاعات الرأي الحديثة أظهرت ارتفاع نسبة الشباب الذين يؤمنون بقدرتهم على تحسين أوضاعهم المالية بأنفسهم إلى نحو 34% خلال عام 2026، مقارنة بـ19% فقط في عام 2020، وهو ما يعكس وجود قدر من التفاؤل والإرادة لدى الأجيال الجديدة رغم التحديات.

ومن أجل الخروج من دائرة اقتصاد الخوف. فإن هذا يتطلب إصلاحات هيكلية شاملة تشمل تطوير شبكات الحماية الاجتماعية، وتحسين بيئة العمل والاستثمار، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، ودعم الإعلام المسؤول، مشددًا على أن بناء اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والابتكار هو الطريق الحقيقي للانتقال من اقتصاد القلق والخوف إلى اقتصاد الفرص والتنمية المستدامة.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وفاة نجم قناة كراميش تهز مواقع التواصل بالأردن

إربد: طفل يتعرض لـ7 طعنات خلال احتفالات عيد الاستقلال

الخروف البلدي يسجل رقماً قياسياً وسعراً نادراً .. تفاصيل

إغلاق 32 فندقا في إقليم البترا وتسريح أكثر من ألف موظف

الأمانة تحذّر .. غرامة تصل إلى 500 دينار لمرتكب هذه المخالفة

من 50 إلى 115 ديناراً .. تفاصيل رسوم التأمين الصحي الاختياري في الأردن

الأمن العام: وفاة مطلق النار بعد إصابة ثلاثة مواطنين في الأشرفية

قبيل مباراة النشامى بالمونديال .. الأردنيون على موعد مع عطلة رسمية

حكم بحبس أمين عام وزارة .. ما السبب

الأمن العام: حادثة الأشرفية نتجت عن خلاف بحكم الجوار

دراسة: عدد سكان العالم يتجاوز مستوى استيعاب الأرض

فاجعة في إربد .. 3 وفيات وإصابتان بحادث تصادم

دائرة الإفتاء توضح أحكام "الإقالة" وإعادة المصوغات الذهبية للبائع

الأمن العام : وفاة أحد المصابين بحادثة الأشرفية متأثرا بإصابته

القناة الرياضية الأردنية تنقل مباريات النشامى في نهائيات كأس العالم