جميس بيكر قال وفعل

جميس بيكر قال وفعل

29-07-2026 11:52 AM

التقى وزير خارجية أمريكا في عهد الرئيس بوش الأب السيد جميس بيكر بوزير خارجية العراق آنذاك السيد طارق عزيز في جينيف، في محادثات على إثر احتلال القوات العراقية الكويت سنة ١٩٩٠، وحينها هدد وزير الخارجية الأمريكي بأنه سيعيد العراق إلى العصور الوسطى إذا لم تنسحب قواته من الكويت.
وتتميز العصور الوسطى في اوروبا بأنها عصور الظلام والفقر والجهل، حيث تسيطر طبقة الامراء والنبلاء على المال والسلطة، وتعيش الأغلبية في فقر وحاجة وظلم شديد، وتشتت السلطة وغياب الدولة المركزية لصالح الامراء والنبلاء والاقطاعيين، وسيطرة رجال الدين ومشاركتهم في السلطة والمال، ومحاربة العلم ونشر الجهل، وسيطرة العقائد الفاسدة والعبادات المبتدعة، والسحر والشعوذة، على فكر الناس والتعليم والحياة العامة، ونشوء ميليشيات عسكرية متعددة تخدم الطبقة المسيطرة والمستفيدة.
وفي العراق كنا نظن أن تهديد جميس بيكر يعني دمار العراق ماديا، وقلنا مهما كان دمار الحرب سيبنيه أبناء البلد من جديد، ولم نكن نتخيل يوما بأن العراق العظيم والذي كان ينافس العالم في التقدم والعلم والبناء، سيصبح فعلا دولة من دول العصور الوسطى.
بعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وبمساعدة إيران وبعض دول المنطقة، حكم العراق الامريكي بول بريمر، وحل الجيش العراقي وكل مؤسسات الدولة، ومن ثم سلم حكم العراق لأحزاب دينية طائفية وميليشيات أغلبها تابعة لإيران، وكانت تقاتل ضد بلادها في حربها مع إيران، وشاركهم في البداية جماعة الإخوان المسلمين في العراق وكان يمثلهم طارق الهاشمي آنذاك والذي أصبح نائبا لرئيس الجمهورية، ولكن سرعان ما انقلب عليه المالكي وتم طردهم من مؤسسة الحكم، لتستمر الجماعة في المشاركة هنا وهناك إلى يومنا هذا، وشارك بعض الاشخاص المحسوبين على السنة والمعارضة والذين تم تحيدهم فيما بعد.
وبدأت الحرب الطائفية، حين أسس مقتدى الصدر جيش المهدي بحجة مقاومة الامريكان، ولكنه بدأ يفجر الأماكن المقدسة عند الشيعة، ويفجر بين زوار تلك الاماكن فيقتل منهم، ثم يتم اتهام السنة بفعل ذلك، فقامت حرب طائفية لم تبقي ولا تذر، قتل وسجن وتعذيب وتهجير وترويع ودمار لمناطق السنة.
وأخذ الجيش العراقي السابق المنحل وبعض عشائر أهل السنة وبعض الجماعات الدينية منها على عاتقها مقاومة المحتل، واثخنوا فيه الجراح، ولكن تم القضاء على تلك المقاومة عبر السنين باستخدام الاسلحة المحرمة دوليا، ثم مشاركة الميليشيات الطائفية في ذلك، حتى تم تأسيس ما يسمى داعش من قبل مخابرات الغرب وإيران وبعض دول المنطقة، وكانت ذريعة للقضاء على مقاومة المحتل، وتدمير مناطق السنة عن بكرة أبيها والموصل كانت شاهدة على ذلك، وعلى اثرها تم تأسيس الحشد الشعبي الذي أخذ يحل محل الجيش والأمن، واستكمل حربه الطائفية.
ولم ينحصر أثر هذه الميليشيات الطائفية داخل العراق، بل امتد ليتدخل في سوريا ولبنان واليمن وبعض دول الخليج، وجرائمه في سوريا ما زالت ماثلة للعيان، وأخذ يهدد المنطقة بأسرها، حشدت قواتها على الحدود مع الأردن بحجة مقاومة العدو الصهيوني، وكذلك فعلت مع الكويت والسعودية، وطالت أياديها الآثمة تلك الدول الشقيقة بالعدوان.
أما العراق اليوم فهو يعيش أسوأ من العصور الوسطى، فقرا وجهلا ودمارا وفسادا، تتضح معالمه يوما بعد يوم، والمخفي أعظم.
جيمس بيكر قال وفعل، خطة وضعت منذ عقود، ونفذت خلالها بأيدي الكثير من الداخل والخارج في العراق، لعل البعض قد ندم أشد الندم على ما وصل إليه العراق اليوم من عدم الاستقرار الداخلي والخارجي للمنطقة كلها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد