«المساومة» في الحوار الوطني السوداني

«المساومة» في الحوار الوطني السوداني

03-08-2026 01:51 AM

مقال اليوم هو الثامن في سلسلة مقالاتنا حول دعوات الحوار الوطني في السودان. والتيمة الرئيسية في هذه المقالات هي أن الحوار الوطني المنشود ليس سمنارا أو جلسة أكاديمية أو لقاء للعصف الذهني، مثلما هو ليس مجرد تسوية سياسية مبتذلة لاقتسام كراسي السلطة، بل هو عملية وجودية ومفاوضات مصيرية لمعالجة الأسباب الجذرية للحرب ومنع تجددها، ولإرساء أسس متينة لمستقبل واعد للسودان. لذلك، قلنا إن الحوار الوطني لن ينجح ولن يخطو أي خطوة في علاج الأسباب الجذرية للأزمة والحرب في السودان، إلا إذا صاحبته مجموعة من العناصر والمقومات، على رأسها: توفر الإرادة السياسية الصادقة عند كل الأطراف، وتوافقهم على الهدف الرئيسي من الحوار، وبناء الثقة بين الأطراف قبل بدء الحوار، والقبول والقناعة بأن مبدأ المساومة، وليس مبدأ الربح والخسارة، هو الحاكم لعمليات الحوار، والقبول والإقرار، قبل بدء الحوار، بأن مخرجاته ملزمة للجميع، إضافة إلى مجموعة من الترتيبات الركنية القطعية والفاصلة. وفي مقالاتنا السابقة استكملنا مناقشة عنصر توفر الإرادة والتوافق حول الهدف، وعنصر بناء الثقة كمدخل للحوار، ثم شرعنا في مناقشة العنصر الثالث، مبدأ المساومة، ونستكمل مناقشتة في مقال اليوم.
القبول بمبدأ المساومة والتمسك به في التفاوض والحوار الوطني، يشكل حماية من الوقوع في مصيدة مبدأ الربح والخسارة والذي قطعا سيصيب الحوار في مقتل. هنالك فوارق جوهرية بين المبدأين، فعقلية الربح والخسارة صفرية تنظر إلى قضايا الحوار، السلطة والثروة مثلا، باعتبارها رصيدًا وموردا محدودً، ما ينالُه طرف، يُنقِصُ من حظِّ الطرف الآخر، بينما عقلية المساومة إيجابية تنظر إلى هذه القضايا باعتبارها مواردَ قابلةً للتكاثر والنماء، ويمكن أن يتضاعف حجمها بالإصلاح والاستقرار، فتسع الجميع. والسؤال الأساسي عند عقلية الربح والخسارة هو من يكسب أكثر؟ وتركز على الحقوق التاريخية والمكاسب السابقة، بينما المساومة تسأل ما هو الحل الأقل ضرراً للجميع؟ وتركز على المصالح المستقبلية والواقع الحالي. ومبدأ الربح والخسارة يهدف إلى إضعاف الطرف الآخر، ويعتبر التنازل هزيمة وعلامة ضعف، أما المساومة فتبحث عن نقاط الالتقاء حيث تلتقي مصالح الأطراف ولو جزئياً، وتعتبر التنازل استثماراً في استقرار العلاقة، وشراءً للأمن المستقبلي. وخلاصة الأمر، أن المساومة الناجحة تعني أن يقدم كل طرف تنازلات في الملفات التي تقل أهميتها نسبياً بالنسبة له، مقابل الحصول على تنازلات من الآخر في الملفات الأكثر أهمية بالنسبة له.
ولكن، المساومة في الحوار الوطني يمكن أن تتحول إلى ابتزاز وسوق للبيع والشراء ما لم تخضع لقواعد صارمة، منها: 1- كل طرف يحدد سراً موقفه التفاوضي، حده الأدنى ما لا يمكن التنازل عنه نهائياً، أي الثوابت الوطنية أو الخط الأحمر، وحده الأقصى ما يمكنه المطالبة به، لكنه مستعد للتفريط فيه. والمساومة تدور في المساحة بين هذين الحدين، وليس على الثوابت نفسها. 2- المساومة الصحية تقوم على حزم متكاملة، تقدم فيها التنازلات بشكل متزامن أو وفق جدول زمني متفق عليه مسبقاً. فالثقة يمكن أن تنهار إذا قدم طرف تنازلاً، ثم انتظر طويلاً ليرى رد الطرف الآخر. 3- بدلاً من التفاوض على كل شيء دفعة واحدة، وهو ما يؤدي إلى الجمود، يتم تقسيم القضايا إلى حزم صغيرة، وتحل الأسهل أولاً لخلق زخم نجاحات، مما يشجع الأطراف على تقديم تنازلات في القضايا الأصعب لاحقاً. 4- من أهم قواعد المساومة في ثقافاتنا، قاعدة إنقاذ ماء الوجه. فالتنازل يجب أن يُقدّم بطريقة تسمح للطرف المتنازل بأن يقدمه لقاعدته الجماهيرية على أنه مكسب وطني وليس تراجعا.
نحن نقول إن سيطرة عقلية الربح والخسارة على أطراف الحوار يعني فشل الحوار ومواته، وأن المطلوب أن يكون الرابح هو الوطن وليس طرفاً بعينه. فكيف نضمن ذلك؟ ومباشرة نقول، لكي يكون الوطن هو الرابح الوحيد، يجب أن تخضع المساومة لمعيار موضوعي وليس للقوة التفاوضية فقط. بمعنى، أولا، وجود مرجعية وطنية، إعلان مبادئ، تحدد المنطقة المحرمة التي لا تُمس في المساومة، مثلا: وحدة البلاد، هوية الدولة، سيادة حقوق الإنسان…الخ. فالوطن يربح عندما تلتزم المساومة بهذه الثوابت. وثانيا، إخضاع نتائج المساومة لآليات الرقابة المجتمعية، الرأي العام الواعي في المجتمع المدني والقواعد النقابية والشبابية والمرأة. ليس كل اتفاق يتم بين القادة هو «ربح للوطن»، فالوطن يربح فقط عندما يكون الاتفاق قابلاً للحياة وليس مجرد صفقة أو تسوية شكلية. وثالثا، المقياس العملي لربح الوطن هو أن تلمس المساومة معيشة الناس، فيخرج المواطن البسيط من الاتفاق بحياة أفضل. بخلاف ذلك، فهي ليست مساومة وطنية، بل هي صفقة نخبوية، وحتى لو ربحها طرف، فإن الوطن يخسرها.
الخلاصة النهائية، هي أن المساومة في الحوار الوطني ليست تفاوضاً تجارياً، بل هي «جراحة سياسية»، حيث يعلم الجميع أن المأزوم هو الوطن، وأنه لا بد من استئصال بعض الأورام، أي التخلي عن بعض المطالب، لإنقاذ الجسد كله. وأن الرابح الأوحد هنا ليس الطرف الذي يحصد أكبر عدد من المكاسب، ولا من يفرض رؤيته بالقوة، بل هو المواطن الذي ينام آمناً، والوطن الذي يستعيد عافيته. أنظر إلى النتيجة النهائية لعملية التفاوض، هل احتوت على نقاط لم تكن مرغوبة لأي من أطراف الحوار، لكن تم قبولها لأنها «أقل الضرر» للجميع؟ هذه هي «نقاط المساومة الحقيقية» التي يربح فيها الوطن.
أخيرا، مفهوم المساومة، والذي ناقشناه على مدى ثلاثة مقالات كاملة، هو ذات معنى «المساومة التاريخية» التي طرحناها بتاريخ 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2019، وتشنج الكثيرون في رفضها وكأنها بمثابة طوق نجاة لأزلام نظام الإنقاذ وعفوا عن جرائمهم، في حين هي بعيدة تماما عن ذلك.
يا ترى، كيف يمكن تصور حال الوطن اليوم لو تبنينا فكرة المساومة التاريخية آنذاك؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد