بين آفاق وكوابيس: نزهات السيريالية

بين آفاق وكوابيس: نزهات السيريالية

03-08-2026 01:51 AM

للوهلة الأولى، فإنّ مشروع تأليف كتاب كامل حول صورة فوتوغرافية تلتقط نزهة على شاطئ، جنوب فرنسا، سنة 1937، سوف يبدو مغامرة فريدة، شيّقة مبدئياً، غير مألوفة، مثيرة للتساؤلات، محفوفة بالمصاعب، وقد يساجل البعض: مجانية، متكلفة، ضعيفة التبرير، هزيلة النتائج… تلك وسواها من ردود أفعال الذائقة الجماعية، وهي غالباً متجبرة متنوعة متغايرة غاشمة، قد تلوح مشروعة بصرف النظر عن مسوّغات انبثاقها أصلاً؛ على كتاب المؤرخة والناقدة الثقافية البريطانية أنّا توماسون «أفق فسيح»، الذي صدر مؤخراً بالإنكليزية ضمن منشورات Picador.
الكتاب، بمقدّمته وفصوله الثلاثة وصفحاته الـ300، يتناول (والأحرى القول: يفكك، ويعيد تركيب) صورة فوتوغرافية واحدة بعنوان «نزهة»، ضمن مجموعة من مئات الصور التُقطت خلال تلك الرحلة؛ في رحاب «فندق ومطعم الأفق الفسيح»، بلدة موجان، على شواطئ الكوت دازور الفرنسية. وأمّا خصوصية تلك اللقطة، وامتياز السياق خلفها، فيبدأ من اجتماع هؤلاء السيدات والسادة: بول إيلوار (الشاعر الفرنسي وأحد كبار مؤسسي الحركة السوريالية)؛ بابلو بيكاسو (دون سواه)؛ دورا مار (المصوّرة والشاعرة والرسامة الفرنسية، حبيبة بيكاسو)؛ مان راي (الفنان والمصوّر الأمريكي، أحد مؤسسي الدادائية والسوريالية)؛ لي ميللر (مصوّرة الأزياء الأمريكية)؛ إيلين أغار (التشكيلية البريطانية، والوجه البارز بين نساء السوريالية الرائدات)؛ وسواهنّ، وسواهم.
الأقسام الداخلية في الكتاب تحمل أسماء المتنزهين، كلّ في مناسبة أو واقعة أو تفصيل يخصّ النزهة، وليس على سبيل التبويب أو تجزئة الفصل إلى شخصيات أو مواقف أو حصّة في المشهد الحاشد؛ بل بهدف تظهير عنصر هنا، أو نقلة هناك، أو بُعد تكويني في كلّ حال. وذلك سعياً إلى ترسيم صور متلاحقة للخلفيات السياسية والفكرية والجمالية والتعبيرية التي تمخضت، ببطء مدهش وتؤدة نادرة، كي تلد صباحات السوريالية الفرنسية، ثمّ العالمية استطراداً. ليس هذا فحسب، رغم أنه خيار تأليفي بارع الذكاء وعالي المشقة وشديد التشويق في آن معاً، بل ثمة خلفية أقرب إلى الكابوس الوشيك خيّمت على الأذهان والنفوس: نُذُر النازية والفاشية، وتباشير الحرب العالمية الثانية.
وتكتب توماسون: «تلك السنة كان كلّ شيء سائلاً، هشاً. بدت الحياة مؤقتة وملحّة. كان ثمة إحساس بالعيش طبقاً لزمن مستعار. وكانت السنة راهنية تماماً بالنسبة إلى معنى أن يكون المرء فناناً. مصوّر فوتوغرافي، فنان، شاعر، عارضة أزياء، راقصة… جميعهم كانوا، بطرق مختلفة، عُرضة لتفكيك هوياتهم وإعادة تركيبها. كانوا متمردين، ضدّ الطبقة، والعائلات، والقوميات، والفاشية، وإملاءات الجندر الاجتماعية. عاشوا خارج التقاليد وفي تحدّ لها. ولأنهم أرواح هائمة، فإنّ بحثهم عن الاستقلال والحرية الذاتية أرسل بعضهم إلى الجانب الآخر من العالم، إمّا في صيغة منفى مفروض ذاتياً، أو منفى آخر بعيد عن المكان الذي فيه ولدوا وترعرعوا. ولقد اعتنقوا الشيوعية و/ أو السوريالية، وبدّلوا أسماءهم، وأعرضوا عن الزواج، وعاشوا راديكاليين، وأعادوا تخيّل حيواتهم، وحلموا بمستقبل أفضل».
ضمن هذه الآفاق الوصفية، وبمثل هذه اللغة التي لا تتحرّج من إطلاق المجاز على عواهنه، توجّب أن تذهب توماسون أبعد كثيراً من جدل المعنى والمغزى خلف لقاءات هذا الرهط، على شواطئ وبقاع لن يتأخر الوقت حتى تشهد الانفجار العظيم صحبة إراقة دماء الملايين من البشر. وهذا البعيد، الذي تطلعت إليه ناقدة ثقافية عالية الطموح، يمسح حوليات الزمان أسوة بفضائيات المكان، كي يضع في قلب دوامة التحولات التاريخية تلك البرهة الوجيزة بمعطياتها الفلسفية والجمالية والفنية؛ حيث التناقضات لا تتعاظم إلا في أتون من الأسئلة المعلقة، وحيث الاستعصاء الضمني ليس سوى الواجهة الأصدق لكلّ توافق وأيّ إجماع؛ وحيث لن تكون قصيدة إيلوار الأشهر، «الحرّية»، سوى المنظور الشعري للوحة «غرنيكا» التي أرادها بيكاسو علامة كبرى فارقة على حروب البشر/ الوحوش، أو العكس… فليس من فارق!
النطاق الأوسع الذي تذهب إليه توماسون سوف يشمل مآلات تيارات التجريب والتحوّل والحداثات المتعددة في الفنون والآداب إجمالاً، وفي الحركة السوريالية بصفة خاصة؛ ليس من زاوية عنصر المقاومة الذي انتهجه الكتّاب والفنانون في وجه الرقابة والاستبداد والحروب فقط، بل كذلك في سمة خاصة كانت طارئة ولافتة، وتبيّن أنّ من الصعب تكرارها بذات الزخم الهائل الذي اتصفت به: اللقاء مثلث الأطراف، غير المنتظَر وغير المألوف، بين الحركة السوريالية، ومقاومة النازية، والحزب الشيوعي الفرنسي واليسار إجمالاً.
كان إيلوار قد أطلق مفردة الحرية على مسميات شتى، مادية ومعنوية، في القصيدة الشهيرة كما في أساليب العمل السري ضدّ الاحتلال النازي لفرنسا. وفي أيار (مايو) من تلك السنة ذاتها، 1937، كانت باريس تحتضن «المعرض العالمي لفنّ وتكنولوجيا الحياة الحديثة»، فتُرسَل الإشاراتُ صريحة ومتعاقبة حول عصر التحولات الكبرى؛ رغم المآزق والمنعطفات الدامية. أمّا قبل سنة فقط، فقد كانت الحرب الأهلية قد اندلعت في إسبانيا، فتوافد 40 ألف متطوّع عالمي لمساندة الجمهوريين ضدّ الجنرال الدكتاتور فرانكو؛ وكان بينهم أمثال بابلو نيرودا، أوكتافيو باث، إرنست همنغواي، بول روبسون، جون دوس باسوس، و. هـ. أودن، جورج أورويل، وكريستوفر كودويل.
وهكذا، بين نزهات وكوابيس لم تزدهر السوريالية وحدها، بل كانت حقبة بأسرها تنفتح على أفاق أرحب، جمالية بقدر ما هي إنسانية، يحدث أن تختزن الكثير من عناصرها… صورة فوتوغراف واحدة!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد