الطفلُ راويا: ولكنّ الإمبراطور عارٍ
03-08-2026 01:52 AM
أذكر برنامجا مترجما كان يُعرض على إحدى القنوات في بداية الألفية، يقوم على فكرة طريفة لكنها عميقة، يطرح مقدم البرنامج أسئلة على أطفال صغار في قضايا كبرى، كالاحتباس الحراري والاستنساخ والذعر العالمي من تعطل أنظمة الحواسيب عام ألفين، ثم يستمع ويستمتع بأجوبة خارج الصندوق من الأطفال تجمع بين الطرافة والبراءة.
وفكرة أن نرى العالم بعيون طفل راودت كثيرا من المبدعين، ولا أعني الكتابة للأطفال، حيث يجب تقمص طريقة تفكيرهم، بل أعني الكتابة للكبار بلسان وتفكير طفل، وسر هذا الاهتمام بهذه التقنية يعود أساسا إلى فكرة أن زاوية نظر الطفل ستكون مختلفة حتما عن زاوية نظر الكبار، لا لأنه يعرف أكثر من غيره فيعيد اكتشاف العالم حسب معرفته، بل لأنه يرى العالم للمرة الأولى بما يصاحب ذلك من دهشة وسحر. فما يعتاده الكبار يصبح غير مرئي، أما بعيني الطفل فالعادي استثنائي عنده، والتفاصيل العابرة البسيطة تغدو مركزية. وهذه التقنية السردية لها إيجابيات عديدة، فهي تضفي على السرد براءة الرؤية، حيث يكتفي الطفل بوصف الأحداث والوقائع، من دون إطلاق أحكام قيمية عليه، ويترك تفسيرها للقارئ الراشد. ومن خلال وصفه تتجلى تناقضات عالم الكبار فالظلم والنفاق والتمييز العنصري، يراها الصغير أمورا غريبة، أما الكبار فقد لا يلاحظونها لأنهم اعتادوا عليها. كما أن رحلة اكتشاف الطفل للعالم تثير تعاطف القارئ فيشاركه الدهشة والأسئلة الأولى والخوف.
وأهم ما يميز هذه التقنية المفارقة الدرامية تجاه الحدث نفسه: الطفل يصفه والقارئ يفهمه، فتنتج عن ذلك حكايتان متوازيتان داخل النص «الحكاية التي يقصد الطفل روايتها، والحكاية التي يكتشفها القارئ خلف براءته». لهذه الأسباب يلبس الروائي قناع طفل ليكتب خارج الصندوق، ويكسر رتابة المألوف، فطريقة تساؤل الأطفال التي يراها الكبار بديهية، تغير نظرتنا للأشياء والأحداث، في قصة «الأمير الصغير» لسانت إكزبيري لم ير الكبار في رسمة الطفل سوى قبعة، ونصحوه بالاهتمام بأشياء أكثر جدية، فـ»الراشدون يحبون الأرقام وحدها»، ولكن الأمير الصغير فهم الرسمة من أول نظرة، وهو ما لخصه الثعلب في ما بعد في جملة أصبحت من أكثر الاقتباسات دورانا على الألسنة «نحن لا نبصر جيدا إلا بالقلب، فالشيء المهم لا تراه الأعين».
وللتدليل على نجاعة هذه التقنية السردية وقدرتها على تجاوز المألوف لا يمكننا إغفال واحد من أشهر الأمثلة عليها في الأدب العالمي، رواية «أن تقتل طائرا بريئا» للروائية الأمريكية هاربر لي، التي لم تكتب سوى هذه الرواية، وانسحبت إلى قريتها الصغيرة لتعيش بهدوء مجيبة من يلحّ عليها لكتابة رواية أخرى بقولها، «لقد قلتُ ما كان عليَّ أن أقوله»، فقد أوصلتْ للقارئ على لسان سكاوت فينش بطلة الرواية ذات السنوات الست كل أفكارها عن العدالة والتمييز العنصري والظلم. فهذه البنت لا تدرك تماما أبعاد القضية التي يدافع عنها والدها المحامي (رجل أسود اتُّهم زورا باغتصاب فتاة بيضاء)، حيث ترى استغراب الناس من موقف أبيها، وتلاحظ نظرات الاحتقار، وتسمع الشتائم، لكنها لا تستوعب جذور الكراهية العنصرية التي تحرك المجتمع. في مفارقة مؤثرة بين وعي الطفلة المحدود ووعي القارئ، الذي يقرأ ما وراء كلماتها.
البنت تصِف، بينما القارئ يفسر. وصغر سنها لا يجعل منها راويا غير موثوق فيه، بل العكس هو الأقرب إلى الصواب فروايتها للأحداث جديرة بالثقة، لأن البنت تفتقر إلى الدهاء اللازم لاختراع قصتها، أو حجب معلومات لمصلحتها الشخصية، بل إن صدقها وبراءتها في رواية الأحداث يتحولان إلى أداة نقدية تكشف هشاشة العدالة عندما تخضع لتحيز المجتمع، وتؤكد أن عين الطفل قد ترى الحقيقة أوضح من أعين الكبار التي أفسدتها الأحكام المسبقة.
نموذج ناجح آخر في الرواية الغربية عن الطفل راويا، تجسد في رواية «الغرفة» للكاتبة الإيرلندية الكندية إيما دونوهيو، التي نالت عنها جائزة مان بوكر العالمية، فراوي القصة طفل في الخامسة من عمره، يدعى جاك يعيش مع أمه داخل غرفة صغيرة مغلقة هي كل عالمه. لا يعرف أن أمه ضحية اختطاف وأنهما محتجزان منذ سنوات. عندما تكشف له والدته الحقيقة، يخططان بجرأة للهروب، فيواجه جاك للمرة الأولى عالما واسعا مليئا بالتجارب والأسئلة، في الوقت الذي تحاول فيه أمه التعافي من الصدمة وبناء حياة جديدة. وقد نجحت الروائية في تقمص تفكير الطفل ولغته، فاستخدمت لغة طفل في الخامسة يروي بضمير المتكلم في زمن المضارع عبر معجم محدود لغويّا جمله مبتسرة، وأخطاؤه النحوية مقصودة، واستعاراته وصفية ساذجة، ومن أمثلة ذلك كتابة أسماء الأشياء المحيطة بالطفل بأحرف كبيرة مثل «السجادة» و»السرير» والتعامل معها ككائنات حية، فالطفل لمحدودية عالمه يأنسن الغرفة والنبات ويرى العالم الخارجي مجرد خيال تلفزيوني. مما يخلق لدى القارئ فجوة معرفية مؤثرة بين فهمه للرعب الحقيقي الذي تعيشه الأم وسذاجة الراوي ذي السنوات الخمس. فالبراءة عند جاك وسيلة فنية لرسم واقع مرعب قائم على الاختطاف وخطر الموت يرويه ولا يشعر به، لأن لديه واقعا مغايرا يعيشه شكّلته له أمه منذ ولادته لحمايته.
نعثر على طفل في الخامسة من عمره أي في سن جاك في الرواية العربية عند الروائي المصري صنع الله إبراهيم في روايته «التلصص»، حيث يراقب الطفل الصغير الذي يروي مشاهداته بضمير المتكلم العالمَ من حوله، ويسجل لنا تفاصيله اليومية ببراءة، أما تفسيرها واكتشاف معانيها فموكول إلى القارئ، عين الطفل كاميرا محايدة ترصد تحولات القاهرة في أواخر العهد الملكي من خلال تفاصيل صغيرة: لافتات السينما، طربوش وسيجارة الوالد، رائحة الدكان، الأحاديث المنزلية، جزئيات لا يتوقف عندها الكبار، يسجلها لنا الطفل بعين دقيقة، نكتشف عبرها عالم الكبار بأسراره وفضائحه وتناقضاته السياسية والاجتماعية، بفقره وغناه. ومن هنا يتحول فعل التلصص من سلوك طفولي عابر إلى وسيلة معرفية. فالطفل يتجسس بدافع الفضول، بينما يقرأ القارئ ما وراء ما يراه الطفل، فيكتشف أسرار السلطة، وبنية المجتمع، والعلاقات الأسرية، والتفاوت الطبقي «فتتولد داخل النص طبقتان من المعنى: الأولى تخص الطفل الذي يكتفي بالمشاهدة، والثانية تخص القارئ الذي يعيد تأويل تلك المشاهد في ضوء خبرته». وقد اعتمد صنع الله إبراهيم أسلوبا قائما على الاقتصاد اللغوي والتفاصيل المادية الدقيقة، لإنجاح هذه التقنية. فالجمل القصيرة، والوصف التسجيلي، والابتعاد عن الزخرفة البلاغية، كلها جعلت الطفل يبدو حقيقيّا، لا كاتبا متمرسا يتحدث بلغة طفل.
غير أن الرواية العربية التي اعتمدت الطفل راويا ويجدر بنا الوقوف عندها هي «طيور الحذر» للروائي الفلسطيني إبراهيم نصرالله، إذ يروي لنا هذا الطفل أو الصغير أو الولد – فلا اسم له في الرواية – التغريبة الفلسطينية بمآسيها ومخيمات أبنائها وتشردهم، يرويها الطفل منذ أن كان جنينا في بطن أمه إلى سن الثالثة عشر، وهي بداية فانتازية أقرب إلى أسلوب الواقعية السحرية، تسجل فيها الذاكرة الجنينية كل شيء، وتلخصها الجملة التي قالها الطفل/الرواي لأمه «لن تصدقي أنني أتذكر كل ما حدث، كما لو أنه يحدث الآن وغدا، كما لو أنه يحدث دائما». فهذا الطفل في مختلف أطوار طفولته شاهد عيان على الفقر والجوع والتشرد والانتظار والخوف، تعلّم أن يصطاد العصافير لا ليأكلها، بل ليعلّمها تقنيات البقاء والنجاة من الفخاخ، قد تكون رواية «طيور الحذر» سيرة ذاتية للروائي نفسه منذ تفتح وعيه على مأساة شعب وضياع وطن، صاغها نصر الله لتؤرخ للتغريبة الموجعة بلسان البراءة، حتى يتفادى كل خطاب شعبوي تقريري، ويمنح بعدا إنسانيّا لقضية مسّت براءة الأطفال فكانوا من أبرز ضحاياها، وما زالوا إلى يومنا هذا ما دام الجرح الفلسطيني نازفا.
جميع النماذج الأربعة التي عرضناها وُفّقت في إقناعنا أن من يروي الحكاية طفل، وهذا أكبر تحد يواجه الرواية التي تعتمد هذه التقنية السردية، إذ يصعب تحقيق التوازن بين أن يكون الروائي راويا جيّدا، وبقائه طفلا، فرغم السهولة الظاهرية في هذه الحيلة الأدبية (إسناد السرد لراو طفل يخفي عيوب الكاتب وضعفه اللغوي خلف التراكيب البسيطة والفكاهة الطفولية) إلا أنها تسير على حافة الخطر، إما بالتبسيط الزائد، أو التعقيد البعيد عن طبيعة الطفل وعالمه. فأبطال الروايات من الأطفال لا يستطيعون إحداث التغيير بأنفسهم، بل هم عالقون في دور المراقبين، ومشاركون بريئون في تطور الأحداث، تؤهلهم براءتهم أن يكونوا تنويعا مُحدّثا لقصة «ملابس الإمبراطور الجديدة» التي كتبها الدنماركي هانز أندرسن عن ذلك الإمبراطور الذي تواطأ شعبه مع المحتالين على السواء، خوفا أو طمعا لإيهامه بأنه يلبس بدلة خفيّة لا تُرى بالعين، لولا أن طفلا صاح ببراءته الصادقة « ولكنّ الإمبراطور عارٍ!
قرار يحمل أكثر من رسالة .. وخصم يستحق التوسع
ارتفاع حرارة الكوكب وأزمة المياه والمناخ
الطفلُ راويا: ولكنّ الإمبراطور عارٍ
بين آفاق وكوابيس: نزهات السيريالية
«المساومة» في الحوار الوطني السوداني
من إيران إلى غزة… هل بدأ ترامب تحجيم نتنياهو
35 قتيلا على الأقل في ضربة بطائرات مسيرة في دارفور
ترامب يعلق الضربة لإيران .. والنفط يهبط 6%
إطلاق قنابل غازية وإخطارات هدم في اقتحامات إسرائيلية بالضفة
ترامب يعلن عن محادثات جديدة مع إيران اعتبارا من الاثنين
الشرع: إزالة النظام السابق كانت ضرورة للمنطقة وليس لسوريا فقط
منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية
بعد مقتل نور طعنا في عمّان .. عائلتها تصدر بيانا وتوضح الحقائق
حقيقة قصة تحول امام مسجد الى أنثى في الأردن
نور برغل .. ماذا بعد عطوة الاعتراف وكيف سيحدد القضاء التهمة؟
خبر سار من الحكومة .. مدعوون لاستلام آلاف الدنانير .. أسماء
تنقلات وتعيينات في مديرية الأمن العام .. أسماء
إبداع سعودي وليبي بمهرجان المونودراما المسرحي
تجار الغذاء: توقف اللحوم الرومانية ليس سبب ارتفاع الأسعار
القوات المسلحة تُصدر بياناً مهماً .. تفاصيل
حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم
ترفيع 4 عمداء وإحالتهم إلى التقاعد .. أسماء
إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد
قفزة بأسعار الذهب عيار 21 محلياً
الترخيص: لا وجود لإعادة الفحص عشرات المرات .. والحديث مجرد ترند
