حين يصبح المواطن ساعي بريد بين مؤسسات الدولة

حين يصبح المواطن ساعي بريد بين مؤسسات الدولة

21-09-2026 04:34 AM

في كل مرة يراجع فيها المواطن مؤسسة حكومية لإنجاز معاملة، يتمنى شيئًا بسيطًا جدًا: أن تنتهي المعاملة، لا يريد أن يعرف كيف تتحرك الورقة خلف المكاتب، ولا أي إدارة ترسل إلى أخرى، ولا أي نظام يتصل بنظام آخر، كل ما يعنيه أن يقدم المطلوب مرة واحدة، وأن تكون البيانات الموجودة لدى الدولة متاحة للجهة التي تحتاجها، وأن يعود إلى بيته وقد انتهى الأمر.
الأردن قطع خطوات مهمة في التحول الرقمي؛ فقد أعلنت الحكومة أن عدد الخدمات الحكومية الرقمية وصل إلى 2060 خدمة، وأن عدد الهويات الرقمية بلغ نحو 2.8 مليون، فيما وصلت نسبة الخدمات القابلة للتحول الرقمي إلى 85.8%، إلى جانب مراكز خدمات حكومية شاملة في عدد من المناطق، وهذه أرقام تعكس حجم التحول الذي يحدث في طريقة تقديم الخدمة العامة.
لكن نجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد المنصات والتطبيقات فقط، بل بالسؤال الذي يطرحه المواطن بعد استخدام الخدمة: هل أصبحت حياتي أسهل؟
فهناك فرق كبير بين أن ننقل المعاملة الورقية إلى شاشة، وبين أن نعيد تصميم رحلة المواطن بالكامل، إذا كان المواطن سيملأ نموذجًا إلكترونيًا، ثم يطبع وثيقة، ثم يراجع مؤسسة أخرى لإثبات معلومة تستطيع الدولة أصلًا التحقق منها، فنحن لم نختصر الرحلة بما يكفي، وإذا كان المواطن مضطرًا إلى إعادة المعلومات نفسها أكثر من مرة، فقد تغير شكل الإجراء، لكن جوهره بقي كما هو.
المواطن لا ينبغي أن يتحول إلى ساعي بريد بين مؤسسات الدولة، ليس من المنطقي أن يحمل بيانات من مؤسسة إلى أخرى في عصر تستطيع فيه الأنظمة الرقمية أن تتبادل المعلومات وفق الأطر القانونية والأمنية المعتمدة، المواطن ليس مسؤولًا عن التنسيق الداخلي بين الجهات الحكومية؛ تلك مهمة المؤسسات نفسها.
والتحول الرقمي الحقيقي يبدأ عندما نسأل: ما الذي يحتاجه المواطن فعلًا؟ لا كم شاشة فتحنا، ولا كم نموذجًا رقمنّا، بل كم خطوة ألغينا؟ كم زيارة اختصرنا؟ كم توقيعًا لم يعد ضروريًا؟ وكم مرة نجح المواطن في إنجاز معاملته من أول محاولة دون أن يعود لأنه لم يعرف معلومة مخفية في صفحة فرعية أو إجراء غير واضح؟
وهنا أيضًا يجب ألا ننسى المواطن الذي لا يمتلك خبرة تقنية عالية، أو من يعيش في منطقة تكون فيها جودة الإنترنت محدودة، أو من يحتاج إلى مساعدة في استخدام الخدمات الإلكترونية، الدولة الرقمية لا ينبغي أن تعني دولة تترك المواطن وحده أمام شاشة؛ بل دولة توفر له خدمة سهلة، واضحة، قابلة للوصول، وتضع الإنسان في مركز التصميم.
التكنولوجيا في النهاية ليست غاية. هي وسيلة، وقيمة أي مشروع رقمي حكومي تظهر في تفاصيل الحياة اليومية: استخراج وثيقة دون رحلة طويلة، دفع خدمة دون الوقوف في طابور، تحديث معلومة دون تكرار المستندات، وإنجاز معاملة دون أن يشعر المواطن أنه يعمل موظفًا إضافيًا بين المؤسسات.
لقد أصبح المواطن الأردني أكثر استعدادًا للتعامل مع التكنولوجيا، ولذلك فإن سقف توقعاته يرتفع أيضًا، لم يعد السؤال: هل توجد خدمة إلكترونية؟ بل: هل الخدمة ذكية بما يكفي لتفهم احتياجي وتنجز معاملتي بأقل جهد ممكن؟
حين تنجح الدولة في الوصول إلى هذه المرحلة، لن يشعر المواطن بأنه انتقل من طابور أمام مكتب إلى طابور داخل تطبيق، بل سيشعر أن الدولة أصبحت أقرب إليه فعلًا، وعندها فقط يصبح التحول الرقمي أكثر من تحديث تقني؛ يصبح تغييرًا حقيقيًا في تجربة الإنسان مع مؤسسات بلده.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

نقيب أصحاب المعاصر يكشف عن سعر تنكة زيت الزيتون للموسم المقبل

بالصور .. أردنيون يعبرون عن استيائهم: أوقفوا المجزرة .. ما القصة

تفاصيل وفاة طالب اليرموك الإندونيسي .. قطار يجر سيارته مئات الأمتار

للمرة الرابعة في 2026 .. ارتفاع مرتقب على أسعار السجائر

فيديو "البقرة الراقصة" وتذاكر بـ425 دينارا .. ماذا كسبت العقبة من حفل عمرو دياب؟

إصابة 9 طلبة إثر انقلاب حافلة مدرسية في لواء بني كنانة

16 عاما من الانتظار .. انتهت بوفاة أماني الحجيجي

حادث مروع على شارع البترا بإربد .. فيديو وصور

مسيّرة حوثية باتجاه مكة .. الدفاعات السعودية تعترضها وتدمرها

عرض مغرٍ انتهى بخسارة أمواله .. قصة احتيال تحولت إلى كابوس .. تحذير أمني

الجيش يعلن عن منح هندسية في أمريكا .. التفاصيل والشروط

مشاجرة في إربد تنتهي بطعن لاعب الحسين إربد وشقيقه .. التفاصيل

كاميرات جديدة تراقب شوارع الأردن .. هذه المخالفات تحت الرصد

بالفيديو .. سرقة عجل من مركبة في الحصن

قصتان صادمتان تعيدان ملف حقوق الرجل بعد الطلاق إلى الواجهة في الأردن