ما هي طبيعة شعار الحسم العسكري لحرب السودان؟

ما هي طبيعة شعار الحسم العسكري لحرب السودان؟

02-11-2026 07:31 AM

تفاعل عدد كبير من القراء مع ما جاء في المقالين السابقين، ولم يبخلوا بإرسال ملاحظاتهم وتعليقاتهم، وبعضهم أرسل مساهمة كاملة، فلهم جميعا مني كل الشكر والتقدير.
في نهاية هذه السلسلة من المقالات، سألخص وأنشر كل ما وصلني، وسيصلني، من القراء الكرام. نواصل المناقشة حول السؤالين المطروحين في مقالنا السابق: هل يمكن حسم حرب السودان عسكريا؟ وما هو البديل العملي عن انتظار الحسم العسكري؟
في البدء، أعتقد بضرورة فصل سؤال القدرة التقنية لأي من أطراف النزاع على تحقيق انتصار ميداني وحسم الحرب، عن السؤال الأعمق والأخطر المتعلق بماهية طبيعة شعار الحسم العسكري؟ هل يُقرأ الشعار دائماً كخطة عمليات عسكرية ومجرد أداة عسكرية طارئة لحسم النزاع، أم تحول إلى رؤية سياسية واستراتيجية حول مستقبل الدولة السودانية؟ بمعنى، هل يكتفي شعار الحسم العسكري بكونه استراتيجية قابلة للتحقيق ينحصر هدفها في إنهاء الحرب، أم أنه تخطى ذلك الهدف ليصبح، لدى بعض القوى، تصور سياسي يتعلق بمستقبل السودان يجري تقديمه في صورة هدف عسكري بحت؟ أعتقد أن هذا السؤال يستحق نقاشًا عميقًا، وأدعو القراء إلى الإدلاء بدلوهم فيه. ومن جانبي أساهم بالنقاط التالية:
أولا، نكرر ما ناقشناه في مقالنا السابق، من أن فكرة الحسم العسكري للحرب في السودان، تظل إمكانية نظرية فقط، إذ تواجهها تحديات وتعقيدات هيكلية بالغة، تجعل تحقيق هذه الفكرة أقرب إلى الاستحالة. وفي مقدمة هذه التحديات والتعقيدات، طبيعة الحرب غير المتماثلة، أو غير المتجانسة، بين طرفين تتباين قدراتهم المادية بشكل صارخ: جيش نظامي تقليدي في مواجهة جماعات وتشكيلات مسلحة غير نظامية، وعابرة للحدود والقبائل، ينقصها العتاد العسكري التقليدي لكنها تستطيع تعويضه باللجوء إلى تكتيكات غير تقليدية كحرب المدن والهجمات المباغتة، أو حرب عصابات. وإذا أضفنا إلى ذلك هشاشة البنيان المؤسسي وتآكل الدولة بعد ثلاثة عقود عجاف تحت قبضة الإنقاذ، والدعم الخارجي المستمر، فإن بوصلة الحرب ستتجه أكثر نحو انسداد سياسي طويل الأمد، وصراع استنزافي، وليس نصرًا سريعًا لأي من الطرفين في ساحة المعركة. وقد تتحول الحرب في نهاية المطاف إلى شكل من أشكال الجمود العسكري أو التقسيم الفعلي. من ناحية أخرى، حتى إذا افترضنا قدرة أحد الطرفين على إحراز نصر عسكري ساحق، فإن الثمن سيكون انهيار ما تبقى من بنى تحتية ومؤسسات وطنية، وتشريد ملايين إضافيين، وتعميق الشرخ الاجتماعي والجهوي بما يعرقل أي بناء مستقبلي للدولة.
ثانيا، أعتقد أن الإصرار على رفع شعار الحسم العسكري لدى بعض الأطراف يمكن أن يُقرأ كتصور سياسي مُقنّع في غطاء عسكري، أي غالباً ما يُفسر باعتباره أجندة سياسية ومستقبلية يجري تسويقها في قالب عسكري تعبوي! فبالنسبة لهذه الأطراف والقوى السياسية المتحالفة أو الداعمة لخيارات استمرار الحرب، فإن شعار الحسم العسكري قد تجاوز دلالته التكتيكية البحتة ليصبح مشروعاً سياسياً لمستقبل الدولة، ووسيلة لإقصاء الخصوم والتيارات المناوئة، سواء كانوا سياسيين أو عسكريين أو مجموعات قاعدية، ومحاولة لفرض رؤية أحادية للشكل القادم للسلطة.
ثالثا، البعض قد يرى في خطاب الحسم العسكري وسيلة للهروب من مسار العملية السياسية، وأداة تعفيه من خوض تسوية صعبة مع الأطراف الأخرى، وتقديم تنازلات مؤلمة.
رابعا، في ظل مشاعر الغضب والاستقطاب الحاد، يُقدَّم شعار الحسم العسكري كرمز لـكرامة الدولة وسيادتها المهددة. إنه يعبر عن رغبة وجدانية لدى قطاعات واسعة من الشعب السوداني المقهور في رؤية نهاية حاسمة لمن تسبب في معاناتهم، مما يجعله خطاباً شعبوياً جذاباً بغض النظر عن تعقيداته على الأرض.
خلاصة حديثنا حول السؤال الأعمق والأخطر المتعلق بماهية طبيعة شعار الحسم العسكري، أن الحرب الدائرة اليوم في السودان من المستبعد أن تحسم عسكريا. والمنطق التاريخي لتجارب الحروب الأهلية في العالم يقول إن الحسم العسكري قد ينهي معركة، لكنه لا يحسم بالضرورة الحرب أو الصراع، وهو قطعا يعجز عن بناء الوطن. وكما أشرنا في مقالنا السابق، فإن المعيار الحقيقي ليس فقط في الحسم العسكري ومَن يسيطر على الأرض، بل ما إذا كان السودانيون سيتمكنون بعد ذلك الحسم وتلك السيطرة من العيش في دولة لا يحتاجون فيها إلى السلاح لحماية أنفسهم أو انتزاع حقوقهم. إن أي استقرار مستدام في السودان سيتطلب في نهاية المطاف، وقبل أو بعد أي مآلات ميدانية عسكرية، تسوية سياسية وطنية شاملة تُعيد تعريف عقد الاجتماع السوداني وتؤسس لدولة القانون والمؤسسات التي لا تقبل الاحتكار ولا الإقصاء.
ننتقل الآن للإجابة على السؤال المتعلق بالبديل العملي عن انتظار الحسم العسكري. وكمدخل لمناقشة هذا السؤال، نرصد العوامل المرجّحة لإنهاء الحرب، وبعضها ينضج طبيعيا، والبعض الآخر يتطلب إرادة قوية لإنضاجه وتفعيله. أحد هذه العوامل، والذي ينضج طبيعيا مع مرور الزمن، هو حالة الإنهاك وتوازن الضعف التي تصيب أطراف النزاع. هذه الحالة تنضج وتتحقق عندما يصل الوضع إلى نقطة تدرك فيها الاطراف المتقاتلة عدم قدرة أي منها على تحقيق حسم عسكري كامل على الأرض، وأن تكلفة استمرار الحرب باتت أعلى من تكلفة الجلوس إلى طاولة المفاوضات. أما العوامل التي تحتاج إلى إرادة قوية لإنضاجها وتفعيلها، ففي مقدمتها تشكيل جبهة مدنية سودانية واسعة قادرة على ملء الفراغ السياسي وفرض رؤية للتحول المدني، بما يمنع استئثار القوى المسلحة بإدارة مستقبَل البلاد. وقادرة أيضا على إسماع الصوت المدني للمجتمعين الدولي والإقليمي حتى تتوحد إرادتهما بهدف فرض جبهة موحدة لوقف تدفق السلاح والدعم الإمدادي والمساندة من قوى إقليمية ودولية متعددة، ويضغط مباشرة نحو إنهاء المعارك. وأيضا بهدف توحيد المنابر الدولية والإقليمية لفرض وقف إطلاق النار، وبآليات تنفيذية وضغوط دولية جادة. ونستكمل الإجابة على سؤال البديل في مقالنا القادم.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم