الإخوان في انتخابات أمريكا… هاجس أيديولوجي أم سلاح انتخابي؟

الإخوان في انتخابات أمريكا… هاجس أيديولوجي أم سلاح انتخابي؟

02-11-2026 07:34 AM

بعد مرور قرابة مئة عام على تأسيس جماعة الإخوان في مصر عام 1928 وانطلاق مسيرتها في الشرق الأوسط، وجدت الجماعة نفسها حاضرة في نقاشات السياسة الأمريكية وصناديق الاقتراع.
عبد الرحمن السيد، أو عبدول السيد كما يطلقون عليه في الولايات المتحدة، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، يواجه حملة شرسة من قبل الجمهوريين، قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر الحالي، تعتمد هذه الحملة على الربط بين المرشح الديمقراطي وجماعة الإخوان المسلمين.
وما زاد هذه الحملة حدة، ما أظهرته استطلاعات الرأي من تفوق عبدول على منافسه الجمهوري مايك روجرز، وهي نتائج تزعج الجمهوريين الذين يتطلعون لاستعادة موقعهم، نظرا لأن الحزب لم يشغل أي مقعد عن الولاية في المجلس على مدى خمسة وعشرين عاما. وعبدول السيد ابن لمهاجرين مصريين، وحال فوزه في الانتخابات سوف يصبح أول مسلم ينتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي.
الجمهوريون في تلك المعركة السياسية تجاوزوا المنافسة مع عبدول في البرنامج الاقتصادي والرعاية الصحية والتعليم والضرائب والسياسة والهجرة، إلى معركة استقطاب تعتمد على التخويف من الجذور العربية والإسلامية للمرشح الديمقراطي، واتهامه في انتمائه لبلده الولايات المتحدة، والقول إنه على صلة بجماعة الإخوان، على الرغم من نفي عبدول لهذه الصلة. السؤال الذي يطرح نفسه: هل ينظر الجمهوريون بالفعل إلى جماعة الإخوان التي يلصقون بها عبدول باعتبارها تهديدا أيديولوجيا وأمنيا يؤثر في السياسة الداخلية للولايات المتحدة ويوجّه آراء الناخبين؟ للإجابة على هذا السؤال يتعين النظر في ثلاثة أمور:
*الأمر الأول: كيف تنظر الولايات المتحدة للإخوان المسلمين؟ علاقة الأمريكيين بجماعة الإخوان قديمة، فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت ترى في الجماعة رأس حربة لمواجهة المد الشيوعي، ثم نظرت إليها خلال الحرب الروسية على أفغانستان، على أنها من أهم فصائل المجاهدين الأفغان ضد الاحتلال الروسي، ومن المعلوم أن الولايات المتحدة دعمت الفصائل الأفغانية وأعطت الضوء الأخضر لحلفائها العرب بدعم الأفغان وتسهيل وصول المقاتلين العرب إلى أفغانستان. بعد ذلك كان هناك حضور واسع للإخوان في الولايات المتحدة، ونشطت هناك مؤسساتهم التعليمية والدينية لفترات طويلة، تخللتها نظرات ارتياب للجماعة في أكثر من محطة، منها أحداث الحادي عشر من سبتمبر والغزو الأمريكي للعراق.
بروز الإخوان كجماعة سياسية معارضة ذات ثقل في انتخابات 2005 في مصر، أصبح موضع اهتمام من قبل الإدارة الأمريكية كتيار مرشح لاستلام السلطة، والنظر في كيفية التعامل مع هذا التيار، لكن الولايات المتحدة كانت تمسك العصا من المنتصف في التعامل مع هذه الجماعة، يتجاذبها في ذلك كونها ترى في الإخوان نوعا من الاعتدال يمكن استثماره لتحجيم تنامي التيار الجهادي، وكونها من جهة أخرى تدرك طموحات الجماعة من أسلمة المجتمعات، وأنها كذلك الرحم الذي اندفعت منه تيارات أخرى متشددة. لم يتم تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية إلا مؤخرا في ولاية ترامب، على خلفية معركة طوفان الأقصى، واتهام الإخوان برعاية وتمويل حركة حماس، وباستثناء ذلك، لم ير الأمريكيون في جماعة الإخوان تهديدا أيديولوجيا يحيق بالداخل الأمريكي.
*الأمر الثاني: على فرضية وجود صلة بين المرشح الديمقراطي وجماعة الإخوان فهل يمثل ذلك تهديدا أيديولوجيا؟ الحقيقة أن عبدول وغيره من أبناء المهاجرين العرب هم مواطنون أمريكيون لهم مصالحهم، يدينون بالولاء لوطنهم ويحترمون دستوره ونظامه السياسي والاجتماعي، ولا يتعاملون باعتبارهم وفودا من دول أخرى، وينصب اهتمامهم وعملهم على الملفات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية وإعلاء قيمة «أمريكا أولا»، وهم في النهاية يمثلون مكونا له وزنه في الشارع الأمريكي، ومن ثم يستبعد أن تكون هناك مخاوف أيديولوجية تتعلق بالأمن القومي تجاه نجاح عبدول، لا سيما وأن خطابه المناهض للدعم الأمريكي الذي يقدم لدولة الاحتلال لم ينفرد به في الساحة، وإنما هو خطاب لشرائح واسعة من السياسيين وغير السياسيين في الولايات المتحدة.
*الأمر الثالث: لم يثبت حتى الآن وجود صلة بين عبدول وجماعة الإخوان المسلمين، وكل ما سيق من اتهامات لا يرقى إلى درجة الصحة، ولا يمكن التعويل عليه، فالجمهوريون يعتمدون على مقال قديم لعبدول نشر على موقع هافينغتون بوست مطلع 2011، ناقش فيه احتمال وصول الجماعة إلى السلطة عقب تنحي الرئيس الأسبق مبارك، ورأى أنه أمر لن يكون بالضرورة بالسوء الذي يتوقعه منتقدو الجماعة، وهي وجهة نظر لا تعبر عن انتمائه لجماعة الإخوان، وهو رأي ساد وقتها في أوساط عدة.
يستشهد الجمهوريون كذلك ببيان لعبدول بعد وصول الرئيس الراحل محمد مرسي لمنصب الرئاسة، دعا خلاله إلى سرعة تطهير الإعلام والشرطة. وأيضا ليس فيه دليل على صلته بالجماعة، وإنما هي وجهة نظر أبداها حيال تحول بارز في الداخل المصري. ويستندون كذلك إلى منشورات لأخت عبدول غير الشقيقة قالت فيها إن والدتهما كانت ناشطة في جماعة الإخوان خلال السبعينيات، لكن ثبت وفق تقارير إعلامية أن والدي عبدول انفصلا وهو في الثالثة من عمره، ونشأ مع والده وزوجته، ولم يكبر مع والدته أو أخته تلك.
وكل ما سبق من ردود ذكرته صحيفة «هيل» الأمريكية في تقرير صادر عنها بهذا الصدد، كما أشار تقرير آخر لصحيفة «ديلي بيست» إلى أن تغطيات صحافية حديثة لم تجد أدلة على انتماء عبدول إلى الجماعة.
تأسيسا على هذه المسائل الثلاث، يمكن القول إن دواعي هذه الحملة من الجمهوريين على المرشح الديمقراطي ليست بسبب هواجس أيديولوجية، وإنما وجد الجمهوريون في ذلك سلاحا انتخابيا جاهزا لإثارة مخاوف قطاعات من الناخبين الأمريكيين، خاصة تلك التي تنظر بارتياب إلى الإسلام السياسي، أو تلك التي تتبنى خطابا متشددا تجاه الهجرة والتعددية الثقافية. يستخدم الجمهوريون فزاعة ما يسمونه بالإرهاب الإسلامي واستدعاء خطورته على الأمن القومي للبلاد، وإدراج تيار الإسلام السياسي ضمن هذه المنظومة، مستغلين عدم رسوخ حدود فاصلة لدى المواطنين بين مختلف التيارات. لا يحتاج الجمهوريون إلى تقديم ملفات كاملة للأدلة على صلة عبدول بالإخوان ليحققوا أثرا سياسيا، فيكفي أن يزرعوا الشك في نفوس الناخبين، وربط اسم المرشح بمصطلح شديد الحساسية، ثم يتركون للمخاوف المتراكمة والصورة الذهنية إكمال المهمة.
ربما تكون أخطر نتائج توظيف ملف الإخوان في المعارك الانتخابية الأمريكية، فتح الباب أمام نمط من السياسة لا يكتفي بمحاسبة المرشحين على أفكارهم وأفعالهم، وإنما يطالبهم بتقديم شهادات متكررة عن هويتهم وانتمائهم. فإذا كان المرشح مسلما، فعليه أن يوضح موقفه من الإسلام السياسي. وإذا كان عربيا، فعليه أن يشرح علاقته بقضايا الشرق الأوسط. وإذا كان أحد أفراد أسرته قد اتخذ موقفا سياسيا مثيرا للجدل في بلده الأصلي، فعليه أن يثبت أنه لا يتبناه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مصدر طبي يكشف لـ"السوسنة" الحالة الصحية لمنفذي هجوم الكرك

"أعطل من نتنياهو" .. عبارة تقود طبيبا اردنيا إلى السجن 6 أشهر

الضمان الاجتماعي يعلن تسهيلات جديدة للأردنيين .. تفاصيل

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

إنهاء خدمات موظفين حكوميين .. أسماء

بالفيديو .. لحظة مداهمة منفذي هجوم الكرك والقبض عليهم

ثأراً لشهداء الكرك .. الأردن ينفذ عملية جوية في سوريا .. التفاصيل

وفاة طفل تهز مركز أشعة في عمان .. وإغلاقه بالشمع الأحمر

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

الأردن يقبض على عشرات المتورطين .. التفاصيل

إرادة ملكية بتعيين الأمير هاشم بن الحسين مستشارا للملك

تعديلات قانون التنفيذ: ضوابط جديدة لمنع سفر المدين وآليات حديثة لسداد الديون

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

ما قصة أسماء محافظات الأردن؟ حكايات تختبئ خلف أسماء 12 محافظة

الأمن العام يكشف كيف اتخذ منفذو جريمة الكرك قرارهم