فلسفة الحي الفقير المجدب

فلسفة الحي الفقير المجدب

08-11-2026 12:02 AM

في ذلك "الحيّ" الذي يقع في وسط تلك المدينة التي طافت بها العديد من الفتن والثورات، والتي ما زال القلق يجيش في نفوس الكثير من قاطنيها، وفي أفئدة الكثير منهم ينساب اليأس، هذه المدينة الساحرة، الفاتنة، الحلوة التقاطيع، لم تحظَ في الحق "بوالي" أو "حاكم"، يؤثر التقشف في مأكله، وملبسه، وركوبه، حاكم يخرجها من معاطن الكرب التي أناخت الوحشة فيها، إلى رحاب الدعة، والرقي والتقدم، فكل من شمخ عليها بقامته، خياله قد قصر عن إدراك خيراتها التي هالته كثرتها، فيتلهى ببعض هذه المنن، ويتنعم بها، وينسى المدينة التي لا ينكر منظرها المزري، وزيها القاتم، ومحياها العابس الشتيم، الذي هو إلى الكآبة والعبوس، أدنى منه إلى الإشراق والابتسام.

وفي ذلك "الحيّ" العريق الذي ترعرعنا فيه، والذي يذوب رقة ويمتلئ حناناً، "صقعنا" الذي خلا من أبنية شاهقة، وطرقاً ممهدة، كانت هناك عادات راسخة لا تنحرف عنها نساء ذلك الصقع، مهما كانت الظروف، وقسوة الأيام، تلك الكوكبة من النساء اللائي اتفقن في تصورهن للأشياء، وتفكيرهن فيها، وحكمهم عليها، وتقديرهن لها، كن يحرصن على تلك العادات، التي وجدنا أنفسنا في صبانا مولهين، مدلهين، مفتونين بها، ومن تلك العادات التي كنا نكلف بها أشد الكلف، حرصهن على نظافة المنطقة، في الأعياد والمناسبات، وأن يصلحن واجهاتها، وميادينها ما استطعن أن يصلحن، ويتركن محافلها، وطرقها، وأقاريزها، على حالة من الكمال، ومن العادات الموروثة، والتقاليد المغروسة، أن يسندن ظهورهن إلى الحائط، ويطلقن الزغاريد الداوية المجلجلة، كلما طغت الأحاسيس، والتهبت المشاعر، بحشود الجيش الذي يسير في صفوف منتظمة، وخطوات متماسكة، تنتظم في مسارها كما ينتظم العقد، وتنسجم في خطواتها كما تنسجم الموسيقى، هذه الحشود التي ننتظرها في حرقة ولهفة، تترى في الأعياد الوطنية، وفي كل مناسبة يصون فيها الجيش كرامة أمته، ويجعلها راضية مطمئنة، ومن العادات التي هيأتها خصائص الدين، وحددتها قيمه، أن ترافق البنت أخاها لأداء صلاة التراويح في رمضان، وأن يحتدم الجدل إلى حد كبير، في المنزل الذي سوف تقام فيه خبائز العيد، فالنقاش العاصف الذي يدور بين نساء "الحيّ" قبل أن يتفقن وتسود السكينة، يُعد من "الأوبرات" الرائعة التي لا تنساها ذاكرتي.

ونساء تلك الناحية، الخيط الناظم الذي يجمع بينهن، حرصهن على عدم الوقوع فيما تخافه "الحرة" وتتحاشاه، فالمرأة الأصيلة التي تخضع لضروب من النظم والأعراف التي تواضع عليها الناس، تشعر دوماً بحاجتها إلى الإكبار والإجلال، لأجل ذلك تنأى بنفسها عن كل سبب يجعل اسمها يروج في سوق الأقاويل، وأسهمها تتصاعد في بنك الشائعات، ونساء ذلك "الحيّ" الفقير المجدب، كن يتهالكن على الطهر والنقاء، ولو تمثل العفاف في وجوههن لكان في نضرتهن، وبشاشتهن، التي خضعت للفضيلة واطمأنت إليها.

ورجال الدائرة الذين طغت على عواطفهم، ملامح الرفق بي، والإشفاق عليّ، لأني فقدت أبي وأنا حدث صغير، ليس من المبالغة أن أقول، أن الصوفية التي ملكت عليهم أمرهم، وآمنوا بها إيماناً شديداً، هي التي حملتهم على الإيثار، والانصراف عن المنفعة، هذه الجمهرة التي لم تجتهد في أن توفق بين إيمانها بالتصوف، وبين عقلها، تتهافت على أصحاب التأثير الطاغي، والروح القوية، والنفس الطموحة، والقلب الكبير، الرموز الدينية، وأصحاب الكرامات والمعجزات، في كل يوم اثنين وخميس، ليرددوا في عنف وخفة، تلك "المدائح النبوية" التي تستعذبها النفس، ويستسيغها الوجدان، هذه القصائد الجياد التي لم تفقد طلاوتها، وسحرها القديم، باتت مهبط الوحي للأجيال التي جاءت من بعدهم، لأنها دنت من الكمال، وبلغت من الدقة والإجادة حداً كبيراً، وفي ضحى كل يوم جمعة، يرتدي من لا تضمر مهجهم شيئاً، ثيابهم الرثة، وأسمالهم البالية، التي تنم عن عوزهم، وفقرهم المدقع، ويقصدون مسجد المدينة العتيق، ذلك المسجد الذي لم تكن فيه تلك "القبة الباذخة" التي تنيف الآن على جميع مباني السوق، والتي تبدو وكأنها مغضبة حانقة، لأن إطلالتها غير يسيرة عليها، ولا محببة إليها. فهي تطل على بقاع نُصب فيها الشيطان راياته، وإبليس الذي حصّن شباكه وفخاخه، جعل رهطاً كبيراً من قاطني ذلك "الحيّ" وتلك المدينة، لا يقوون على الهرب، ففريضة الصلاة التي لا تحول عن أدائها عقبة، ولا يسوغ في تركها معذرة، انصرفت عنها تلك الجموع التي حفلت حياتها بألوان الخلاعة، والتهتك، والمجون، فهذه الناجمة التي تؤمن بحقوق السماء عليها، تؤمن أيضاً بأن تنال حقوقها كاملة غير منقوصة من الشهوات، وأن تهيم بها، وتضع نعلها أمام بابها، هذه الجماعات التي أغرقت نفسها في الأفعال التي تنكرها السلائق والشيم، فهمت حقوقها فهماً بسيطاً ساذجاً، دفعها لأن تؤلف بين متناقضاتها، وتوفق بين متبايناتها، فهي تحب الخمر، وتطرب لشربها، ولا تصدف عن "نُظم الصوفية" التي لا ندري متى نما عشقهم لهذه النُظم، ولكننا نعلم أن شغفهم بها قد اضمحل، ولكنه لم يأخذ سبيله إلى الجفوة والاندثار، فهذه الفئات التي مزقت الصهباء حجاب أسرارها، هناك الكثير من الشواهد التي تؤكد هيامها بهذه "النُظم" التي ما زالت تظهر لها الود، خاصة في تلك الأماكن التي ينشد الناس فيها الحركة، ويتبرمون بالسكون، كالموالد، والحوليات، ففي هذه المناسبات، نجد هذه الثلة تلهث من شدة النصب، ويجبرها "الطار"، و"الكاس"، و"الدفوف"، ألا تمس قدماها الأرض. هذه النزعة الصوفية التي تندب إقبال تلك الفئات على الحياة، وغفلتها عن الآخرة، تؤكد بأسلوب سهل يسير، أن هذه الزمرة ليست أبعد الناس منها، ولكن الرذائل، وقذر العادات، أوهت فيها إشعاعها وقبسها.

هذا "الفريق" الذي لم أستقصِ بعد آثاره ومشاهده، والذي أدركت بتقدم السن، وتحول الأيام، أن مُثله العليا التي ما زالت تغدق عليّ في سعة وسخاء، لولا ارتهاني لهذه المُثل، لعشت عيشة الهمل السوائم، فأنا لو أرغمت نفسي لشيء من التحليل الدقيق الذي يظهر خفاياها، ويجلي ما كمن فيها من عاطفة وشعور، لحملني ذلك التحليل على الدهشة والذهول، ففلسفة ذلك "الحيّ" التي تغلغلت أصولها في دواخلي منذ أمد طويل، هي التي قادتني لأن أعيش هادئاً قانعاً من الحياة بما قُسم لي، هذه الفلسفة هي التي قدمت إليّ شاحبة ممتقعة، وقد لاحت عليها آثار الجهد والتعب، وأنا في تلك الجزر النائية القصية، لتعصمني من الخطايا والذلل، ولتصفي ذهني من شوائب هذه الثقافة الدخيلة، ولتسكب في دواخلي مضاء العزم، وحدة الذهن، وصفاء الملكة، حتى أحقق ما كنت أرجوه من التحصيل الأكاديمي، أنا حقيقة ممتن لهذه الفلسفة، وشاكر لهذا "الحيّ" الذي جعل "المآثر" عندي قوية، منيعة، عزيزة الجانب.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن

زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟

بالفيديو .. شهادات مزارعين تكشف ما يحدث في موسم الزيتون ببني كنانة

منخفض جوي يؤثر على الأردن .. وتحذيرات من أمطار غزيرة

التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة

أجواء شتوية باردة وماطرة .. الأردن على موعد مع أول منخفض مصنف

تصرف فردي لا يمثلنا .. بيان مهم من عشيرة الحموري

السوسنة تنشر الماضي الجرمي لمنفذ العملية الإرهابية ضد رجل أمن عام

الجيش الأردني يفتح التجنيد بمهنة سائق .. (الشروط والرابط)

إنهاء خدمات وتعيينات جديدة في مناصب عليا .. أسماء

الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً

طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان

نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن

تفاصيل جديدة عن استشهاد رجل أمن وإصابة زميله بحالة خطيرة في العاصمة

وزارة الزراعة تتيح لموظفي الحكومة شراء زيت الزيتون بالتقسيط على 8 أشهر