شجاعة البيرق واللحظة الفارقة
08-11-2026 03:27 PM
في اللحظات الفاصلة التي تختبر صلابة المجتمعات وتماسكها، لا تقاس البطولات بعدد الساعات أو بالخطط مسبقة الصياغة، بل تقاس بسرعة البديهة وبمقدار ما يحمله الإنسان في وجدانه من عقيدة وتضامن.
وحين تعرض شهيد الواجب العريف جواد علي خلف السلايطة للاعتداء الغادر والمباغت في شارع المدينة المنورة بالعاصمة عمّان، لم تكن الحادثة مجرد استهداف فردي، بل كانت اختباراً حياً لمدى تجذّر قيم الفداء والبسالة، هنا برزت الاستجابة الفورية للملازم الثاني فراس فايز عبد الله العنانزة، الذي انقضّ دون تردد لقطع دابر الجريمة وشل حركة المعتدي، مجسداً نموذجاً فريداً للشجاعة التي تتجاوز ردود الفعل الفردية لتصبح تعبيراً أعمق عن روح الجماعة ومؤسساتها الوطنية.
إن هذا الانقضاض المباشر في مواجهة خطر داهم ومميت يضعنا أمام تساؤل سوسيولوجي عميق حول ما يدفع الإنسان لتجاوز غريزة البقاء الفردية نحو التضحية بالذات في سبيل الآخرين.
فمن منظور علم النفس الاجتماعي والسلوك الإيثاري تشير الأدبيات إلى أن مشاهدة إنسان يتعرض لخطر مميت تفعل استجابة وجدانية فورية؛ وفي تلك اللحظات الفاصلة لا يخضع العقل لحسابات مادية بحتة، بل يتم ترجيح تكلفة التقاعس المتمثلة في ضياع أرواح أخرى وانهيار الشعور بالأمان على تكلفة التضحية الشخصية، وهو الحساب الوجداني الخاطف الذي يحفز الأبطال على اقتحام الخطر لا تفاديه.
ولكن في مقابل هذه الاستجابة الخاطفة، يبرز تساؤل سوسيولوجي آخر حول التردد الأولي الذي قد يظهر على المارة فور مشاهدة الاعتداء والنزيف؛ وهنا يتدخل علم النفس الاجتماعي لتفسير سلوك الجموع عبر مظلة "تأثير المتفرج" و"انتشار المسؤولية".
فعند وقوع حادث عنيف خارج عن المألوف، يتعرض الشاهد الفردي لشلل إدراكي مؤقت وحالة من التردد الناتج عن الخوف الغريزي، وعدم التثبت من طبيعة التهديد (كاحتمالية وجود أسلحة أخرى أو شركاء للمعتدي)، مما يجعل الامتناع المؤقت عن الاقتراب استجابة بشرية تلقائية أمام فوضى المشهد، وهذا الجمود الجمعي هو تماماً ما يبرز أهمية "الشرارة الفردية"؛ إذ إن اقتحام رجل الأمن المدرب للموقف يكسر ذلك الصمت، ويمنح المحيطين نقطة ارتكاز تسقط حاجز التردد وتحفز هبّة التضامن الجماعي التي لحقت بالمشهد.
وحين رأى المواطنون والمارة تلك البسالة الاستثنائية والإقدام الشجاع من الملازم العنانزة وهو يواجه الخطر بصدر رحب ودون تردد، تبددت في تلك اللحظة حالة الجمود والذهول الفردي؛ فتحولت مشاعر الخوف والتردد إلى دافع فوري للتحرك والتدافع الجماعي للمساعدة ، لقد ألهمت شجاعة البطل العنانزة من حوله من المواطنين وسائقي المركبات والمارة ليزيلوا حاجز الخوف، ويهبّوا جميعاً كرجُل واحد لإحكام السيطرة على الإرهابي وتثبيته أرضاً، في تجسيد حي لمعنى "عدوى الشجاعة" التي تنتقل كالشرارة بين أفراد المجتمع عندما يرتفع سقف التضحية إلى أقصى مداه.
ولا تقتصر استجابة الملازم العنانزة على الوازع الفردي فحسب، بل تعود في جوهرها إلى طبيعة التنشئة المؤسسية والتكاتف العسكري؛ فالأجهزة الأمنية لا تكتفي بتقديم التدريب المهني والبدني، بل تُحدث عملية تنشئة اجتماعية عميقة تذوب فيها الفردانية لصالح الجماعة الممتدة، حيث يصبح الزميل في السلاح جزءاً من الهوية والامتداد النفسي للفرد، لدرجة أن الاعتداء على الزميل يُترجم لا شعورياً كأنه اعتداء على الذات الكلية للجماعة، مما ينتج عنه سلوك دفاعي فوري وتلقائي لا يقبل التردد أو التباطؤ.
كما تفكك نظرية الهوية الاجتماعية هذا الفعل البطولي باعتباره حتمية قيمية، حيث إن الانتماء العضوي والراسخ لجماعة كبرى كالوطن أو المؤسسة الأمنية يحدد جزءاً رئيسياً من المنظومة الأخلاقية للشخص، وفي الأوقات الحرجة تطغى معايير الشجاعة وحماية المجتمع على غريزة النجاة الفردية، لتتحول الاستجابة إلى أداة حامية للمنظومة القيمية بأسرها، ومن الناحية السوسيولوجية المتعلقة بالتضامن العضوي، يُنظر لرجل الأمن على أنه الضمانة الحية لاستمرار العقد الاجتماعي واستقرار النظام العام، وعندما يتعرض هذا الاستقرار لعملية إرهابية غادرة، تتحرك المنظومة المجتمعية والأمنية برد فعل عكسي فوري لقطع دابر الخوف واستعادة الطمأنينة العامة.
إن ما سطّره الملازم فراس العنانزة، إلى جانب الهبّة الشعبية للمواطنين الشجعان الذين التفوا حول الحدث للسيطرة على المعتدي بعد كسر حاجز التردد برؤية تلك البطولة، يثبت أن تماسك الأوطان لا يُبنى فقط بالقوانين والنظم المكتوبة، بل بالرجال الذين يتحولون وقت المحن إلى دروع بشرية تحمي المجتمع في لحظات الغفلة، لتظل هذه المواقف شاهداً حياً على أن الشجاعة الحقيقية هي القدرة على قهر الخوف في سبيل حماية حق الآخرين في الحياة والسلام.
وأخيرآ
ليست الشجاعة غياب الخوف يا صديقي..
بل هي تلك اللحظة التي تقهر فيها خوفك، لتصبح درعاً لأخيك، ولمدينة تنام بأمان.
وزارة المالية: ارتفع إجمالي فاتورة التقاعد إلى 1.227 مليار دينار خلال 8 شهور
"البوتاس العربية" توقع اتفاقية استراتيجية مع "Euroports" البلجيكية لتعزيز سلاسل توريدها
افتتاح غرفتي تبريد جديدتين لحفظ اللقاحات في وزارة الصحة
"العقبة الخاصة" وسفارة الاتحاد الأوروبي تبحثان تعزيز التعاون
عبدالله موسى الطراونة .. من جامعة الأميرة سمية إلى التخرج في الولايات المتحدة الأمريكية
إطلاق الهوية الجديدة لمختبر الألعاب الأردني "Edge"
السردية السياسية للرئيس دونالد ترمب
الإسلام ليس ملكاً لأحد… حين يتاجر المتطرفون والمصلحيون بالدين!
الجامعة الأردنيّة تقيم صلاة الغائب على روح الشهيد جواد السلايطة
رئيس جامعة العلوم والتكنولوجيا يترأس اجتماع مجلس مركز التميز للمشاريع الإبداعية
138.3 مليون دينار حجم التداول في بورصة عمان
"الأشغال" تتحرك لمعالجة المخاطر المرورية على تقاطع المصطبة
طقس الأردن: أجواء باردة تستمر حتى نهاية الأسبوع وارتفاع خفيف الأربعاء
تغييرات جديدة على اشتراكات الضمان الاجتماعي في الأردن
زيادة 30 دينارا لموظفين ومتقاعدين في الأردن .. هل يشملك القرار؟
بالفيديو .. شهادات مزارعين تكشف ما يحدث في موسم الزيتون ببني كنانة
منخفض جوي يؤثر على الأردن .. وتحذيرات من أمطار غزيرة
التربية توضح موقفها من معلمة طلبت من الأهالي تنظيف المدرسة
أجواء شتوية باردة وماطرة .. الأردن على موعد مع أول منخفض مصنف
تصرف فردي لا يمثلنا .. بيان مهم من عشيرة الحموري
الجيش الأردني يفتح التجنيد بمهنة سائق .. (الشروط والرابط)
السوسنة تنشر الماضي الجرمي لمنفذ العملية الإرهابية ضد رجل أمن عام
إنهاء خدمات وتعيينات جديدة في مناصب عليا .. أسماء
أمطار وسيول .. تفاصيل الحالة الجوية في الأردن خلال الأيام القادمة
الأردن يترقب تحولاً جوياً كبيراً
طلب منها عدم إخبار أحد .. الحبس لصاحب محل تحرش بطفلة عمرها 12 عاما في عمان
نقيب المطاعم يوجه رسالة لجميع المطاعم في الأردن
تفاصيل جديدة عن استشهاد رجل أمن وإصابة زميله بحالة خطيرة في العاصمة
