إبعاد رفسنجاني يضع إيران على أبواب ثورة

إبعاد رفسنجاني يضع إيران على أبواب ثورة
الكاتب : هدى الحسيني

بالنسبة للاندفاع الشعبي، كأن الانتخابات الإيرانية قد جرت رغم أن اسم الفائز لم يعلن بعد، ذلك أن لحظة تسجيل علي أكبر هاشمي رفسنجاني اسمه على لائحة المرشحين لمنصب الرئاسة قبل اللحظات الأخيرة من انتهاء الموعد المحدد، سرقت كل الأضواء وأشعلت حيوية وحماسة الشارع الإيراني، وحركت المجتمع، وأسرعت معارضة الداخل ومعارضة الخارج إلى دعم مرشح اللحظة الأخيرة.

هذا الزخم في التحول فاجأ القيادة الإيرانية، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي، إضافة إلى الصعقة التي أصيبت بها لحظة شوهد رفسنجاني يترجل من سيارته «المرسيدس» (صارت لاحقا موضوع انتقاد له)، ويدخل في حلبة السباق للرئاسة.

الرد كان حاسما؛ قرر النظام تنفيذ خطته والقيام بانقلاب قبل إجراء الانتخابات هذه المرة ومنع رفسنجاني، عام 2009 جرى الانقلاب بعد الانتخابات ولا يزال الآلاف من الإيرانيين في السجون.

يبرر أمير جاهنشاهي مؤسس حركة «الموجة الخضراء» المعارضة أن السبب في منع رفسنجاني هو أن «الخوف» ولأول مرة منذ إنشاء الجمهورية الإسلامية، غيّر محله، صار ملازما للنظام إلى درجة أن كبار قياديي الأجهزة الأمنية صاروا يشعرون بأن إيران في وضع يسبق الثورة، وهو وضع متفجر.

لا أحد توقع مثل هذا الوضع قبل أشهر، لهذا مُنع رفسنجاني من خوض الانتخابات.

يقول جاهنشاهي: «فلننس ماضي رفسنجاني، هو اليوم تدعمه المعارضة داخل وخارج إيران، وجزء كبير من المراجع الدينية العليا، ثم إن حركتي كانت على استعداد لوضع كل إمكاناتها تحت تصرفه بما فيها (القناة التلفزيونية)».

لم يحدث في تاريخ الجمهورية الإسلامية أن كان النظام منقسما على نفسه كما الحال الآن. لم يعد أحد يعرف من يقرر على رأس السلطة. إذا أمعنا التفكير: رفسنجاني كان رئيسا لفترتين، وهو الشخص الذي تقريبا وقع على السلام مع العراق، الرئيس السابق للمجلس، والرئيس السابق للجنة التي تعين المرشد الأعلى (هو من اختار خامنئي)، ويظل من أهم وأبرز الشخصيات الإيرانية. منعه يعني أن النظام قلق، ومنقسم، وأن إيران في وضع أقل حادث فيها قد يؤدي إلى انفجار، وطهران تحت سيطرة الشرطة والحرس الثوري والباسيج، وهذا يعكس إدراك القيادة الإيرانية أن الخوف انتقل من الشعب إليها، وبالتالي فإن كل الاحتمالات صارت ممكنة.

يقول جاهنشاهي: «ربما نسي الناس كيف بدأت الثورة في ليبيا. شاب في بنغازي حمل وحده لافتة يدعو للثورة ووقف لساعات حتى بدأ الناس يتجمعون حوله. الوضع في إيران كأنه عشية ثورة متوقعة»، يضيف: «إن القمع الذي يمارس داخل إيران قوي إلى درجة أن أطراف المعارضة لم تعد تثق بعضها ببعض خوفا من أن يكون أحدهم عميلا للنظام، لكن هذه ليست مشكلة، فهذا كان وضع المعارضة في جميع الثورات في التاريخ».

قانونيا لا يستطيع رفسنجاني تحدي النظام. إذا لم يقرر خامنئي مراجعة موقفه فإن المستقبل أصبح واضحا بالنسبة إلى رفسنجاني: أين يقف ومن يقف معه. سيصبح رفسنجاني من المعارضة وهذا ما يتطلع إليه كثيرون. يقول جاهنشاهي الذي رفض أن يؤكد أو ينفي أن يكون جرى أي اتصال بينه وبين رفسنجاني، إنه دعمه لأنه الوحيد القادر على المدى القصير على تحسين وضع الشعب الإيراني وتحسين علاقة إيران بالدول الأجنبية.

قبل فتح باب الترشيح، شن حسين شريعتمداري رئيس تحرير صحيفة «كيهان» الناطقة باسم خامنئي هجوما شرسا على رفسنجاني والرئيس السابق محمد خاتمي. المتابعون أدركوا أن ذلك كان إنذارا واضحا لهما بعدم التفكير في الترشح. خاتمي تسلم الرسالة، أما رفسنجاني فقرر التحدي وكأنه كان ينوي عن قصد تعرية النظام.

يقول جاهنشاهي: «بالنسبة إلى شخص أراد يوما أن يكون نابليون إيران، فإذا ترشح فلاعتقاده بأن خامنئي لا يستطيع منعه، لكن ربما في أعماق تفكيره شعر بأنه في حالة منعه فإنه سيكشف النظام أمام الشعب الإيراني وبأن النظام ضد الشعب وضد خياراته. لهذا أقول إن الوضع بعد منع رفسنجاني اختلف عما كان عليه قبل المنع، إنه أفضل للتغيير مما كان قبل أربع سنوات، لأن الانقسام الذي اخترق النظام يسمح بحدوث تطورات». يضيف أنه «متأكد من أن الطريقة الوحيدة لتحرير إيران تكون بتغيير النظام» لكن «على المدى القصير كنا نفضل شخصا مثل رفسنجاني للفترة الانتقالية».

وأسأل: «ماذا إذا سارت الانتخابات بشكل طبيعي؟». يجيب: «بالنسبة إلينا سنواصل عملنا لقلب النظام وبالنسبة إلى المعارضة في الداخل عليهم أن يفكروا أن الوقت يقترب لتغيير موقفهم من المطالبة بإصلاح النظام إلى تغيير النظام. لا بد أن يصلوا إلى القناعة بأن آخر أمل لهم بالنظام كان مع رفسنجاني، والتاريخ سيشهد أن اليوم الذي رُفض فيه ترشيح رفسنجاني كان من أهم الأيام التي عاشتها إيران، وكان نقطة تحول إيجابية للشعب»

يلفت جاهنشاهي إلى أن الرئيس محمود أحمدي نجاد لم يقل كلمته بعد. لديه قدرة ولو صغيرة على القيام بانقلاب حقيقي، فهو يسيطر على وزارة الداخلية بمعنى أنه قادر على القول إن البلاد ليست في وضع يسمح لها بإجراء الانتخابات، كما يستطيع أن يرفض مغادرة منصبه. لا يعرف إن كان أحمدي نجاد سيقدم على أمر ما، الأمر الوحيد الذي يعرفه أن أحمدي نجاد بعد الانتخابات قد يجري اعتقاله.

يضيف: «خامنئي والنظام سيئان جدا، لكن أحمدي نجاد خطر على البلاد وعلى الشعب الإيراني وطموحه، وعلى الحرية وعلى استقرار المنطقة وسلامها. إذا أقدم على أمر كمحاولة السيطرة على البلاد علينا أن نثور فورا». يقول: «إن أحدا لا يعرف ما ستكون عليه إيران خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة، خامنئي لا يعرف، رفسنجاني لا يعرف، وكذلك معارضة الداخل والخارج. لقد دخلنا في عالم مجهول».

لا يعتقد أن مظاهرات قد تقع قبل موعد الانتخابات، وعادة فإن الثورة تفاجئ الجميع. إذا لم يحدث شيء خلال الأسابيع المقبلة وجرى انتخاب أحد رجال خامنئي «أعتقد أننا دخلنا في بداية الثورة، يعرف النظام حقيقة الوضع المتفجر، هذا لا يعني أن الأمور ستنفجر خلال عشرة أيام، إنما طهران تبقى الدليل الكبير على قلق المسؤولين الإيرانيين. لم يعد النظام واثقا من نفسه».

أقول: «إن النظام يقمع داخل إيران لأنه لا يريد أن يشتته شيء عن هدفه الأكبر أي النظام السوري» يجيب: «النظام يضرب داخل إيران ليس بسبب سوريا إنما لأنه لا يريد مواجهة الثورة الشعبية. سوريا جزء من المشروع، النظام الإيراني لا يقبل أي إصلاح، فشلنا لأن الشعب الإيراني قبل أربع سنوات طالب بحقوقه من نظام لا يعترف بالشعب الإيراني. عندما سنجهز لدفع الثمن، سننزل إلى الشارع ونطالب النظام بالرحيل. التوقيت يقترب وما حدث لرفسنجاني مهم جدا».

يقول جاهنشاهي: «إن سوريا مهمة للنظام الإيراني كشريك، لكن الأهم بالنسبة إليه هو ما يجري في الداخل». يضيف: «الثورة في سوريا لم تنجح حتى الآن لأمرين: لم يحدث أن خرج 50 ألفا في دمشق، وثانيا: لا قيادة للثورة». وقال «الثورة في إيران تحتاج إلى قيادة. بعض قادتها في السجن، وأنا في الخارج، لكن هناك 80 مليونا خارج السجون. نحتاج إلى 50 ألفا في الشارع وإلى ألف لتنظيم المظاهرات. هذا الرقم صار متوفرا والتوقيت اقترب».

وأسأل «ماذا إذا تقبل الغرب نتائج الانتخابات وكأن الوضع في إيران عادي؟». يجيب: «سيكون هذا سيئا على الشعب الإيراني، لكن كمعارضة سنواصل عملنا، ونأمل بعد الانتخابات أن تقرر الدول الغربية أنها لن تواصل التفاوض مع النظام خصوصا فيما يتعلق بالبرنامج النووي. لا نطلب منها أكثر من ذلك».

اللافت، أن سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران تتراجع من المنع إلى سياسة الاحتواء. وهذا الاحتواء لا ينطبق فقط على البرنامج النووي إنما على النظام أيضا.