دعوة لإعلان الطوارئ - ضياء الدين بلال

دعوة لإعلان الطوارئ - ضياء الدين بلال

-1-

 
كُلُّ المعلومات الواردة من المناطق الزراعية والمروية والمطرية، تُبشِّر بإنتاج غير مسبوق.
لأكثر من خمسين عاماً، لم تتم زراعة بهذا الحجم الكبير: 54 مليون فدان من مختلف المحاصيل.
إنها رحمةٌ من الله وبركات، أن يأتي خريفُ هذا العام بهذا الخير الوفير، رغم أزمة الوقود، وشُحِّ النقود، وضيق الحال، واضطراب السياسات.
التحدِّي الآن: هل باستطاعتنا تحقيق الفائدة القُصوى من ذلك الخير الوفير، بإنجاح الحصاد وفتح منافذ التصدير على الموسع قدره؟!
 
أخشى ألا تكون لنا قابليةٌ لاقتناص الفُرص السعيدة.
ربَّما تُعاودنا العلَّة القديمة: إضاعة الأهداف السهلة، في لحظات الحاجة، وفي الزمن الحرج.
الأسوأ من ذلك، أصبحنا أميل دوماً للتشاؤم وتثبيط الهمم، والاحتفاء الحزائني بالمصائب، وتوفير التبريرات للهزائم.. وكلُّنا يحمل أعذاره معه.
ندخل إلى كُلِّ مُباراة في الحياة، أو تحدٍّ في السياسة والاقتصاد - وحتى في الرياضة - وأعذارنا في جيوبنا، نُخرجها عند السؤال ولزوم تبرئة الذمة من عار الهزيمة.
 
-2-
 
لا خطر يُهدِّدُ حصاد هذا الموسم، أكثر من أزمة السيولة.. العمال الزراعيُّون لا يستلمون شيكات، وليست لهم حساباتٌ في البنوك، هم يريدون أجرهم فور الانتهاء من مُهمَّتهم وقبل أن يجفَّ عرقُهم ويبتلَّ ريقُهم.
رئيس الوزراء معتز موسى، وعد بحلِّ أزمة السيولة خلال ثمانية إلى عشرة أسابيع. هذه فترة طويلةٌ وأمدٌ بعيد، ونحن على مقربة من توقيت الحصاد.
محصولٌ مثل السمسم، تمَّت أكبر زراعة له في التاريخ 12 مليون فدان، لا يحتمل البقاء في العراء لفترة طويلة، وهو محصولٌ مُدلَّل، غالي القيمة وسريع التلف، وليس له من الصبر الكثير.
الحصاد مواقيت، لا ينتظر (مَهَلَة الأفندية) وأحذيتهم الثقيلة، وإجراءاتهم التي تُسابق السلحفاء.
 
-3-
 
الآن، وقبل الغد، يجب ترتيب توفير السيولة النقدية الكافية في مناطق الإنتاج، ووضع أسعارٍ تشجيعيَّةٍ للمحاصيل، وتحديد سياسة حمائية ومُشجِّعة للصادر. 
دولة مثل الصين، لنا معها اتفاقيَّاتٌ استراتيجية، على استعدادٍ لاستقبال كُلِّ محاصيلنا النقدية، وتركيا أعلنت أكثر من مرَّة حاجتها لكُلِّ منتوج السودان من القُطن.
 
الطوارئ ليست هي للشرور فقط؛ كذلك مِنَحُ الخير تحتاج لاستعدادات استثنائية، وإعلان حالة طوارئ مُجتمعية.
لا بدَّ من انطلاق حملة استعدادات لمُقابلة الحصاد في هذا الموسم الاستثنائي، وتوفير كُلِّ احتياجاته الضرورية، ولا خيار أمامنا سوى الزراعة.
من المُهمِّ جعل الحصاد مُهمَّة وطنية، لا تقلُّ قداسةً عن الواجبات العسكرية، وهذا يتطلَّب استنفار كُلِّ قطاعات الشعب الشبابية والطلابية والقوات النظامية.
 
-4-
 
اطّلعتُ قبل فترةٍ على إفادات مُهمَّة لبروفيسور عبد اللطيف البوني، في إحدى مجموعات (الواتساب)، التي تجمع سياسيِّين ومُفكِّرين وإعلاميِّين كباراً.
البوني قال إن سياساتٍ زراعيةً قائمةً على علاقات إنتاج مُتوازنة، كفيلةٌ جداً بتحقيق توازنات على جميع الصُعد السياسية والاجتماعية. 
التطوُّر الزراعي في السودان، سيكون مدخلاً لحل القضايا كافَّة؛ فتَكَدُّس السكان في العاصمة صَعَّب الأمر وعَقَّد الأزمات.
ومع ذلك، يُمكن أن تكون الزراعة أيديولوجيا للحكومة والمُجتمع.
البوني يدعو لسياسات زراعية مدروسة ومُوجَّهة، ويرى أنها أهم من التعليم؛ باعتبار أن تغيير البنية الفوقية قبل التحتية، هو سببُ كُلِّ البلاوي والأزمات في السودان.
ويقول بجرأة عُرف بها، إن شقَّ الترعة يجب أن يُقَدَّم على تشييد المدرسة.
فالترعة التي تروي الأراضي الزراعية، يُمكن أن يتَرَتّب من عائدها ما يُمكن أن يُسهم في بناء المدرسة والمُستشفيات.
والمدارس بلا تنمية تُخرِّج أجيالاً مطلبية تنتظر الحكومة لتنجز وتفعل كُلَّ شيء.
 
-أخيراً-
 
الفرصة الآن مُواتيةٌ لرئيس الوزراء معتز موسى، والكرة في (خط ستة)، لتسجيل أوَّل الأهداف، ولكسب أولى المعارك، وهي معركة جعل هذا الموسم الزراعي بدايةً لثورة زراعية كُبرى، تَشفي الجراح وتُخفِّف الآلام، وتُحوِّل الشعارات إلى أعمال، والأقوال إلى ثمار.