ما هي خيارات السعودية في الرد على استعداء بايدن ؟

السوسنة - وصفت مجلة كومنتري الأمريكية، سلسلة المواقف المتتابعة، التي اتخذتها إدارة الرئيس جو بايدن، تجاه المملكة العربية السعودية، بأنها "ليست مُجرَّد مُراجعة للعلاقات الثنائية، بين واشنطن والرياض، وإنما استعداء مكشوف، أوصلها إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وبما يضطر الرياض، إلى البحث عن بدائل، ستشكِّـل خسائر فادحة وبالمطلق لواشنطن".

 
جاء ذلك في تقرير بعنوان "الحرائق الدبلوماسية في الشرق الأوسط"، عرضت فيه المجلة المحافظة، التي أُسست عام 1945، ورقة موقف، لنائب رئيس معهد الدفاع عن الديمقراطيات، جوناثان شانزر، محلل تمويل الإرهاب السابق، في وزارة الخزانة الأمريكية.
 
وفيه توسَّع بتوثيق ما فعلته إدارة بايدن، خلال المائة يوم الأولى، من عهدها في البيت الأبيض، منْ شواهد "حرقها للعلاقات الأمريكية السعودية" حسب تعبيره، محذرًا من مغبة هذا النهج، ليس فقط على استقرار الشرق الأوسط، وإنما بشكل تاريخي أيضًا، على المصالح الأمريكية. 
 
تتابُع سريع في المواقف الارتدادية
 
عرض شانزر، ثلاث خُطوات متتالية، أعلنها كبار المسؤولين في إدارة بايدن، بشأن الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أنها قد تأتي بنتائج عكسية على أمريكا، لسنوات مقبلة: الأولى كانت 4 فبراير، بالقول إن البنتاغون سيوقف دعمه للحملة العسكرية السعودية، ضد مليشيا الحوثي، المدعومة من إيران.
 
وبعد أسبوعين، في 16 فبراير، ألغت وزارة الخارجية الأمريكية، تصنيف الحوثيين (المعروفين أيضًا باسم أنصار الله) منظمة إرهابية.
 
وبعد ذلك بعشرة أيام، أمرت إدارة بايدن، مكتب مدير المخابرات الوطنية، بنشر تقرير يُحمِّل الحكومة السعودية، مسؤولية قتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018.
 
هذا التتابُع السريع، في المواقف المفاجئة، قرنته إدارة بايدن، بمراجعة عقود تسليح السعودية، وإعادة الدخول إلى الدبلوماسية، في العلاقة بين واشنطن وطهران، الأمر الذي أوجب بالضرورة، أن تستشعر الرياض "رياحًا شديدة البرودة تهب من واشنطن" كما جاء في التقرير، الذي وصف هذه النقلة، واسعة النطاق في مواقف إدارة بايدن،  بأنها قد تُلحق ضررًا بالغًا، بالمصالح الأمريكية، لا سيما بالنظر إلى التغييرات غير العادية، التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط عام 2020.
 
هل تتأثَّـر توجُّهات السلام الأخيرة في المنطقة؟
 
واستحضر التقرير اتفاقيات السلام، التي عقدتها دول عربية عدة مع إسرائيل، العام الماضي، وكيف أن السعوديين يُقـيِّـمون الموقف الراهن، ليروا إن كان ما فعلته إدارة بايدن، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، سيقوِّض مناخات السلام الجديدة، ويتساءل إن كانت الدول العربية، بمن فيها السودان والمغرب، ستظل ملتزمة بصفقات السلام، في ظل تغيُّرات الرياح السياسية.
 
وبتقدير جوناثان شانزر، قد لا يكون "الاتفاق الإبراهيمي" المكسب الاستراتيجي الوحيد، الذي سيتأثَّـر  بتحولات موقف إدارة بايدن، فدول شرق البحر المتوسط تتساءل  هي الأخرى عما تخبئه متواليات مواقف البيت الأبيض الجديدة.
 
ويشير في ذلك، إلى ما استثمرته السعودية والإمارات، في تعطيل مخططات العنف والفوضى، التي تعمل عليها التنظيمات الإسلاموية (الإخوان المسلمون) المدعومة من قطر وتركيا، وكذلك جهود ردع تركيا عن إحداث فوضى، في التنقيب غير القانوني عن الغاز، شرقي البحر المتوسط.
 
الخاسرون في الشرق الأوسط وشرقي المتوسط والبحر الأحمر
 
وسجَّل التقرير أن الدبلوماسيين اليونانيين والإسرائيليين يتساءلون الآن، عما إذا كانت الدول العربية المتحالفة مع السعودية، ستظل ملتزمة بالتواصل مع أزمة شرقي البحر المتوسط ​​بعد التغيُّر"غير الدبلوماسي" الذي أحدثته إدارة بايدن، في العلاقة مع السعودية.ويُقدِّر الباحث، أن السعودية، الملتزمة بشرقي البحر المتوسط، قد لا تجد حافزًا للاستمرار بهذا الجهد، من دون التشجيع والمشاركة الأمريكية.
 
والأمر مماثل تقريبًا لموضوع الاستقرار الإقليمي، من الخليج إلى البلقان، وكذلك أمن البحر الأحمر، اللذين إذا عزفت السعودية، عن المشاركة القيادية فيهما، فإن روسيا وتركيا وربما الصين،  ستكون الرابحة، كما  جاء في التقرير.
 
ويستعيد التقرير تفاصيل الأدوار، التي نهضت بها السعودية والإمارات، في تحقيق الاستقرار بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما في ذلك اتفاق المصالحة، بين إثيوبيا وإريتريا، وكذلك إريتريا وجيبوتي، عام 2018.
 
كما يشير إلى الجهود السعودية والإماراتية، في إعادة بناء الموقف العراقي، المستقل عن ايران، مرفقة بمشاريع تعمير، والتزام بمحاربة الإرهاب الداعشي، الذي لم يتوقَّف. ويعرض التقرير ما يمكن أن تُحدثه التغيرات الانقلابية، في الموقف الأمريكي من المملكة، من ارتدادات سلبية، على أمن الإقليم النفطي، من الخليج إلى بحر العرب  وباب المندب، وهو الإقليم الذي يرعاه التحالف السعودي الإماراتي، ويتصل بعصب الاستقرار العالمي. 
 
الخيارات النووية السعودية
 
لكن الأكثر إثارة للقلق، كما يعرض جوناثان شانزر، هو قرار الولايات المتحدة، إعادة الانخراط في الدبلوماسية النووية مع إيران، وبنهج يشير إلى رضوخ واشنطن لطموحات الهيمنة الإيرانية، في الملفين اليمني والنووي.  وفي عرضه للبدائل والخيارات، التي قد تنتهجها القيادة السعودية، في ضوء هذه المستجدات، في الموقف الأمريكي، الذي يصفه بـ  "العدائي المتجاوز للخطوط الحمر"،  يشير التقرير، إلى جملة من المواقف المهمة، بينها التخلي عن مسؤولية تشكيل المنطقة نحو الاستقرار. وفي مواجهة النووي الإيراني، ستكـثِّـف الرياض النظر في برنامجها النووي.
 
ويقول شانزر إن القيادة السعودية كانت تعهدت بأنه إذا حصلت إيران على القنبلة، فإن المملكة ستفعل ذلك أيضًا. وبذلك فإن سباق التسلُّح النووي، سوف يلتهم الشرق الأوسط قريبًا.
 
ويخلص التقرير، إلى أن إدارة بايدن دفعت العلاقات الثنائية مع السعودية، إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وهو ما يوجب على المملكة الآن، التفكير في خطواتها التالية، لأنها لن ترضى بالبقاء مكشوفة أربع أو ثماني سنوات مقبلة، يكون فيها بايدن بالبيت الأبيض.
 
وبالنظر إلى وفرة القوى العالمية، المتعطشة للنفط والحالمة بالتحالف مع السعودية، فإن خيارًا من طرف الرياض، بالاقتراب من الصين، سيكون -بالتأكيد- خسارة تاريخية  فادحة لواشنطن، كما يقول جوناثان شانزر.
 
( السياق )