تكلفة الفساد في العالم العربي

mainThumb

29-10-2007 12:00 AM

هل أنت بحاجة إلى رخصة قيادة... مثلا في لبنان أو مصر أو الكاميرون؟ حسنا يمكنك تجنب أسابيع من الأشغال الورقية والتأخير إذا ما لجأت إلى ممارسة شرق أوسطية هي دفع البخشيش - مصطلح تقليدي لكلمة رشوة - إلى المسؤول المناسب.
تريد أن توقف سيارتك في شارع من شوارع مدينة القاهرة التي تعاني من الاختناقات المرورية؟ أو في مكان تأمن فيه من تهديد القنابل في كابول؟ على الأغلب أن الشرطي الودود سينظر إلى الناحية الأخرى مقابل ورقة نقدية أو اثنتين.
الفساد الصغير ، الذي يشمل فعليا انحاء عديدة من الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا وأجزاء من أميركا اللاتينية ، لا يعدو أن يكون قمة جبل الجليد. البدء بعمل تجاري ، أو الحصول على عقد مع الحكومة يستدعي أحيانا أن تدفع "من تحت الطاولة" مبالغ فلكية سواء نقدا أو عينا. تقول منظمة الشفافية الدولية ، وهي مؤسسة لمكافحة الفساد مقرها برلين ، في آخر تقرير سنوي لها أن "الفساد والافتقار إلى الشفافية (في العمل التجاري وفي الاتفاقيات الحكومية) ما زال يشكل تحديا مهما جدا أمام التنمية في منطقة الشرق الأوسط".
"إنتربرايز سيرفاي" ، وهي مجموعة أخرى من الباحثين الخاصين ، وجدت أن بنغلادش تحتل مركز الصدارة في هذا المجال. فحوالي 86 بالمئة من المؤسسات العاملة هناك يجب أن تقدم "الهدايا" لمفتشي الضرائب. هنا في الاتحاد الأوروبي تحتل اليونان الصدارة من بين دول الاتحاد وتصل نسبة المؤسسات المماثلة إلى 56 بالمئة.
في العام 2004 ، قام خبراء عرب بإجراء بحوث على التنمية في المنطقة التي ينتمون إليها ، وذلك من أجل تقرير التنمية البشرية في المنطقة العربية التابع لبرنامج التنمية في الأمم المتحدة. أظهرت الأبحاث في خمس دول رئيسية في المنطقة أن تسعين بالمئة من الناس يعتقدون أن الفساد السياسي والاقتصادي يعم مجتمعاتهم. وكانت الشكوى الرئيسية هي: الأشخاص الذين في السلطة يحتكرون القطاعات الاقتصادية الرئيسية ، "سواء بشكل مباشر أو كشركاء لرجال أعمال ناجحين".
المدركات الحسية في المؤشر الجديد ، الذي وضعته الشفافية الدولية عن الفساد العام في مائة وثمانين دولة وإقليم ، تعطي هذه الدول نقاطا تتراوح ما بين صفر إلى عشرة ، صفر للدول التي وصل فيها الفساد إلى اقصى حد وعشرة للأقل فسادا.
من الواضح من هذه اللائحة أن الدول التي تعاني من الديكتاتورية والأنظمة الفاشية ، أو من الأزمات ، غالبا ما تعاني من انتشار كبير للفساد ، كما أن الدول الديموقراطية هي الأقل فسادا.
بورما والصومال هي الأكثر فسادا ، فقد حصلت كل منها على 1,4 نقطة: نيوزيلندا وفنلندا والدنمارك برزت باعتبارها أقل المجتمعات فسادا ، إذ حصلت كل منها على 9,4 نقطة. في حين حصلت الولايات المتحدة بالمقابل على 7,2 واحتلت المرتبة العشرين.
في العام 2005 دخلت مقررات مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة الفساد حيز التنفيذ ، وقد صادقت على هذه المقررات كل من الأردن والكويت وليبيا وقطر (وهي الدول التي صنفت ، مع إسرائيل ، باعتبارها الأقل فسادا في دول الشرق الأوسط ، وحصلت على ست نقاط في مؤشر من عشر نقاط في مسح مؤسسة إنتربرايز) ، كما صادقت على مقررات المؤتمر الإمارات العربية المتحدة واليمن.
لقد قاد الأردن الجهود في المنطقة العربية لتعزيز ونشر الإصلاحات القانونية التي وضعها مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
التغير الكبير في تصنيف الكويت السنة الماضية سدد ضربة قاسية لدول النفط الغنية. ففي أواخر أيلول الماضي حكم على مسؤول سابق في وزارة الدفاع الكويتية بالسجن مدى الحياة ودفع غرامة مقدارها 72 مليون دولار بتهمة الفساد. وبعد أن حذر ولي عهد البحرين علنا من أنه لا يمكن لأي وزير متهم بالفساد أن يفلت من العقاب ، بدأت الحكومة مؤخرا باعتقال من يفترض أنهم موظفون فاسدون.
الإدارات الغربية الحالية والسابقة لم تقم دائما بوضع حد لممارسات الفساد في مؤسساتها. رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير اضطر ، وتبعا لضرورات "الأمن القومي" إلى إلغاء تحقيق يتعلق بادعاءات بدفع مبالغ طائلة لسعوديين في مناصب رفيعة ، دفعت لإبرام اتفاقيات هائلة لشراء طائرات حربية في صفقة تعود إلى ثمانينات القرن العشرين. بعض المسؤولين في الولايات المتحدة ورجال الكونغرس يرغبون في معرفة المزيد عن الادعاءات الأخيرة التي وردت في مقال نشرته مجلة فانيتي فير.
يقول المقال أن حوالي تسعة مليارات دولار نقدا حولت من الاحتياط الفيدرالي ، في الشهور الأولى من اجتياح العراق عام 2003 ، قد اختفت تماما ، أو أنها لم تسجل في الحسابات بالشكل الصحيح.
من الواضح ان على الدول الغربية التي يمكن أن تدعي أنها تتمتع بمكانة أخلاقية عالية لتولى القيادة لتوجيه ضربة قوية ضد البخشيش في العالم ، على هذه الدول أن تدقق في امورها الداخلية ، فربما تجد هذه الدول أن بيوتها الزجاجية لا تحتمل الحجارة التي يرميها بها الآخرون.
- مراسل سابق للصحيفة ، وقد غطى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لما يزيد على أربعين عاما. كتابه القادم يحمل عنوان «حروب المال»