عودة النقاش حول الانحطاط الأمريكي

mainThumb

18-11-2007 12:00 AM

في ثمانينات القرن المنصرم خلال الولاية الثانية للرئيس ريغان فتح بول كينيدي نقاشاً علمياً منهجياً حول الانحطاط الأمريكي بالاعتماد على مقاربة تاريخية ما بين الامبراطوريات التي تعاقبت منذ القرن السادس عشر ليستنتج أن انحطاط القوة العظمى يبدأ عندما يصبح انفاقها العسكري أكثر من قدرة اقتصادها على تحمله. شارك في هذا النقاش علماء سياسة واقتصاد واجتماع غربيون مرموقون مثل ميشال كروزييه وجاك اتالي (مستشار فرانسوا ميتران) وهربرت شيلر وادوارد ليتواك (مستشارالرئيس ريغان، ودافيد كاليو، وغيرهم ممن أكدوا على تجمع عناصر مثل هذا الانحطاط. أكثر من ذلك صدرت في العام 1991 دراسة مطولة عن “منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية” لتصب الماء في طاحونة المقتنعين باقتراب نهاية ما سمي بالعصر أو على الأقل “القرن الأمريكي”.
لكن الاتحاد السوفييتي هو الذي انهار في حين أن الولايات المتحدة تمكنت في التسعينات من تجاوز المعضلة الاقتصادية فانقلب العجز الخزيني أيام بوش الأب إلى فائض في أواخر عهد كلينتون الذي ترك البيت الأبيض وقد عادت بلاده إلى مكان الريادة الدولية في معظم الميادين كما أن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية قد خرجت بعيداً من دائرة الخطر التي مكثت فيها ردحا من الزمن.

وفي ما خلا الفرنسي ايمانويل تود الذي أصدر في العام 2002 كتاباً عن “الانحطاط الأمريكي” الذي لا رجعة فيه، في رأيه، فإن بداية القرن الجاري كانت تؤشر لهيمنة أمريكية مستديمة بحسب محللين كثيرين تسابقوا على انتقاد أطروحة تود. وكانت الاستعدادات الأمريكية للرد على تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 باحتلال أفغانستان على خلفية تأييد دولي غير مسبوق للحرب الأمريكية المعلنة على الإرهاب ثم التأهب لاحتلال العراق رغم كل الاعتراض الأممي.. إلخ عناصر تدل على عزم إدارة بوش تأكيد هيمنتها الاحادية الناجزة على النظام الدولي. أراد المحافظون الجدد استغلال الفرصة التاريخية التي قد لا تتكرر. فمن يسيطر على العراق بعد أفغانستان يمسك بيده اليمنى القرار النفطي العالمي وباليسرى منطقتي اوراسيا والشرق الأوسط أي شرايين الجسد العالمي وقلبه النابض.

لم تجر رياح العراق كما كانت تشتهي سفن المحافظين الجدد. لقد دخل الجيش الأمريكي إلى بغداد في عملية عسكرية كانت ربما أشبه بالنزهة لكنه لم ينتظر طويلاً ليكتشف أنه علق في مصيدة يعجز عن التخلص منها ويصعب عليه تحمل البقاء فيها. وتبين أن الميزانية العسكرية التي تزيد على الخمسمائة مليار دولار والتي تعادل ميزانيات دول العالم مجتمعة لا تكفي للسيطرة على بلد ضعيف ومنهك تعيش فيه جماعات متناحرة في ما بينها ومنها من يأبى الخضوع للاحتلال الاجنبي. وأمام المأزق العراقي والفشل الشرق أوسطي والأزمة مع إيران والعلاقات المتردية مع شعوب ودول كثيرة في العالم على خلفية أزمة اقتصادية داخلية عاد النقاش مجدداً حول الانحطاط الأمريكي إلى صفحات جرائد ومجلات متخصصة وحلقات تلفزيونية على المستوى العالمي.

وهكذا يبدو المفكر بول كينيدي وكأنه ينتقم من الذين أوسعوا أطروحته انتقاداً وتجريحاً. فهو يقول ان القوة العظمى تحتاج كي تستمر إلى القوة والثروة، الثانية تنفق على الأولى. وعندما يضيع التوازن بين الاثنتين تسقط الامبراطورية. القوة الأمريكية بالمعنى العسكري لا تزال الأعظم في العالم لكنها تحتاج إلى مقبولية شعبية ودولية كي تستطيع العمل من دون أن تؤلب في وجهها اعتراضات على شكل مقاومة أو إرهاب. وهذا ليس متوفراً لها اليوم. ففي الشرق الأوسط دلت استطلاعات الرأي على أن شعوب المنطقة لا تكن أي ود للقوة الأمريكية الأعظم إذا لم نقل أنها تكن لها كراهية عميقة بسبب ممارساتها في العراق وتأييدها السافر ل”إسرائيل”، كذا حال الشعوب الإسلامية خارج هذه المنطقة، والأمر ينطبق على شعوب الدول التي تتحالف أنظمتها مع واشنطن أو تتخاصم لا فرق.

في أمريكا اللاتينية يحاول هوغو شافيز توحيد القارة خلف شعارات مناهضة الامبريالية الأمريكية وهو يحقق نجاحاً لافتاً لدى شعوبها بحسب الدراسات واستطلاعات الرأي، كما أن أنظمة الدول هناك تتحول إلى مناهضة واشنطن كما حدث في البيرو والاكوادور وبوليفيا والى حد كبير المكسيك والبرازيل والأرجنتين. أما في الاتحاد الأوروبي فلا تزال أصداء الدراسة التي أعدها الاتحاد لدى الشعوب الأوروبية في العام 2004 والتي دلت على أن هذه الشعوب تضع الولايات المتحدة و”إسرائيل” في طليعة الدول المتسببة بعدم الاستقرار في العالم.

بالطبع تستفيد الصين التي تسعى إلى الثروة من أجل القوة كما يقول روبرت كيغان، وروسيا التي يسعى زعيمها بوتين إلى ترسيخ حضوره الدولي، لقد ولت تلك الأيام التي كان فيها حلف الاطلسي قادراً على شن حرب على حليف روسيا الصربي من دون أن تحرك هذه الأخيرة ساكناً. لن يمر استقلال كوسوفو من دون موافقة روسيا كذلك فإن الدرع الصاروخي لن يكون دون تكاليف باهظة إذا لم تنجح واشنطن في استرضاء موسكو. أما إيران فماضية في برنامجها النووي رغم كل الحراك الأمريكي المعترض والتهديدات العسكرية المرافقة. لم تصح التوقعات السائدة في العام 2003 بأن احتلال العراق سيؤدي وبصورة آلية إلى إنزال الهزيمة بالبلدين المحاذيين له، إيران وسوريا، اللذين يجنيان اليوم مكاسب التعثر الأمريكي في العراق. أما لبنان هذا البلد الصغير المستضعف فلا يبدو دعم القوة الأعظم لحكومته سبباً للبحبوحة والاستقرار أكثر منه سبباً للتعقيد والتأزم. إذا كان هذا هو الوضع الأمريكي على الساحة الدولية فإن الأمور في الداخل ليست في أفضل حال. فالهزات الارتدادية لا تزال تضرب الاقتصاد بعد زلزال “سبرايم” أي القروض العقارية الذي ضرب في الصيف الماضي. ويبلغ العجز التجاري مع العالم الخارجي نيفا وألف مليار دولار. وانهيار سعر هذا الأخير لا يساعد على حفز الصادرات بقدر ما يؤشر إلى مكامن الضعف الهيكلي في الاقتصاد. وعلاجات البنك الفيدرالي مثل التخفيض المستمر لنسبة الفائدة لا يدفع في اتجاه الخروج من النفق. وتمتلىء صفحات الجرائد والمجلات الغربية بالتحليلات حول الآفاق المظلمة والتوقعات المتشائمة. ومنهم من يحمل الحروب الأمريكية التي تكلف آلاف المليارات والميزانية الدفاعية المبالغ فيها المسؤولية ومنهم من يتفق مع التحليلات التي راجت في الثمانينات من القرن المنصرم القائلة ان المشكلة في البنية الاقتصادية وبالتالي فهي كامنة راسخة وليست عبرة مؤقتة.

هذا الجدل سيبقى مفتوحاً في الوقت المتبقي من عهد بوش وقد يمتد إلى نهاية الولاية الرئاسية المقبلة لخلفه. في هذا الوقت تتأهب قوى عظمى مثل الصين وروسيا وأخرى صاعدة مثل الهند دون أن ننسى الاتحاد الأوروبي إلى امتلاك المزيد من وسائل القوة الدولية لتسهم في تبلور نظام دولي سيكون أكثر تعددية على الأرجح.

أين العرب من هذه التحولات، لاسيما وأنهم يمتلكون وسائل المساهمة فيها والقدرة على التأثير إن هم أرادوا؟