محنة سردية الذات

mainThumb

09-07-2025 07:29 AM

‮«‬أوشام‮»‬‭ ‬آخر‭ ‬رواية‭ ‬صدرت‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬للكاتب‭ ‬السوري‭ ‬الكبير‭ ‬نبيل‭ ‬سليمان،‭ [‬دار‭ ‬الحوار‭. ‬2025‭/ ‬240‭ ‬صفحة‭.] ‬وهي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مشروعه‭ ‬السيري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬بدأه‭ ‬في‭ ‬السبعينيات‭ ‬مع‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬المسلة‮»‬‭. ‬احتوت‭ ‬الرواية‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬فصول‭: ‬الفصل‭ ‬الأول‭: ‬أوشامهن،‭ ‬وخصصه‭ ‬لأمه‭ ‬أمينة‭ ‬التي‭ ‬عاش‭ ‬آلامها‭ ‬مع‭ ‬والده‭ ‬بالخصوص‭ ‬عند‭ ‬زواجه‭ ‬بامرأة‭ ‬ثانية‭ (‬نصيرة‭). ‬ولحبيبات‭ ‬العشق‭ ‬الطفولي‭ ‬اللواتي‭ ‬ارتبطن‭ ‬بالأمكنة‭ ‬التي‭ ‬أقام‭ ‬فيها‭ ‬بسبب‭ ‬وظيفة‭ ‬الوالد‭: ‬دركي‭ ‬بحصان،‭ ‬التي‭ ‬تحتم‭ ‬عليه‭ ‬التنقل‭ ‬الكثير‭. ‬سعاد‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬هزائم‭ ‬مبكرة‭ ‬1985‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬درست‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬1959،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬العامة‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬اللاييك‭ ‬للميسرين‭. ‬وشفيقة‭ ‬ومريوما،‭ ‬وغنوة‭ ‬وزلفى‭. ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬شفيقة‭ ‬كانت‭ ‬الأكثر‭ ‬أثرا‭ ‬فيه،‭ ‬فقد‭ ‬تابعها‭ ‬الكاتب‭ ‬حتى‭ ‬زواجها‭ ‬من‭ ‬ضابط‭ ‬أصبح‭ ‬عقيدا‭. ‬عوقبت‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬عندما‭ ‬ضبطت‭ ‬المديرة‭ ‬معها‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬حبيبها‭: ‬‮«‬طولك‭ ‬شبر‭ ‬وعشقانة؟‭ ‬تعال‭ ‬يا‭ ‬أبو‭ ‬شفيقة‭ ‬خذ‭ ‬بنتك‭ ‬الفلتانة‭ (‬الرواية‭ ‬16‭). ‬الفصل‭ ‬الثاني‭ ‬خصَّه‭ ‬للبيوت‭ ‬والأمكنة‭ ‬التي‭ ‬بها‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬عطر‭ ‬ذاكرته،‭ ‬برج‭ ‬صافيتا،‭ ‬عامودا،‭ ‬الدرباسية،‭ ‬عين‭ ‬ظاط‭ ‬أو‭ ‬عين‭ ‬النسر،‭ ‬حلب،‭ ‬البودي،‭ ‬واللاذقية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬مدن‭ ‬وحارات‭ ‬الذاكرة‭. ‬وبيوت‭ ‬الكتابة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬ميلاد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬رواياته‭. ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬زارها‭ ‬بعد‭ ‬سبعين‭ ‬سنة‭ ‬بقيت‭ ‬حية‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭: ‬‮«‬الآن‭ ‬وأنا‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬عين‭ ‬ظاط،‭ ‬وإلى‭ ‬عامودا‭ ‬وإلى‭ ‬الدرباسية،‭ ‬والعظامية‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبعين‭ ‬سنة‭ ‬أفكر‭ ‬بأن‭ ‬تلك‭ ‬البيوت‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬في‭ ‬تكويني‭ ‬نبضا‭ ‬كرديا،‭ ‬ونبضا‭ ‬شركسا،‭ ‬ونبضا‭ ‬مسلما،‭ ‬وآخر‭ ‬مسيحيا،‭ ‬سريانيا،‭ ‬وآخر‭ ‬أرمينيا‭ ‬أي‭ ‬تعدديا‭ ‬مفتوحا‭ ‬على‭ ‬الآخر‭ (‬الرواية‭ ‬46‭). ‬الفصل‭ ‬الثالث‭ ‬سماه‭ ‬الكاتب‭ ‬أوشام‭ ‬الأمكنة‭ ‬رسم‭ ‬فيه‭ ‬الاعتداءين‭ ‬ومحاولته‭ ‬تدوين‭ ‬السيرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تسعفه‭. ‬الفصل‭ ‬الرابع‭ ‬أفرده‭ ‬لأوشام‭ ‬المكتبة‭ ‬وعلاقاته‭ ‬بالكتب‭ ‬التي‭ ‬ستصنع‭ ‬قاعدته‭ ‬الأدبية،‭ ‬بين‭ ‬الدريكيش‭ ‬وطرطوس‭ ‬واللاذقية‭ ‬ودمشق‭ ‬والرقة‭ ‬والبودي‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬التنقلات‭ ‬وعدم‭ ‬الاستقرار‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬صنعت‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التسامح‭ ‬اللغوي‭ ‬والثقافي‭. ‬فقد‭ ‬تعرف‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬على‭ ‬الفضاء‭ ‬الكلداني‭ ‬السرياني،‭ ‬الأرميني،‭ ‬الشركسي‭. ‬الكردي،‭ ‬فسوريا‭ ‬فسيفساء‭ ‬لغوية‭ ‬وعرقية‭. ‬أكبر‭ ‬مأساة‭ ‬عاشها‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التنقلات‭ ‬الحتمية‭ ‬فقدانه‭ ‬لأخته‭ ‬نوال‭ ‬ذات‭ ‬الثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬التي‭ ‬سقطت‭ ‬في‭ ‬البئر‭. ‬الفصل‭ ‬الخامس‭ ‬أسنده‭ ‬للغناء‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالموسيقى‭. ‬سحر‭ ‬التخت‭ ‬الشرقي،‭ ‬المصري‭ ‬والسوري‭ ‬والعراقي،‭ ‬وأثره‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬الروايات‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭.‬

بهذا‭ ‬العمل‭ ‬السيري‭ ‬المهم،‭ ‬يستمر‭ ‬الروائي‭ ‬العربي‭ ‬نبيل‭ ‬سليمان‭ ‬في‭ ‬حكي‭ ‬سرديته‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬الوحدة‭ ‬إلى‭ ‬الانقلابات‭ (‬الشيشكلي‭) ‬ولكن‭ ‬الشخصية‭ ‬أيضا‭. ‬السردية‭ ‬التي‭ ‬غطاها‭ ‬روائيا‭ ‬تاريخيا،‭ ‬برباعيته‭ ‬الملحمية‭ ‬‮«‬مدارات‭ ‬الشرق‮»‬‭. ‬فالفرد‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬خصوصيته،‭ ‬فهو‭ ‬غير‭ ‬منفصل‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يرويه‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬روايته‭ ‬السيرية‭ ‬‮«‬أوشام‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬فيها‭ ‬نبيل‭ ‬أهم‭ ‬اللحظات‭ ‬التي‭ ‬ارتسمت‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭ ‬وأطلق‭ ‬عليها‭ ‬تسمية‭ ‬أوشام،‭ ‬أي‭ ‬تلك‭ ‬الرموز‭ ‬التي‭ ‬تبث‭ ‬على‭ ‬الجلد‭ ‬ولا‭ ‬تفقد‭ ‬معناها‭ ‬أبدا‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭. ‬تظل‭ ‬ماثلة‭ ‬تذكرنا‭ ‬بزمن‭ ‬نظنه‭ ‬أنه‭ ‬مات‭ ‬فينا،‭ ‬لكنه‭ ‬يكفي‭ ‬تأملا‭ ‬صغيرا‭ ‬لتعيدنا‭ ‬إلا‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سببا‭ ‬مركزيا‭ ‬فيما‭ ‬نحن‭ ‬عليه‭ ‬اليوم‭. ‬جزء‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجمعية‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬المحو‭ ‬ويستمر‭ ‬وكلما‭ ‬مرّ‭ ‬الزمن‭ ‬التصق‭ ‬بالجلد‭ ‬أكثر‭.‬

لمن‭ ‬يعرف‭ ‬نبيل‭ ‬سليمان‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬حياتيا‭ ‬وقرائيا،‭ ‬يدرك‭ ‬جيدا‭ ‬أنه‭ ‬بعثر‭ ‬سيرته‭ ‬بتفاصيلها‭ ‬عبر‭ ‬رواياته‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬اليوم‭ ‬مرجعا‭ ‬تخييليا‭ ‬لحياة‭ ‬الروائي‭. ‬لكنه‭ ‬بهذه‭ ‬الرواية،‭ ‬تكتمل‭ ‬الحلقة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬السيرة‭ ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬فيليب‭ ‬لوجون،‭ ‬وليس‭ ‬وفق‭ ‬تعريفات‭ ‬دوبروفسكي‭ ‬في‭ ‬التخييل‭ ‬الذاتي‭. ‬فقد‭ ‬احترم‭ ‬نبيل‭ ‬الميثاق‭ ‬السيرذاتي‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيله‭. ‬جاءت‭ ‬الرواية‭ ‬كما‭ ‬ذكرنا‭ ‬في‭ ‬خمسة‭ ‬فصول‭ ‬منسوجة‭ ‬في‭ ‬تفاصيلها‭ ‬بدقة‭ ‬الفنان،‭ ‬استعاد‭ ‬فيها‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬صنع‭ ‬وجدانه‭ ‬وعمقه‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬نبيل‭ ‬ليس‭ ‬الكاتب‭ ‬الكبير‭ ‬فقط‭ ‬الذي‭ ‬نعرفه‭ ‬اليوم،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬سيجعل‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬وسيلته‭ ‬لا‭ ‬للانتقام‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬الصعب‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬فاعلا‭ ‬فيه،‭ ‬ولكن‭ ‬لقراءة‭ ‬فترة‭ ‬عاشها‭ ‬فاعلا‭ ‬فيها‭ ‬كشخصية‭ ‬ثقافية‭ ‬ومدنية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬المجتمع‭ ‬نحو‭ ‬الأفضل‭. ‬نستشف‭ ‬من‭ ‬‮«‬أوشام‮»‬‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬شخصية‭ ‬منخرطة‭ ‬كليا‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هامشيا‭ ‬لهذا‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬قاسيا‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬بهدف‭ ‬تكميم‭ ‬فمه‭. ‬

جهد‭ ‬الذاكرة‭ ‬كان‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النص‭. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬ننسى‭ ‬عندما‭ ‬نريد،‭ ‬لكننا‭ ‬ننسى‭ ‬لحظة‭ ‬تشاء‭ ‬الذاكرة‭. ‬كل‭ ‬التفاصيل‭ ‬الحياتية‭ ‬تنهض‭ ‬أثناء‭ ‬الكتابة‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬يختلط‭ ‬الحقيقي‭ ‬بالتخييلي‭. ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬طرحته‭ ‬نظرية‭ ‬سيرج‭ ‬دوبروفسكي‭ ‬التي‭ ‬واجه‭ ‬بها‭ ‬تفصيلية‭ ‬فيليب‭ ‬لوجون‭ ‬بشيء‭ ‬آخر‭ ‬هو‭ ‬التخييل‭ ‬الذاتي‭ ‬L’autofiction‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للذاكرة‭ ‬التي‭ ‬مر‭ ‬عليها‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬مثبتة‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭. ‬فهي‭ ‬تسد‭ ‬الفجوات‭ ‬بطريقتها‭ ‬الخاصة‭ ‬رافضة‭ ‬البياضات‭.‬

فقد‭ ‬اشتملت‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬أوشام‮»‬‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬التفاصيل‭ ‬الحياتية‭ ‬بحلوها‭ ‬ومرها‭ ‬كما‭ ‬رأسينا‭ ‬سابقا‭. ‬شملت‭ ‬البشر‭ ‬والحجر‭ ‬والبيوت‭ ‬التي‭ ‬تنقّل‭ ‬عبرها‭ ‬وكانت‭ ‬لحظات‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الصعبة‭ ‬والجميلة‭ ‬أحيانا‭. ‬متنقلا‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬البيوتات‭ ‬التي‭ ‬تربى‭ ‬فيها‭ ‬صغيرا‭ ‬وأقام‭ ‬فيها‭ ‬وشكلت‭ ‬فضاءات‭ ‬رؤاه‭ ‬ومشاهداته‭ ‬اليومية‭ ‬من‭ ‬علاقات‭ ‬العائلة‭ ‬وطقوس‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬مرجعه‭ ‬المكاني‭ ‬بكل‭ ‬عطرها‭ ‬وخوفها‭. ‬فقد‭ ‬عاش‭ ‬حلاوة‭ ‬الحب‭ ‬الطفولي‭ ‬الذي‭ ‬استمر‭ ‬بعضه‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬جرح‭ ‬صعب‭ ‬رتقه،‭ ‬كما‭ ‬عاش‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬لحظة‭ ‬انكسار‭ ‬أمينة،‭ ‬أمه‭ ‬وهي‭ ‬ترى‭ ‬نصيرة‭ ‬تدخل‭ ‬بيتها‭ ‬كزوجه‭ ‬ثانية‭. ‬يظل‭ ‬السكن‭ ‬العائلي‭ ‬يشكل‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة،‭ ‬هناك‭ ‬رأى‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬سكن‭ ‬الولادة‭ ‬في‭ ‬برج‭ ‬صافيتا‭ ‬المسيحية‭ ‬حيث‭ ‬سيسميه‭ ‬الجيران‭ ‬المسيحيون‭: ‬نبيل،‭ ‬ثم‭ ‬بيت‭ ‬عامودا،‭ ‬بيت‭ ‬العظامية‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬بيوت‭ ‬كردية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬وشرق‭ ‬سورية‭ ‬حيث‭ ‬عاش‭ ‬الكاتب‭ ‬زمن‭ ‬الترحال‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬لمكان‭ ‬بسبب‭ ‬الظرف‭ ‬المعاشي‭ ‬ووظيفة‭ ‬الوالد‭. ‬ثم‭ ‬السكن‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬اللبنانية‭ ‬حيث‭ ‬فتح‭ ‬عينيه‭ ‬على‭ ‬بنت‭ ‬الجيران‭ ‬أنجيلا‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬حية‭ ‬شكلت‭ ‬مرجعا‭ ‬ثمينا‭ ‬للكتابة‭ ‬لأنها‭ ‬محملة‭ ‬بالمادة‭ ‬الخام‭ ‬التي‭ ‬سيحولها‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬روايات‭. ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬للسنوات‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬الكاتب‭ ‬في‭ ‬حلب‭ (‬1972-1978‭) ‬أثرا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬الأدبية‭. ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬صوته‭ ‬مسموعا‭. ‬بدأت‭ ‬مشاريعه‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬التكون‭ ‬والتحقق،‭ ‬ورواياته‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬‮«‬ينداح‭ ‬الطوفان‮»‬‭ ‬1970‭. ‬ثم‭ ‬‮«‬المسلة‮»‬‭ ‬1978‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬السيرة‭. ‬فقد‭ ‬حمّل‭ ‬نبيل‭ ‬سليمان‭ ‬الراوي‭ ‬والشخصية‭ ‬المحورية‭ ‬همومه‭ ‬وانشغالاته‭. ‬لعب‭ ‬عنصر‭ ‬التخييل‭ ‬ممزوجا‭ ‬بالحقيقة‭ ‬التجريبية‭ ‬الخاصة،‭ ‬دورا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الرواية‭. ‬فتعددت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬السيرية‭ ‬المكونات‭ ‬أو‭ ‬الفسيفساء‭ ‬السورية‭ ‬الثقافية‭ ‬والدينية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬جسدتها‭ ‬الرواية‭ ‬بفعالية‭ ‬حقيقية‭. ‬شهدت‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭ ‬تطورا‭ ‬فكريا‭ ‬ملحوظا‭ ‬لدى‭ ‬الكاتب‭ ‬صنعه‭ ‬الفكر‭ ‬الوجودي‭ ‬والماركسي‭ ‬والقومي‭ ‬الذي‭ ‬شكل‭ ‬المرجع‭ ‬الاساسي‭ ‬لمثقف‭ ‬السبعينيات‭. ‬مما‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬كتابات‭ ‬نبيل‭ ‬سليمان‭ ‬الروائية‭. ‬فاتخذت‭ ‬صبغة‭ ‬نقدية‭ ‬حادة‭ ‬ضد‭ ‬وضع‭ ‬المرأة،‭ ‬وتعدد‭ ‬الزوجات‭ ‬الظالم،‭ ‬ومواجهة‭ ‬آلة‭ ‬الاستبداد‭ ‬بالوسيط‭ ‬المدني‭ ‬والفني‭ ‬الروائي‭.‬

‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المكان‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬نبيل‭ ‬سليمان‭ ‬وفي‭ ‬اعماله‭ ‬إلا‭ ‬صوتا‭ ‬حيا‭. ‬الحجارة‭ ‬تحكي‭. ‬القرى‭ ‬المعلقة‭ ‬تحكي‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الدريكيش‭ ‬وطرطوس‭ ‬والبودي‭ ‬إلى‭ ‬حلب‭ ‬فاللاذقبة‭ ‬فالبودي‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الفصل‭ ‬تحضر‭ ‬أيضاً‭ ‬دار‭ ‬الكتب‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬حلب‭ ‬ودار‭ ‬الكتبية‭ ‬في‭ ‬اللاذقية‭ ‬ومكتبة‭ ‬وزارة‭ ‬الإعلام‭ ‬وسواها‭ ‬التي‭ ‬اصبحت‭ ‬روائيا‭ ‬امكنة‭ ‬افتراضية‭ ‬ادبية‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬وجودها‭ ‬المرجعي‭.‬

ستون‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الإبداع‭ ‬والفكر‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬امرا‭ ‬هينا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬نبيل‭ ‬سليمان‭. ‬بين‭ ‬المسلة‭ ‬والأوشام‭ ‬مسافة‭ ‬عمر‭ ‬هو‭ ‬عمر‭ ‬الكتابة‭ ‬بكل‭ ‬لذاتها‭ ‬وحرائقها‭.‬



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد