محنة سردية الذات
«أوشام» آخر رواية صدرت حتى الآن للكاتب السوري الكبير نبيل سليمان، [دار الحوار. 2025/ 240 صفحة.] وهي جزء من مشروعه السيري الذي كان قد بدأه في السبعينيات مع رواية «المسلة». احتوت الرواية على خمسة فصول: الفصل الأول: أوشامهن، وخصصه لأمه أمينة التي عاش آلامها مع والده بالخصوص عند زواجه بامرأة ثانية (نصيرة). ولحبيبات العشق الطفولي اللواتي ارتبطن بالأمكنة التي أقام فيها بسبب وظيفة الوالد: دركي بحصان، التي تحتم عليه التنقل الكثير. سعاد التي دخلت في رواية «هزائم مبكرة 1985»، التي درست معه في 1959، هو في المدرسة العامة وهي في مدرسة اللاييك للميسرين. وشفيقة ومريوما، وغنوة وزلفى. ويبدو أن شفيقة كانت الأكثر أثرا فيه، فقد تابعها الكاتب حتى زواجها من ضابط أصبح عقيدا. عوقبت كثيرا في المدرسة عندما ضبطت المديرة معها رسالة من حبيبها: «طولك شبر وعشقانة؟ تعال يا أبو شفيقة خذ بنتك الفلتانة (الرواية 16). الفصل الثاني خصَّه للبيوت والأمكنة التي بها شيء من عطر ذاكرته، برج صافيتا، عامودا، الدرباسية، عين ظاط أو عين النسر، حلب، البودي، واللاذقية وغيرها من مدن وحارات الذاكرة. وبيوت الكتابة التي شهدت ميلاد الكثير من رواياته. حتى عندما زارها بعد سبعين سنة بقيت حية في ذاكرته: «الآن وأنا أعود إلى عين ظاط، وإلى عامودا وإلى الدرباسية، والعظامية بعد أكثر من سبعين سنة أفكر بأن تلك البيوت هي التي جعلت في تكويني نبضا كرديا، ونبضا شركسا، ونبضا مسلما، وآخر مسيحيا، سريانيا، وآخر أرمينيا أي تعدديا مفتوحا على الآخر (الرواية 46). الفصل الثالث سماه الكاتب أوشام الأمكنة رسم فيه الاعتداءين ومحاولته تدوين السيرة التي لم تسعفه. الفصل الرابع أفرده لأوشام المكتبة وعلاقاته بالكتب التي ستصنع قاعدته الأدبية، بين الدريكيش وطرطوس واللاذقية ودمشق والرقة والبودي. وعلى الرغم من قسوة التنقلات وعدم الاستقرار إلا أنها صنعت قدرته على التسامح اللغوي والثقافي. فقد تعرف عن قرب على الفضاء الكلداني السرياني، الأرميني، الشركسي. الكردي، فسوريا فسيفساء لغوية وعرقية. أكبر مأساة عاشها الكاتب في هذه التنقلات الحتمية فقدانه لأخته نوال ذات الثلاث سنوات التي سقطت في البئر. الفصل الخامس أسنده للغناء وعلاقته بالموسيقى. سحر التخت الشرقي، المصري والسوري والعراقي، وأثره على بنية الروايات التي كتبها.
بهذا العمل السيري المهم، يستمر الروائي العربي نبيل سليمان في حكي سرديته الوطنية من أيام الوحدة إلى الانقلابات (الشيشكلي) ولكن الشخصية أيضا. السردية التي غطاها روائيا تاريخيا، برباعيته الملحمية «مدارات الشرق». فالفرد مهما كانت خصوصيته، فهو غير منفصل عن الحياة. هذا ما يرويه في الجزء الثاني من روايته السيرية «أوشام» التي تتناول فيها نبيل أهم اللحظات التي ارتسمت في ذاكرته وأطلق عليها تسمية أوشام، أي تلك الرموز التي تبث على الجلد ولا تفقد معناها أبدا مع الزمن. تظل ماثلة تذكرنا بزمن نظنه أنه مات فينا، لكنه يكفي تأملا صغيرا لتعيدنا إلا تلك اللحظات الأولى التي كانت سببا مركزيا فيما نحن عليه اليوم. جزء أيضا من الذاكرة الجمعية فهو لا يقبل المحو ويستمر وكلما مرّ الزمن التصق بالجلد أكثر.
لمن يعرف نبيل سليمان عن قرب حياتيا وقرائيا، يدرك جيدا أنه بعثر سيرته بتفاصيلها عبر رواياته الكثيرة التي تشكل اليوم مرجعا تخييليا لحياة الروائي. لكنه بهذه الرواية، تكتمل الحلقة الثانية من السيرة كما وصفها فيليب لوجون، وليس وفق تعريفات دوبروفسكي في التخييل الذاتي. فقد احترم نبيل الميثاق السيرذاتي بكل تفاصيله. جاءت الرواية كما ذكرنا في خمسة فصول منسوجة في تفاصيلها بدقة الفنان، استعاد فيها بعض ما صنع وجدانه وعمقه الذي جعل من نبيل ليس الكاتب الكبير فقط الذي نعرفه اليوم، ولكن أيضا الإنسان الذي سيجعل من الكتابة وسيلته لا للانتقام من الزمن الصعب الذي كان فاعلا فيه، ولكن لقراءة فترة عاشها فاعلا فيها كشخصية ثقافية ومدنية تهدف إلى تغيير المجتمع نحو الأفضل. نستشف من «أوشام» أنه كان شخصية منخرطة كليا في المجتمع ولم يكن هامشيا لهذا كان الثمن قاسيا في الكثير من الأحيان بهدف تكميم فمه.
جهد الذاكرة كان كبيرا في هذا النص. نحن لا ننسى عندما نريد، لكننا ننسى لحظة تشاء الذاكرة. كل التفاصيل الحياتية تنهض أثناء الكتابة لدرجة أن يختلط الحقيقي بالتخييلي. وهو أمر يتوافق مع ما طرحته نظرية سيرج دوبروفسكي التي واجه بها تفصيلية فيليب لوجون بشيء آخر هو التخييل الذاتي L’autofiction إذ لا يمكن للذاكرة التي مر عليها زمن طويل أن تبقى مثبتة في الحقيقة. فهي تسد الفجوات بطريقتها الخاصة رافضة البياضات.
فقد اشتملت رواية «أوشام» على كل التفاصيل الحياتية بحلوها ومرها كما رأسينا سابقا. شملت البشر والحجر والبيوت التي تنقّل عبرها وكانت لحظات من الحياة الصعبة والجميلة أحيانا. متنقلا بين مختلف البيوتات التي تربى فيها صغيرا وأقام فيها وشكلت فضاءات رؤاه ومشاهداته اليومية من علاقات العائلة وطقوس المنطقة التي شكلت مرجعه المكاني بكل عطرها وخوفها. فقد عاش حلاوة الحب الطفولي الذي استمر بعضه في شكل جرح صعب رتقه، كما عاش عن قرب لحظة انكسار أمينة، أمه وهي ترى نصيرة تدخل بيتها كزوجه ثانية. يظل السكن العائلي يشكل حجر الزاوية في هذه العلاقة، هناك رأى كل شيء. بدءا من سكن الولادة في برج صافيتا المسيحية حيث سيسميه الجيران المسيحيون: نبيل، ثم بيت عامودا، بيت العظامية ، وهي بيوت كردية في شمال وشرق سورية حيث عاش الكاتب زمن الترحال من مكان لمكان بسبب الظرف المعاشي ووظيفة الوالد. ثم السكن على الحدود اللبنانية حيث فتح عينيه على بنت الجيران أنجيلا. كل ذلك تحول إلى مادة حية شكلت مرجعا ثمينا للكتابة لأنها محملة بالمادة الخام التي سيحولها الكاتب إلى روايات. يبدو أن للسنوات التي عاشها الكاتب في حلب (1972-1978) أثرا كبيرا في حياته الأدبية. فقد أصبح صوته مسموعا. بدأت مشاريعه الأدبية في التكون والتحقق، ورواياته في الظهور بدءا من «ينداح الطوفان» 1970. ثم «المسلة» 1978 التي شكلت الجزء الأول من السيرة. فقد حمّل نبيل سليمان الراوي والشخصية المحورية همومه وانشغالاته. لعب عنصر التخييل ممزوجا بالحقيقة التجريبية الخاصة، دورا مهما في بنية الرواية. فتعددت في هذه الرواية السيرية المكونات أو الفسيفساء السورية الثقافية والدينية والسياسية التي جسدتها الرواية بفعالية حقيقية. شهدت تلك الحقبة تطورا فكريا ملحوظا لدى الكاتب صنعه الفكر الوجودي والماركسي والقومي الذي شكل المرجع الاساسي لمثقف السبعينيات. مما انعكس على كتابات نبيل سليمان الروائية. فاتخذت صبغة نقدية حادة ضد وضع المرأة، وتعدد الزوجات الظالم، ومواجهة آلة الاستبداد بالوسيط المدني والفني الروائي.
لم يكن المكان في حياة نبيل سليمان وفي اعماله إلا صوتا حيا. الحجارة تحكي. القرى المعلقة تحكي ابتداء من البيوت الأولى في الدريكيش وطرطوس والبودي إلى حلب فاللاذقبة فالبودي من جديد. وفي هذا الفصل تحضر أيضاً دار الكتب الوطنية في حلب ودار الكتبية في اللاذقية ومكتبة وزارة الإعلام وسواها التي اصبحت روائيا امكنة افتراضية ادبية على الرغم من وجودها المرجعي.
ستون سنة من الإبداع والفكر لم تكن امرا هينا في حياة نبيل سليمان. بين المسلة والأوشام مسافة عمر هو عمر الكتابة بكل لذاتها وحرائقها.
رويترز تكشف استخدام ميتا لصور مشاهير دون إذن
وزير البيئة: النزل البيئي يعزز الاقتصاد والحفاظ على الطبيعة
الأردن: 50 حضانة جديدة لدعم الأمهات العاملات
مكالمة هاتفية تطيح برئيسة وزراء تايلاند
هشام جمال يحتفل بعيد ميلاد ليلى برسالة حب
وزيرة التنمية تتفقد مشروع مركز مادبا للخدمات النهارية والمسنين
نيوكاسل يضم فولتيماده في صفقة تاريخية
تهيئة البنية التحتية لمستشفى الأميرة بسمة الجديد في إربد
11 ميدالية تضع الأردن في صدارة بطولة غرب آسيا
البنك المركزي: الصحة والتعليم والخدمات كثيفة العمالة
مصر تحذر من روبلوكس: خطر على الأطفال والمراهقين
رحلة مدريد إلى ألماتي تُربك حسابات الكلاسيكو
وزارة الأشغال: دراسات لفتح الاستثمار في طرق بديلة جديدة
التربية تحدد مواعيد الدورات التكميلية لجيل 2008
دعوة لمواطنين بتسديد مستحقات مالية مترتبة عليهم
آلية احتساب معدل التوجيهي جيل 2008
آلاف الأردنيين مدعوون للامتحان التنافسي .. أسماء
تفاصيل مقتل النائب السابق أبو سويلم ونجله
قرار بتركيب أنظمة خلايا شمسيَّة لـ1000 منزل .. تفاصيل
تنقلات في وزارة الصحة .. أسماء
عمّان: انفجار يتسبب بانهيار أجزاء من منزل وتضرر مركبات .. بيان أمني
رسمياً .. قبول 38131 طالباً وطالبة بالجامعات الرسمية
وظائف حكومية شاغرة ودعوة للامتحان التنافسي
النواب يبحثون إنهاء عقود شراء الخدمات الحكومية
الأردن يبدأ تطبيق الطرق المدفوعة نهاية 2025