ما بعد غلبة «حزب الله»: اللاتوازن المستدام

ما بعد غلبة «حزب الله»: اللاتوازن المستدام

29-11-2025 03:06 PM

كثيراً ما يُقال إنّ لبنان هو بلد محكومٌ بالتوافق وإدارة التعدد و«اللاغالب واللامغلوب» والوقوف على الخواطر والهواجس، غير أن تاريخه منذ لحظة استحداثه ككيان وطني، بالتوليد الكولونيالي الفرنسي عام 1920، وعلى قاعدة «توسعة» متصرفية جبل لبنان في مقابل إلحاقها بمركز ولاية بيروت، أي مدينة بيروت، كعاصمة، هو تاريخ حافل بأنماط وحالات مختلفة من «اللاتوازن».
هو اللاتوازن أولاً بأن المركزية الأيديولوجية والسردية لمتصرفية الجبل في البلد الجديد، وبين مركزية بيروت كعاصمة إنما من بعد فرط عقد ولايتها الممتدة من اللاذقية حتى لواءي عكا والبلقاء. هذه الولاية العثمانية المعتمدة بشكل متأخر من تاريخ السلطنة، عام 1888، كانت تطور مع ذلك شخصيتها الكيانية النسبية مطلع القرن العشرين. كانت لكل من الولاية والمتصرفية حصتها من التعددية الملّية، إنما بنسب مختلفة، ما بين متصرفية بأكثرية مارونية – 60 بالمئة – ومسيحية متنوعة – 80 بالمئة»، في مقابل الولاية، التي يتناصف عدد المسلمين والمسيحيين في عاصمتها، بيروت، وترتفع نسبة المسلمين فيها أعلى من نسبتهما ولايتي سوريا / الشام وحلب مطلع القرن العشرين، إنما من خلال احتساب شيعة بلاد البشارة وعلويي الجبال المحيطة باللاذقية. هذا مع وجود يهودي قوي، في مركز هذه الولاية، بيروت، وفي الجليل. في بيروت بنتيجة الهجرة من الداخل السوري والعراقي، وفي الجليل بنتيجة الهجرة الإشكينازية الحديثة. ومع أن سكان الولاية كانوا يفوقون سكان متصرفية الجبل عددا، وكانت الهجرة من الجبل في اتجاه بيروت، أضف لنزيف الجبل ديموغرافيا، في اتجاه الأمريكيتين، ومع أن عدد سكان المتصرفية انخفض للنصف خلال الحرب الكبرى بنتيجة المجاعة، إلا أن لبنان ولد ككيان يدمج مركز الولاية وبعض أقضيتها، ويطرح البعض الآخر، ويقتطع أقضية من ولاية الشام، ويدمج كل هذا بالمتصرفية. لم يولد كتوازن بين ولاية بيروت ومتصرفية الجبل. بل كلاتوازن لمصلحة الجبل بإزاء ولاية بيروت كولاية، وتوازن لمصلحة بيروت كعاصمة كيانية، بإزاء الجبل. لم تكن ولاية بيروت ومتصرفية الجبل إلا كآخر العنقود في المرحلة العثمانية المتأخرة، من بعد تعاقب تقسيمات إقليمية عديدة. مع ذلك جرى استتباع ذاكرة الولاية لذاكرة الجبل وفي الوقت نفسه تم ابتسار ذاكرة الجبل بغنائية الساحل الفينيقي تارة، و«القرية الوادعة» تارة، وشجر الأرز الخالد بينهما.
يعيش هذا البلد اليوم رغبة جامحة في التلفيق من جديد. من نوع أن الصيغة الكيانية كادت أن تتوازن عند هذه العتبة أو ذاك المنعطف لو لم يحدث ما لم يكن بالحسبان من خارج فأطيح بالتوازن.
نشأ البلد بغلبة عددية مسيحية بسيطة، زاد منها مقاطعة المسلمين لكيانيته في البدء، ثم إقبالهم على المشاركة السياسية والإدارية رغم تشكيكهم بالفكرة. وما كاد يقترب البلد من التناصف العددي الإسلامي المسيحي حتى دخل في معادلة أن التوازن لا يمكن أن يُعرّف إلا بالسلب. فريق يمتنع عن طلب الوحدة مع سوريا وفريق يمتنع عن طلب الاحتماء بفرنسا. أما التوازن بالإيجاب فأخذ شكل الحديث عن «الإنماء المتوازن».
تسرب التحديث بعيدا عن العاصمة بيروت، وبعض الجبل، في اتجاه بقية المناطق، فاقم مع ذلك التناقضات، لم يتحول الى طاقة دمجية توحيدية. عندما أقول لفلان أني «ألفت وطنا وأرغب بدمجك فيه»، فهذه تحتمل أن تكون دعوة مستفزة له وليس العكس.
في تاريخ علم الاجتماع يرتبط هذا بالاختلاف الأساسي حول تعريف ماهية المجتمع وليس فقط ماذا يعني أن يكون هناك «البلد» أو «الدولة». بالنسبة الى عالم الاجتماعي الأمريكي تاركوت بارسونز – توفي 1979 – المجتمع هو نظام معياري ذاتي التنظيم. بالتالي النزاعات في مجتمع هي تصدع له كمجتمع أو فشل أو عطب. في المقابل، بالنسبة الى رالف داهرندورف، الألماني – البريطاني، المجتمع هو مجموع نزاعاته. النزاع ليس خللا. بل ضرورة. اللاتوازن سمة مجتمعية خالصة.
ليس من السهل تهبيط هذا الخلاف النظري على الواقع اللبناني. لكن ثمة إغراء ما يمارسه هذا الواقع هنا. الأفكار التي حكمت لبنان «بارسونزية» في الغالب. قائمة على رهاب اللاتوازن. اختزال النزاعات إلى الولاءات والرهانات على الخارج، الى الوقوع أسرى لأفكار وعقائد. اليساري الذي يعيد المشكلة الى طبقة وسيطة بل تابعة لرأس المال المالي، القومي العربي الذي يعيدها إلى التقسيم الكولونيالي للمشرق العربي، اليميني المسيحي الذي يعيدها إلى تأثر غير المسيحيين بالدعايات الإقليمية المختلفة، الخميني اللبناني الذي يعيدها الى أحابيل الاستكبار وأدواته، السيادي اللبناني الذي يعيدها الى إيران الخمينية: كل يقدم أسلوبه في التقليل من السمة النزاعية للواقع اللبناني، كأي واقع مجتمعي آخر، وربما أكثر من سواه. وهناك شيء من الصحة، متفاوت في كل هذا، إنما بشرط إدراك أن هذه الارتباطات بالخارج كثيرا ما سهلتها رغبة اللبنانيين في الجمع بين امتداح التوازن والإيغال في اللاتوازن. البحث عن التوازن عند المسكنة، وعن اللاتوازن عند الاقتدار.
اليوم مثلا. بعد عقدين من اللاتوازن لصالح تغلبية حزب الله، عما يجري البحث عنه بالتحديد من بعد هذه التجربة المرة؟ عن لاتوازن مضاد، يوازن مع ما سبق، على اعتبار لهذا مرحلته، ولذاك هذه المرحلة؟ أو عن توازن لا يجعل حزب الله يرى نفسه لا غالبا ولا مغلوبا؟ لكن هل هذا ممكن؟ هل هو يكتفي بأن مغلوبيته أمام إسرائيل لا تلغي تغلبيته أمام الداخل؟ أليس المطروح اليوم هو نماذج مختلفة من اللاتوازن؟ في سني الحرب الأهلية كتب المفكر الماركسي مهدي عامل عن «التوازن الهيمني» من حيث هو الشكل الوحيد للتوازن الطائفي، حيث التوازن هو ستار لتغلب قوة طائفية على سواها. لكن «الهيمنة» تفترض مقبولية ما لها. شحنة اندماجية ما بمن يلتحق بها. قد تبدو الأمور أقرب في لبنان بالأحرى الى نمط لاتوازن هيمني مديد. أخصام حزب الله يقولون: لولا حزب الله لقام في هذا البلد توازن.
وجماعة الحزب لا تكاد تقول إنه لا توازن ولا مشاركة من دون الحزب إلا وتعود فتقول ما معناه «وتحت جناحه». هذه الجماعات لا تبحث فقط عن الغلبة. تبحث في حقيقة أمرها، وقبل الغلبة، عن اللاتوازن كما لو كانت تشتهيه اشتهاء. لا يقوم بلد من غير التوافق، تردد المعزوفة. إنما لا يقوم وفاق إلا باللاتوازن: يخبرنا تاريخ هذا البلد وحاضره. تغلبية حزب الله صارت وراءنا. مكابرته على انقضائها أمامنا. لكن اللاتوازن المستدام أعمق من هذه التغلبية ونقائضها. وربما كان الأفضل التعايش مع هذا اللاتوازن، للتخفيف من حدته، بدل الاجتهاد طول الوقت في محاولات نفيه أو تجاوزه.

كاتب من لبنان



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد