رحيل سيدة سيدات زحل

رحيل سيدة سيدات زحل

10-03-2026 01:05 AM

في صباح أمس، حيث تتعاقب الصواريخ والمسيّرات ذهاباً ومجيئاً في سماء مدينتها بغداد مروراً بعمان مدينة إقامتها، أغمضت لطفية الدليمي عينيها بهدوء بعيداً عن بيتها ومكتبتها وحديقتها ووحدتها.
بعيداً عن بغداد التي لم تمثل في وجدانها مدينة العيش والرفقة وتفاصيل الحياة الروتينية فحسب، بل كانت مركز تكوينها الثقافي والوجداني؛ ففيها أكملت دراستها، ودخلت الوسط الثقافي شابة في ريعان الجمال، وفيها تشكلت حساسيتها الأدبية وطرحت أعمق أسئلتها.
على الرغم من أن صورتها لبغداد في السنوات الأخيرة كانت صورة مدينة مجروحة ومُنتهكة؛ إذ تحدثت بوضوح عن تدمير الثقافة والمثقفين بعد 2003، وعن استهداف الكتاب والفنانين، ما يجعل بغداد لطفية الدليمي مدينة أصل وعلاقة حب أبدية، لكنها أيضاً مدينة خساراتها الكبرى وانكساراتها التاريخية؛ وهذا كان آخر مشهد ودعته لطفية عن مدينتها التي عرفتها ولم تعرفها جيداً حتى الرمق الأخير.
بهذا الهدوء الذي يشبه أسلوبها في الكتابة، رحلت لطفيتنا تاركة وراءها تجربة أدبية وفكرية امتدت عقوداً، وقفت فيها عند تخوم الأدب والفلسفة والعلم في آن واحد، حيث لم تكن روائية تقليدية، ولم تكن الكتابة في مفهومها تسطير للحكايات أو بناء شخصيات والأحداث، كانت بطبيعتها محاولة مستمرة لفهم الإنسان وهو يقف مرتبكاً أمام اتساع الكون وقسوة التاريخ.
فمنذ بداياتها، بدت كتابتها مختلفة عن كثير من الأصوات السردية العراقية. كانت تنظر إلى الرواية بوصفها مساحة للتفكير بقدر ما هي مساحة للسرد. لذلك، كانت نصوصها تميل إلى التأمل العميق، حيث يتداخل مصير الفرد مع أسئلة الحضارة، ويصبح مصير الشخصيات امتداداً لقلق إنساني أوسع. لم تكن مهتمة فقط بحكاية ما حدث لها وحدها، بل كانت تشغل روحها بسؤال ما يعنيه هذا الذي حدث، وبالطبقات الخفية التي تتشكل فيها حياة الإنسان بين التاريخ والذاكرة والخيال.
بعد عام 2003، دخلت الراحلة تجربة المنفى التي غيرت حياة كثير من المثقفين العراقيين. خرجت من بغداد، المدينة التي ظلت حاضرة في كتابتها بوصفها ذاكرة كاملة للشخوص والمكان. فبغداد بالنسبة لها هي الفضاء الروحي الذي يتكون من اللغة واللهجة والكتب والمقاهي وأصوات الناس. لذلك بدا المنفى في كتاباتها أقرب إلى اقتلاع بطيء من الجذور، تجربة يعيش فيها الإنسان في مكان آخر لكنه يظل يصغي إلى صدى مدينته البعيدة.
حين وصلت إلى باريس، المدينة التي طالما اعتبرت عاصمة للثقافة والفنون، لم تتعامل معها بوصفها حلماً تحقق كما تنصرف أدبيات الرومانسيين. رأيها في باريس مزدوج وربما متناقض. فمن جهة، كانت تعد باريس مدينة ثقافة وفن وأدب وذاكرة أوروبية كبرى، مدينة رامبو وأديث بياف وسارتر وسيمون دي بوفوار، وخرجت منها كما وصفت بعض القراءات بكنز من الذكريات الجريئة والمثيرة. ومن جهة أخرى، تجربتها الشخصية فيها لم تكن رومانسية على أي وجه، كانت تجربة قاسية ومخيفة؛ حتى وصفت المنفى هناك بأنه مريع، وتحدثت عن البحث عن غرفة لا عن بيت، وعن هشاشة العيش، وحتى عن تعرضها لاعتداء بهدف سرقة حاسوبها.
لذلك، يمكن اختصار باريس في رؤيتها بأنها مدينة رأسمال رمزي كبير، مع أنها لم تكن مدينة رحيمة في تجربة اللجوء.
في كتابها المعروف «كراساتي الباريسية»، تظهر باريس كما لو كانت مختبراً للتأمل أكثر من كونها مسرحاً للدهشة. هناك مقاهٍ عريقة وحدائق واسعة ومتاحف تحتفظ بتاريخ الفن الأوروبي، لكن خلف هذا الجمال ظل شعور الغربة حاضراً في الكتابة. كانت لطفية تمشي في شوارع باريس كما يمشي قارئ في كتاب ضخم، تلتقط التفاصيل الصغيرة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن هذا الكتاب ليس كتابها تماماً.
لهذا السبب ظل الحنين إلى بغداد يتسلل إلى نصوصها حتى وهي تكتب عن المدن الأوروبية. كانت تستعيد بغداد بوصفها ذاكرة حسية كاملة، بضوئها المختلف، ولهجتها التي تشبه الموسيقى، ودفء العلاقات التي لا يمكن تعويضها في المدن البعيدة. وفي كثير من الأحيان، بدا أن الكتابة نفسها كانت محاولة لإنقاذ هذه الذاكرة من التلاشي.
وبعد عودتها إلى عمان، كانت هذه المدينة تبدو من نبرتها المدينة الأقرب إلى الطمأنينة. كتبت عنها بوضوح عاطفي نادر، وقالت إن حب المدن لا يحتاج دائماً إلى تفسير، ثم وصفت عمان بأنها مدينة فتية وناهضة وعريقة، وأنها عاصمة معافاة تفتنها بدفئها وحنوها وامتلاكها لأسباب التطور والنمو. وأضافت أن كل عودة إليها من منافي حياتها كانت تكشف لها أفقاً ثقافياً وحداثياً جديداً. هذا يعني أنها لم تتخذ من عمان محطة إقامة اضطرارية، وإنما مدينة احتواء وشفاء عاطفي، ومدينة علاقة روحية مستقرة.
في رواياتها، تركت لطفية أعمالاً لا يمكن أن يطويها النسيان: «سيدات زحل» و»بذور النار» و»من يرث الفردوس»، وهي روايات تتقاطع فيها مصائر النساء مع التحولات العنيفة التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة. المرأة في عقل كاتبتنا الراحلة مركز التجربة الإنسانية، الكائن الذي يختبر التاريخ على مستوى الجسد والروح في آن واحد.
إن ما يميز مشروعها الروائي حقاً هو البعد الفلسفي الذي يتخلل كتابتها، وهذا النهم غير المحدود حول أدب ما بعد الحداثة. كانت تؤمن أن الرواية الحديثة لا تتوقف عند تخوم الحكاية، هي الفضاء الذي تتقاطع فيه المعارف الإنسانية المختلفة. لذلك، نجد في نصوصها حضوراً واضحاً للعلم والفلسفة وأسئلة الوجود الكبرى.
كانت لطفية مهتمة بالعلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، بين الوعي البشري واتساع الكون، وبين مصير الحضارة والأسئلة الأخلاقية التي تطرحها المعرفة الحديثة.
ولم يكن هذا الاهتمام عابراً؛ فقد ترجمت وكتبت عن مؤلفات علمية وفكرية كثيرة، وكانت ترى أن الكاتب المعاصر لا يمكن أن يعيش داخل حدود الأدب وحده، بل عليه أن ينفتح على العلوم والفلسفات الحديثة لكي يفهم العالم الذي يكتب عنه. لهذا بدت كتابتها دائماً وكأنها تتحرك بين مختبر فكري ومعرفي ومختبر لغوي في الوقت نفسه.
رحلت لطفية الدليمي، لكن أثرها سيظل حاضراً في المكتبة العراقية والعربية بوصفها واحدة من الكاتبات اللواتي حاولن أن يمنحن الرواية أفقاً معرفياً أوسع.
كتبت عن المدن والمنفى والنساء والتاريخ، لكنها في العمق كانت تكتب عن سؤال واحد ظل يرافقها طوال حياتها: كيف يستطيع الإنسان أن يجد معنى لحياته وسط عالم مضطرب وممتلئ بالخسارات؟
ربما لهذا يبدو أن رحيلها اليوم أشبه بإغلاق كتاب سري من تقاطع الوطن مع الحياة. كتاب بدأ في بغداد، وعبر مدناً كثيرة، لكنه ظل في النهاية يصغي، بصبر الكاتب وحنين المنفي، إلى الصوت البعيد لمدى لن يغادره أبداً. لم ترحل لطفية الدليمي عن عالمنا، بل لطالما كانت الراحلة التي تفتش في ترحالها عن وجه بغداد في أبعد مكان يمكن عن الوطن، وبذلك كانت دائماً تزودنا به. إنها ابنة المهجر الجميل، ولا يمكن للمسافر الخالد في أذهان الناس أن يسافر إلى منفى أبعد من تخوم الخلود الذي نعرفه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد