قمة حاسمة: هل تستطيع تركيا إنقاذ الناتو

قمة حاسمة: هل تستطيع تركيا إنقاذ الناتو

09-06-2026 01:29 AM

يعاني الحلف العسكري الأكبر في العالم منذ عقود من أزمات مركبة. أول مستويات هذه الأزمات هي انعدام الثقة بين جانبي الأطلسي، حيث تبدو الأولويات الأمنية والعسكرية مختلفة بين الولايات المتحدة، الداعم الأساسي والراعي الأكبر، وبين شركائها الأوروبيين. على المستوى الثاني تبرز التباينات المختلفة واختلاف النظرة للتحديات الماثلة بين الدول الأوروبية نفسها، كما ظهر منذ اندلاع الحرب الأوكرانية في الموقف من روسيا.
إلى جانب كل ذلك تظهر العلاقة الفريدة من نوعها مع تركيا، القوة العسكرية الضاربة، التي يحتاجها الجميع، والتي تمثل الضلع الأهم للحلف بعد الولايات المتحدة لجهة استعداد الجيوش. هذه العلاقة كانت، على الأقل خلال العقدين الأخيرين، تبدو أقرب للتنافس والعداء، من كونها علاقة شراكة، حيث ظلت الدول الأوروبية النافذة ترفض انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، أو حتى إعفاء الأتراك من التأشيرة، كما ظلت تتورط متدخلة في الشأن الداخلي لتركيا، أو داعمة لأعدائها، بمن فيهم جماعات الإرهاب المسلح، التي تهدد أمنها، في الوقت الذي كانت تحتاج فيه للصوت التركي كسند وشريك.
مع الحرب الأوكرانية برز تحدٍ جديد، حيث لم تعد الحرب مجرد تهديد بعيد، بل باتت شيئا على الحدود. أوضحت الأحداث أن القارة الأوروبية لم تعد بعيدة عن الفوضى، كما كان يظن القادة الأوروبيون، الذين اعتبروا أن الحرب العالمية كانت حربهم الأخيرة فأهملوا مسألة الاستعداد والإنفاق على الجوانب العسكرية. زاد الأمر تعقيدا مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة في أمريكا، وإعلانه أنه لم يعد ملزما بحماية الأمن الأوروبي، خاصة أن الدول الأوروبية، على ما تتمتع به من ثروة، لا تساهم في نظره بشكل لائق في ميزانيات الحلف، بل لا تصل ميزانيات دفاعها للسقف الأدنى المتفق عليه، والذي يكفل لها القدر المناسب من المساهمة في التكاليف اللوجستية.
في مواجهة كل ذلك بدأت دول مثل ألمانيا مرحلة إعادة ترتيب الأولويات وإضافة بنود جديدة متعلقة بالصرف على الدفاع، بما يجعل البلد مستعدا لحماية نفسه في مواجهة أي اعتداء محتمل. هذه التحركات لم تمر من دون قلق، حيث خلقت بعض المخاوف أيضا وأعادت إلى الذاكرة الأوروبية مشاهد التضخم العسكري الألماني في وقت مقارب من القرن الماضي، حينما أغرت القوة هتلر بالانقضاض على أوروبا.
لم يكن بالإمكان فعل شيء إزاء هذه التخوفات، فلم يكن من الممكن منع الدول، التي ترغب في تحضير نفسها للأسوأ، من أن تتسلح وأن تتوسع في شراء وصناعة السلاح، خاصة في ظل الموقف الأمريكي الواضح، الذي يكاد يعلن الانسحاب من الناتو. في مقابل مسألة التسليح الفردي، الذي تقوم فيه كل دولة بمحاولة تحقيق ما يضمن أمنها، طرحت دول أخرى على رأسها فرنسا فكرة الأمن الجماعي، المنطلق من المصير المشترك، ومن أن من الصعب على أي دولة أوروبية أن تكفل أمنها بشكل تام بمعزل عن شريكاتها. هذه الفكرة بدت مقنعة لكنها أيضا اصطدمت بحواجز اختلاف الأولويات والقراءات، فبينما ينظر بعض الأوروبيين لروسيا مثلا على أنها العدو الأول والتهديد الأكبر، يتعامل آخرون معها كشريك لا يمكن خسارته. من هنا تم التفكير في مقترح جديد يتعلق بإنشاء مجموعة أمنية أصغر، تقتصر على عدد محدود من الدول متوافقة الرؤى.
من يعرف طريقة التفكير الأوروبية، ومدى اعتداد كل دولة بنفسها، يدرك حجم الصعوبات، التي تواجه مثل هذه المشاريع المتعلقة بالأمن الجماعي الأوروبي، ففي حالة الناتو كان الجميع مستسلمين للقيادة الأمريكية، ومعترفين بقوتها وهيمنتها، إلا أن الأمر سيكون مختلفا بمعزل عن واشنطن، فكيف سيتم اختيار قيادة هذا التحالف الجديد، ومن هو الجنرال، الذي سيستطيع فرض رؤيته على الجميع مثلما يحدث اليوم في الحلف؟ في عدد سابق استخدمت مجلة «إيكونومست» تعبيرا لطيفا لتلخيص أزمة الناتو، حيث عنونت: «عمل على الزواج واستعداد للطلاق». العنوان معبر لأن هذا ما يحدث فعلا، فليس أمام الأوروبيين، وهم الجانب الأضعف في هذه العلاقة، سوى عمل ما بوسعهم لإنجاح هذا الزواج مع الولايات المتحدة ودفعه للاستمرار، ولو على طريقة دفع الكثير من الأموال للخزينة الأمريكية، من خلال اتفاقيات لشراء أسلحة. في الوقت ذاته، فإنه يجب أن لا يغيب عن المخيلة، أن الطلاق وارد، ما يجعل من اللازم التفكير في خيارات بديلة وأفكار للعيش بمعزل عن الناتو، وما يرتبط به من مساعدات أمريكية.
ينتقد متابعون أوروبيون اليوم مارك روته رئيس الوزراء الهولندي السابق والأمين العام الحالي لحلف الناتو، الذي يقلل في تصريحاته من حجم التحديات، رافضا الحديث عن خطط بديلة، لاعتباره أن الحلف بعيد عن الانهيار. موقف روته هو مثار تساؤل، خاصة لجهة تجاهله التصريحات الأمريكية المباشرة، التي تشكك في التزام واشنطن بالمادة الخامسة الشهيرة، التي تجبر الدول الأعضاء على التدخل في حال تم الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف. روته لا يتجاهل ذلك فقط، ولكنه يتجاهل أيضا إعلان الأمريكيين سحب قواتهم من بلدان أوروبية، ومماطلتهم حتى في تسليم الأسلحة، التي تم شراؤها من قبل دول أوروبية بحجة الحرب الإيرانية. الأمريكيون، الذين تحدثوا عن ضم غرينلاند الدنماركية، في تحد لكل المواثيق المشتركة، وفي تجاهل لكون أن الدنمارك هي عضو في الحلف، قاموا أيضا بإلغاء نشر صواريخ كروز، الذي كان متفقا عليه سابقا مع ألمانيا. كل هذا لم يمنع روته من الإشادة بالشراكة مع الولايات المتحدة، بل بالرئيس ترامب نفسه، الذي ثمّن دوره في الحفاظ على الحلف. أحد التفسيرات، التي تقدم لشرح موقف روته، هو أنه لا يريد إغضاب الأمريكيين، خاصة أن الإدارة الأمريكية غاضبة في الوقت الحالي بالفعل بسبب ما تعتبره تقاعسا أوروبيا عن مساندتها في حربها ضد إيران. يدرك روته أن استفزاز رئيس متهور مثل ترامب ستكون له عواقب عليه بشكل شخصي وعلى الحلف، كما يدرك أن الانزلاق نحو تصريح منفعل، أو ناقد للدور الأمريكي، قد يؤدي لتعجيل اتخاذ قرار بتفكيك الحلف.
في ظل هذه التعقيدات تتجه الأنظار إلى العاصمة التركية أنقرة، التي ستستضيف قمة الحلف في الشهر المقبل، حيث يأمل الجميع أن تنجح تركيا، بقدراتها الدبلوماسية المعهودة، في تثبيت أركان الحلف ومنعه من الانهيار. تركيا مؤهلة لذلك بلا شك، فموقعها الوسيط بين الجانبين الأوروبي والأمريكي، وكذلك علاقة الرئيس رجب طيب أردوغان الطيبة بالرئيس ترامب، الذي أشاد بشخصيّته في أكثر من تصريح، كل ذلك يساعد على تقريب وجهات النظر، بما يساعد الحلف على الخروج من حالة التوتر الحالية بين الحلفاء. لتركيا أيضا مصلحة في بقاء الحلف، فهو أحد أهم المؤسسات، التي تجمعها بالدول الكبرى، والتي تمنح أنقرة مكانة دولية تجعل منها صوتا مسموعا في كل المحافل الدبلوماسية، خاصة في ظل إصرار الأوروبيين على رفض قبول عضويتها في الاتحاد.
القمة المقبلة ستكون حاسمة وصعبة، لأنه سيكون مطلوبا منها الخروج بتأكيد واضح على بقاء الحلف وتجاوزه خلافات أعضائه. هذا الأمر يتطلب إعلان مواقف متطابقة ليس فقط حول مستقبل الناتو، وإنما حول قضايا دولية على رأسها الأزمتان الأوكرانية والإيرانية، اللتان تبدوان حتى يومنا الحالي بعيدتان عن الحسم والحل.

٭ كاتب سوداني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد