القرآن الكريم: إبدالا معرفيا
استعمل توماس كون مفهوم الإبدال Paradigmeفي العلوم الطبيعية ليعني ما يجمع عليه العلماء المنخرطون في مجتمع علمي في حقبة علمية معينة من تصورات وأفكار وقيم معرفية يلتقون حولها لتجديد البحث واقتراح ممارسة علمية جديدة مخالفة لما كان سائدا قبل ظهور هذا الإبدال. ولما كانت الإبدالات المعرفية قليلة في تاريخ البشرية بسبب التطور البطيء للعلوم يمكننا تعميم هذا المفهوم ليشمل كل ما يتصل بأي معرفة، أيا كانت أصولها أسطورية أو فلسفية أو دينية، أجمع عليها معتنقوها، وصارت جزءا من معتقدات وتصورات شعب أو أمة حول الإنسان والعالم. كانت هذه الإبدالات أساس كل الحضارات التي تعاقبت في التاريخ لأنها انبنت عليها في ممارسة حياتها اليومية، ومغالبة غيرها من الأمم.
بالنظر إلى تاريخ البشرية نجد أن الحضارات الكبرى السومرية والفرعونية من جهة، والصينية، الهندية، والفارسية، واليونانية والرومانية، من جهة ثانية، تأسست على إبدالات أسطورية أو دينية أو فلسفية تتجلى من خلال الكتابة، ونص مقدس، أو نص فكري. غير أن كل هذه الإبدالات وما تجسد من خلالها من حضارات ظلت حبيسة الفضاءات التي تشكلت فيها، ولم تتجاوزها إلى غيرها إلا في حالات قليلة عكس الإسلام الذي بني على إبدال القرآن الكريم الذي توسعت حدوده لتشمل كل قارات العالم القديم.
يبدو لنا الإبدال القرآني من خلال ثلاث ركائز نوجزها فيما يلي: دعوته إلى الإسلام: استخلاف الله الإنسانَ ليعمر الأرض، ويصلح فيها، ولا يهلك الحرث والنسل، أولا. ولتحفيز الإنسان على ذلك جعل الاستخلاف والعمارة مقرونتين بالإيمان بالله لأنه الضامن على اتباع أوامره، واجتناب نواهيه، ثانيا. وربط كل ذلك بالإيمان باليوم الآخر حيث يحاسب الإنسان، ويجازى على أفعاله، ثالثا. إن الإيمان بالله خالق كل شيء لا يزيد الله، ولا ينقص من ملكه شيئا. ولكنه يحد من اتباع الإنسان هواه، فيكون ذلك سببا في عمارة الأرض بما فيها من الخير لكل الناس. وكذلك الإيمان باليوم الآخر يحث المرء على التصرف بما يرضي الله خوفا من عقابه، وأملا في رحمته.
إن هذه الركائز الثلاث تتضافر مجتمعة لتشكل ما نسميه «الإبدال القرآني» الذي سطر للإنسان المبادئ التي عليه اتباعها لتحقيق السعادة في الدارين. لكن الإنسان الناسي المتناسي المتغافل، بسبب طبيعته البشرية، قابل لأن يخرق تلك المبادئ، فيتبع أهواءه لإشباع رغباته في الفساد. لذلك بعث الله الأنبياء والرسل، بصحف وكتب، لكل الناس لتذكيرهم بتلك المبادئ التي يجمع عليها كل من بعثهم الله لهداية البشر، وصولا إلى البعثة النبوية التي جعلها الله، أولا لكل الناس، وثانيا لتصدِّق بكل ما أنزل على الأنبياء والرسل السابقين، ولتجب كل التحريفات التي طرأت على ما أنزل عليهم، بسبب تدخل الإنسان في جعلها متماشية مع أهوائه ونزواته. يبدو لنا ذلك بجلاء فيكون كل الأنبياء والرسل دعوا إلى الإسلام بصفته تمثيلا للركائز الثلاث التي جاء القرآن الكريم من خلال الإسلام ليعضدها ويكملها بصورة غير قابلة للتبديل أو التغيير. فكانت بذلك آخر الرسالات التي جاءت، من خلال القرآن الكريم لتكون إبدالا معرفيا دائما يجمع البشرية على ما خلقها الله من أجله أملا في الصلاح ضد الفساد. فكان القرآن رسالة متكاملة تبين للإنسان ما عليه اتباعه ليكون جديرا بصفته الإنسانية التي فضله بها عن غيره من المخلوقات.
تتحقق إبدالية القرآن الكريم في عدة محاور نختزلها في ما يلي:
ـ الدعوة إلى التفكير فيما خلق الله عن طريق إعمال العقل، والحواس، والحدس، وطرح الأسئلة عمن خلق كلما وفره الله للإنسان ليعيش حياة هنيئة، من المطر، والأنعام، وما في البر والبحر، وتحدى أن يتصرف فيها الإنسان عن طريق خلق نظائر لها، أو التحكم فيها وفق إرادته (الأعاصير والزلازل). وهو بذلك يرد على كل المعترضين على خلقه من ملحدين، وكفار، ومشركين، سواء في العصور الغابرة، أو وقت النبوة، أو بعدها. وفي الوقت نفسه يرد على كل محاولات تفسير الكون وفق ما يتوصل إليه الإنسان، أو سيتوصل إليه، والذي ظل منذ أقدم العصور (أساطير، فلسفات) إلى ما بعد (مختلف العلوم) الآن عاجزا عن تقديم تفسير معقول. إن مختلف كل ما توصل إليه الإنسان إما متجاوز، أو نسبي.
ـ الدعوة إلى تجديد معرفة الإنسان بنفسه، وبالعالم الذي يعيش فيه، وبخالقه، وذلك عن طريق مجادلة وتسفيه كل المعتقدات السائدة التي ظلت تقوم على الاعتقاد بما انتهى إليهم من الأسلاف، واعتباره الحقيقة المطلقة. لقد جوبهت كل دعوات الرسل والأنبياء باستحالة التخلي عما وجدوا عليه آباءهم، معتبرين ما أنزل إليهم سحرا أو أسطورة. وكذلك كان موقف حتى أهل الكتاب من القرآن الكريم الذي جاء مصدقا بما أنزل عليهم، ورفضوه بدعوى أن ما أنزل عليهم هو الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها. إن أي إبدال جديد، كيفما كان نوعه، يقابل بالرفض. ورغم ما تحقق مع القرآن من معرفة جديدة ودائمة، ما يزال إلى اليوم، وبعد اليوم، من ينكر عليه جدته، وهم في رفضهم إياه، وما يدعون إليه لا يزيدون على ما جوبه به كل الأنبياء والرسل، منذ عصور غابرة، من أكاذيب وأصاديق يصعب عليهم التخلي عنها. لكن ما سميناه الجدة الدائمة يبدو لنا في الوقت نفسه من خلال من لم يعش في بيئة إسلامية من علماء ومفكرين وأناس عاديين، في العالم أجمع، في وقتنا الحالي يعتنقون الإسلام زرافات ووحدانا، بناء على قراءاتهم للقرآن الكريم، واعتقادهم في كونه إبدالا حقيقيا، ومن تلقاء أنفسهم بلا فتح ولا غزو، ولا دعوة، بعدما عاينوا بأم أعينهم ما انتهت إليه حضارتهم المادية، وإلى أين أوصلت البشرية جمعاء من فساد، يتعارض مع ما جاء به الإسلام.
ـ الدعوة إلى الوحدة البشرية: وتتصل بالعلاقات بين البشر. إن القرآن الكريم وفق الركائز الثلاث السابقة لا يميز بين الناس بحسب ألوانهم وأعراقهم، ولا تبعا لما يملكونه من ثروات، أو أصول، أو ما يعتقدونه من عادات وأفكار، ولكن بحسب أعمالهم الصالحة التي تخدم الإنسان، وتسعى لتحقيق سعادته، وهو بذلك، ووفق إبداله الدائم، يؤكد أن الله لا ينظر إلا إلى النوايا وما يتصل بها من أعمال، وبموجبها يتم الجزاء والثواب. إن أغلب الإبدالات المعرفية في تاريخ البشرية تحولت إلى التمييز بين الناس، والقبائل، والأمم والشعوب لم توفر للإنسان ما ابتدأت به منذ ظهورها، وإذا بها تنصرف على نقيضه. ولعل الحضارة الغربية التي جاءت بإبدال جديد منذ عصر النهضة، مرورا بالثورة الفرنسية، والمنعطف التكنولوجي والعلمي ظلت تقدم نفسها على أنها في خدمة البشرية، عملت على فرض حضارتها ليس بالغزو، أو الفتح، ولكن بالاستعمار، والاستيطان، وإبادة شعوب في أمريكا وأستراليا، وتقتيل قبائل في أفريقيا. ويبدو الآن أن شعارات الحرية والديمقراطية والرفاهية هي للإنسان الغربي ضد الشعوب والأمم التي استضعفتها، وما تزال تعمل على التفرقة بينها لاستغلال ثرواتها وخيراتها من أجل تحقيق السعادة والرفاهية لشعوبها. وأغلب فلاسفتها ومفكريها وعلمائها هم في خدمة سعادتهم على حساب شقاء غيرهم.
ـ التمييز بين الخير والشر: في ضوء المحور السابق يميز القرآن الكريم بين الناس في ضوء ثنائية الخير والشر. لذلك جعل اليوم الآخر لمحاسبة الناس وفق هذا الفعل أو ذاك لتجسيد الحق ضد الباطل الذي مارسه الإنسان في الدنيا. ومن ثمة كان الاستسلام لما جاء به القرآن الكريم من الإسلام دعوة إلى عبادة الله لاتباع أوامره، والإيمان باليوم الآخر. وكان تخيير الله عباده، لأنه في غنى عن عبادتهم، في الأخير بقوله: «وقل الحق من ربكم. من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» (الكهف، 29) تأكيدا على أن كل إنسان مسؤول عن نفسه أمام الله يوم القيامة.
تجديد الوعي بالإبدال القرآني مهمة كل مفكري الإسلام بغض النظر عن جنسياتهم ولغاتهم.
*كاتب من المغرب
ماليزيا: نستطيع الحفاظ على سعر الوقود المدعوم لمدة شهرين على الأقل
هيئة الاتصالات: نتابع التزام المشغلين بنشر خدمات الجيل الخامس
تجارة عمان: أسعار الملابس لم تتأثر ومستقرة رغم التوترات الإقليمية
هيومن رايتس ووتش تتهم إسرائيل باستخدام الفوسفور الأبيض في لبنان
طقس بارد الاثنين وارتفاع على درجات الحرارة الأربعاء والخميس
الأردن أمام تحديات تصعيد الحرب الإقليمية
ولي الدم في القيادة الإيرانية: الحرب تتجه نحو الانتقام
البحرين تعلن إصابة مدنيين وتضرّر مبانٍ جراء هجوم بمسيّرات إيرانية
للمرة الأولى منذ 2022: النفط يتجاوز 100 دولار للبرميل
قطر: سنواصل السعي إلى خفض التصعيد في صراع إيران
«مواليد حديقة الحيوان»… كلّ الصّور خادعة!
الصين وروسيا بعيدا .. ما الذي تعول عليه إيران في الحرب
المرأة السودانية تلد الحياة مرتين
حرب ترامب على إيران بلا استراتيجية
إعادة إغلاق معبر رفح بعد اندلاع حرب إيران تبدّد آمال الغزيين
معنى رؤية الأم المتوفية في المنام
طريقة تحضير سلطة الكينوا بالخضار
كيكة الجزر: حلوى كلاسيكية بطعم لا يُقاوم
سامسونج تكشف عن Galaxy S26 بسلسلة ذكاء اصطناعي متقدمة
راي نيو تطلق RayNeo Air 4 Pro بنسخة باتمان محدودة
حافة الانفجار: احتلال الجنوب السوري ولبنان وتركيا الهدف التالي
عطل تقني يشل فيسبوك وإنستغرام ويعطل التواصل عبر واتساب
الصفدي يرد على العرموطي بشأن الموقف الأردني من إسرائيل
التربية تفتح باب التقديم لوظائف معلمين للعام 2026/2027 .. رابط
مدعوون لمقابلات عمل وامتحان الكفايات .. أسماء