حائط مبكى في المغرب الأقصى

حائط مبكى في المغرب الأقصى

28-04-2026 11:12 PM

يمكن أن نقرأ وقفة الطائفة اليهودية أمام سور باب دكالة، سيميائيا وسرديا، لتأكيد أن لها دلالات ومعانيَ لا حصر لها، وأن التأويلات التي يقدمها من هم في خدمة الصهيونية، تأكيد لما يحاولون إخفاءه تحت مختلف الشعارات البراقة التي لم تعد تخفى على أحد، وباتت تعري كل تاريخهم في التجني على التاريخ العربي والمغربي، والدين الإسلامي.
سيميائيا: توقفت حافلة السياح اليهود أمام سور عتيق في مدينة مراكش التاريخية في توقيت محدد (دخول وقت صلاتهم). لماذا تم اختيار زمان ومكان معينين؟ ألم يكن من الممكن اختيار مكان آخر قبيل دخول زمن الصلاة بوقت معقول: جامع الفنا مثلا؟ أو أمام عمارة عصرية وحداثية؟ التوقف أمام سور باب دكالة مقصود، لأن الأمكنة والأزمنة لا حصر لها، ويمكن أن يبرمج التوقيت بدقة متناهية تجنبا لأي مشاكل، تبرير دخول وقت الصلاة، كذب وافتراء.
اختيار سور عتيق بحمولته التاريخية الإسلامية المغربية يوحَى بها إلى محاكاة حائط البراق في القدس الشريف، وحارة المغاربة. فلا فرق بين المسجد الأقصى، وفضاء عتيق في المغرب الأقصى. إننا كما نصلي هناك، نصلي هنا (التوازي). يخلق هذا التوازي الفضائي الظاهري بعدا آخر مخفيا. إذا كانت صلواتنا هناك تتم في محيط «أليف» و»أهلي»، رغم أنف المصلين الفلسطينيين الذين يحرمون باستمرار من الصلاة في المسجد الأقصى، وتحت حراسة أمنية، واستفزازات المستوطنين الذين يقتحمون فضاء المسجد الأقصى في أي وقت، فإننا نريد أن نوحي من هنا (حائط المبكى) إلى أن ما خلا هذا السور الذي نمارس فيه صلاتنا (حارتنا في المغرب الأقصى) لا يختلف عن هناك (التوازي الخفي).
سرديا: لا يمكن لهذا التوازي المتعمد إلا أن يخلق ردود أفعال نجمت عنها سرود كثيرة، ممن رأوا في هذا التوازي ببعديه انتهاكا لفضاء عمومي وأيضا اختراقا للصهيونية، في وقت تحاول فيه إبراز أن لها موطن قدم في المغرب، وقد باتت منبوذة في العالم أجمع بما فيه الغرب، الذي وطَّنها في فلسطين، وأعطى لمستوطنيها، من بقاع العالم، وطنا بعد تهجير ونفي مواطنيه الأصليين. وكانت الردود على هذا الموقف دالة وبقوة على أن ما كان يقدم على أنه دعوة إلى العقلانية والحداثة وتجديد التاريخ، والهوية، والسردية الجديدة ليست سوى تأكيد على العبارة الجامعة المانعة: «كلهم إسرائيليون» باختصار شديد.
ألفت وكل جيلي منذ أكثر من نصف قرن رؤيتهم على حائط المبكى في القدس الشريف، وما رأيناهم قط في المغرب يتخذون لهم حائطا للصلاة، وهم يترددون عليه سنويا في الكثير من المناسبات الدينية. وفي هذا دليل على التسامح المغربي الحقيقي. رأينا بأم أعيننا، منذ أن عقلنا اللاتسامح الصهيوني: تدنيس المستوطنين المسجد الأقصى، وحرمان المصلين من الولوج إليه في الجمعات والأعياد ورمضان. وها هو سموتريتش وزبانيته يقوم بـ»تسامح إله اليهود» تجاه المسلمين في أرضهم، ولم يدفع هذا «كلهم إسرائيليون» للتنديد ولو لمرة واحدة بالحديث عن حرية الأديان، والحوار الديني، في واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط. ومع ذلك يتحدثون عن الكراهية؟
يتباكى «الإسرائيليون كلهم» على حرية الأديان، ويعتبرون من استشعر دلالات الاقتحام والاختراق الصهيوني، قطيعا، وإخوانجية، وكوفية، ومتخلفين، ويستشهدون بالتسامح المغربي. التسامح المغربي وليد تاريخ عربي إسلامي، ولا علاقة له بمحاكم التفتيش، ولا بالعقلانية الغربية، ولا بالاستعمار، ولا بالعنصرية الصهيونية. كان اليهود مغاربة ينعمون بما ينعم به كل المسلمين في تاريخهم. تقاسموا معهم شظف العيش، وحلو الحياة ومرها، وتكلموا لهجاته المختلفة، في كل التاريخ إلى حدود 1965 حين بدأت هجراتهم التي زينت لبعضهم فردوس الدولة اليهودية التوراتية. وبقي اليهود الأحرار، على غرار الأمازيغ الأبرار، متشبثين بهويتهم المغربية ووطنيتهم، ولم يتخذوا بدله وطنا. أما من تصهين منهم فلا علاقة له باليهودي المغربي الذي له تاريخ، ووجدان، ومتخيل مغربي. إن من تصهين منهم، وهو من أصول مغربية، ومنهم من تحمل مسؤوليات كبرى في الدولة الصهيونية، وتربى أبناؤه وأحفاده على كره غير الصهيوني حتى وإن كان يهوديا (***) لا علاقة له بأرض المغرب، ولا بتاريخه، ولا بهويته.
لم تكن عند المغاربة قط مواقف من اليهود، ولكنهم ضد الصهيونية، لأنها ببساطة عنصرية، ولا تؤمن بالتسامح، ولا بالحوار. عقيدتها وهويتها مبنية على كراهية الآخر، واستباحة دمه، وتدميره وإبادته. وكل حلمها التوسع على حساب غيرها تحقيقا لأسطورة: شعب الله المختار ودولة «إله اليهود» الكبرى. يتحدث سدنة الصهيونية عن حرية الأديان، والتسامح، ويصفون المغاربة بالقطيع لأنهم يعبرون عن هويتهم الثقافية التاريخية التي تجمع بينهم. أما الصهيونية فهي بالنسبة إليهم نموذج الدولة المبنية على «الدين الصحيح»، و»القومية النقية»، و»التفوق على الآخر»، وإبادة «الحيوانات البشرية». كم تحدثوا عن العقلانية، والحداثة، والديمقراطية، والهوية. لم يتركوا شيئا في التاريخ العربي والإسلامي، وفي العروبة والإسلام لم يوجهوا إليه سمومهم، وأكاذيبهم. كانوا يتخذون صور عتاة الصهيونية وصولا إلى نتنياهو وسموتريتش وبن غفير أساتذتهم، وهم يتصارخون صباح مساء في وسائل التواصل. لكن عقلانيتهم فص ملح وذاب. فالطائفة اليهودية التي يتحدثون عنها تمثل الدين الحقيقي والسامي المختلف عن الإسلام، الذي يحتقر المرأة، ويرفض الحداثة، ويدعو إلى التخلف. أما الصهيونية فهي آخر وأرقى مراحل تطور الإنسان الحداثي التي تتجسد في ممارسة إبادة الحيوانات البشرية، وتدمير البلاد والعباد، والمطالبة بإعدام الأسرى، لتحقيق إرادة «إله اليهود»

التي تقضي بإما أن تكون صهيونيا، أو تابعا لها، أو لا تكون. ولتحقيق هذه الإرادة التلمودية، لا بد من اتباع كل السبل: الاغتيالات، شراء المرتزقة، خيانة العهود والمواثيق، عدم احترام القوانين الدولية، وزرع الفتن والتفرقة بين الأمم والشعوب.
سرديا وسيميائيا كان التوقف أمام سور باب دكالة مقصودا ومتعمدا. وأكبر دليل على ذلك أنه خلق فتنة وردود أفعال. فبرز المغرب على حقيقته التاريخية الإسلامية السمحة، وكشف عورة من يصطفون إلى جانب من يسعى إلى التفرقة والبلبلة. فبدا المغرب المتسامح تاريخيا وواقعيا، رافضا بالقطع لكل من يمارس التدمير والإبادة ويحترف الكراهية، ولا يؤمن بتعدد الأديان. هذا التعالي التلمودي بلغ أقصى درجاته فبات حتى الغرب الذي عمل على خلقه يقرُّ به، ويشعر بالاشمئزاز منه، ومن جرائمه ضد الإنسانية.

كاتب مغربي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد