منصورة عز الدين: مصادقة الرعب

منصورة عز الدين: مصادقة الرعب

28-04-2026 12:03 AM

ثمة مَن يعشقون الحرب لذاتها، لا طمعا في مكاسب، أو امتيازات فعلية مِن ورائها. علينا الاعتراف بذلك، مثلما علينا الإقرار بأن الشر متأصل في الوجود، وليس وهما أو أمرا طارئا. ينبع تمجيد الحرب عند البعض من تقديسهم للقوة، ومِن رغبتهم في اقتناص لحظة سيطرة على الأقدار في عالم قُذِف فيه الإنسان من دون إرادة منه. هذا ما جال في خاطري أثناء إعادة مشاهدة فيلم فرنسيس فورد كوبولا «القيامة الآن»، حيث انقسمت مشاعري بين إعجابي ببراعته الجمالية والتقنية، وانزعاجي مما يضمره من نظرة استعلائية تنحاز للإمبراطورية في مواجهة ضحاياها.
يعج الفيلم باحتفاء شهواني بالحرب، إذ تظهر تعبئة الذخيرة كطقس حسي، يصاحبه تفنن في تصوير الانفجارات واشتعال النيران في الغابات وقصف القرى الفيتنامية وقنص الفيتناميين، كما تُقنَص الحيوانات في البرية، فيبدو العمل احتفالية بجماليات التدمير، أو رغبة محمومة في إضفاء طابع ملحمي على جنون القصف والسحق. ومن هنا، تتضح وجهة نظر جان بودريار، حين اعتبر «القيامة الآن» امتدادا لحرب فيتنام، واصفا إياه بـ»حلم باروكي من النابالم والمناطق الاستوائية، حلم تثيره العقاقير لا رهان فيه على النصر أو السياسة»، ليخلص إلى أن فيلم كوبولا يخلو من أي موقف حقيقي من الحرب، ومن أي حس نقدي تجاهها.

ومع ذلك، ينطوي الفيلم بالفعل على موقف من الحرب، لكنه -كما أشرتُ سابقا- ليس موقفا مناهضا أو منددا، بل افتتان يصعب إخفاؤه. فعلى الرغم من تعريته لبشاعتها، وكشفه كيف تفصل المتورطين فيها عن ذويهم وعن أنفسهم، وتحيلهم إلى حطام أو مِزَق متناثرة، فإنه يتبنى، في المقابل، رؤية استعمارية لا تتساءل، ولو على استحياء، عن سبب وجود القوات الأمريكية في بلد يبعد عنها آلاف الأميال، معتمدا سردية استحقاقية تُغيِّب أصحاب الأرض، فلا نسمع أصواتهم، ولا يظهرون على الشاشة إلّا كأهداف للقتل، ويُوصفون بالهمج، فيما تُدمَّر قراهم بلا رحمة.
تتجلى فيتنام في الفيلم، الذي صُوِّر في الفلبين، كفردوس إكزوتيكي يكسوه غبار مائل للصفرة، ويجمع بين وحشية نمر رابض في الأدغال وجمال بري لِجَنَّة سقطت على الأرض لتوها في هيئة زهور الغاردينيا. الأجواء يخيم عليها ضباب أصفر، والغبار الناتج عن هبوط المروحيات على الأرض يتدرج بين أطياف الأصفر والبرتقالي؛ ألوان النار بامتياز. فهذا الفردوس ينطوي على الجحيم في داخله. طوال أحداث الفيلم، تلتهم النيران الغابات الاستوائية، ويحضر الدخان كعنصر دائم في الخلفية، من دون أن ينشغل الأبطال بالحرائق المندلعة ولا بالدخان الذي يشوِّه صفحة السماء؛ فهي الحرب، والاحتراق والخراب فيها من طبائع الأمور، حيث لا ضير من الرقص على الأنقاض وإقامة حفلات تصدح فيها الأغنيات الصاخبة.

في مشهد ملحمي بامتياز تحلِّق المروحيات، على خلفية من سماء غائمة وغابة نخيل جوز هند، ترافقها مقطوعة «موكب الفالكيريات» لفاغنر، حيث تضفي الموسيقى الحماسية إيحاء بتمجيد القوة؛ وبأن الحرب فِعل استعراضي يحتاج إلى مؤثرات صوتية مهيبة. يظهر فيتناميون في باحة بين أكواخ قرية ما: امرأة تنظف خضراوات ورجل بجواره طفل وصغار يلهون وأجراس تُقرَع، فيما تقترب المروحيات المحلقة فوق المحيط، وتتعالى نغمات فاغنر. يتخذ جنود فيتناميون مواقعهم راكضين في الأنحاء وأعلى جسر خشبي. ثم تبدأ رُسُل الموت الطائرة في القصف والتفجير على وقع الموسيقى. تعم الانفجارات ويشتعل مزيد من الحرائق. تلتهم النيران غابة أخرى. تنفجر مدرعة وتسقط في الماء، فيعبِّر مقاتل أمريكي عن ابتهاجه. وسط دوي الانفجارات والصراخ والجثث، تبدو موسيقى فاغنر شريكا فاعلا في العنف والقتل.
لا يقف كوبولا عند هذا الحد، إذ يصل بجماليات الشر إلى أقصاها في مشهد المقدم كيلجور (روبرت دوفال) وهو يتغزل برائحة النابالم: «لا شيء آخر في العالم له مثل هذه الرائحة. أحب رائحة النابالم في الصباح.» يقول وقد غمرته سيماء الافتتان والحنين إلى تلك المعركة التي قُتِل فيها الجميع، وعبَّقت رائحة الغازولين التل بكامله. ثم يضيف: «كانت كرائحة النصر»! قبل أن يرتسم تعبير الأسف على وجهه وهو ينهي كلامه بقول: «يوما ما ستنتهي هذه الحرب».

سيردد بطل الفيلم ويلارد (مارتن شين) لاحقا الجملة نفسها، وهو في طريقه، عبر النهر، لقتل العقيد كيرتز (مارلون براندو)، ويتبعها بالتفكير في الجنود المرافقين له، أو كما يسميهم «الأولاد على القارب»، وفي أن هذا سيكون جيدا لهم، فهم لا يبحثون عن شيء أكثر من طريق للعودة إلى الوطن. والمشكلة بالنسبة له، أنه سبق أن عاد إلى هناك، وعرف أن الوطن لم يعد موجودا. لا ذِكر لتأثير انتهاء الحرب على الفيتناميين، فهم غير مرئيين، ولا غرض من وجودهم إلّا أن يُقتَلوا ويُشار إليهم باعتبارهم همجا ينتمون إلى أرض التوحش والبربرية.
حين يتفكر ويلارد في مهمة قتل كيرتز التي كُلِّف بها، يتساءل عن عدد مَن قتلهم في السابق، هناك ستة هو متأكد منهم وكان قريبا كفاية وهو يقضي عليهم، لكن الأمر مختلف هذه المرة، من وجهة نظره، لأن المطلوب قتله أمريكي وضابط. يقول: «لم يكن من المفترض بهذا أن يمثِّل فارقا لي، لكنه فعل». وحين يصل إلى كيرتز، يبلغ الطابع الحلمي المهلوِّس للفيلم مداه، ونرى الشر والجنون – وقد أُطلِق لهما العنان – ممثلين في جثث ملقاة هنا وهناك، منها واحدة معلقة وقد تعرى النصف الأسفل لصاحبها، وفي تنظيرات العقيد الأمريكي كيرتز؛ خريج هارفارد وقارئ غوته وجيمس فريزر وت. س. إليوت، المتفلسف الواقف على تخوم الهذيان، والذي يؤمن بأن الفيتناميين سينتصرون في الحرب، لكنه لا يُرجِع هذا لكونهم أصحاب الأرض، بل لأنهم قساة، قادرون على ارتكاب الفظائع بلا تردد، فيما يتقيد مواطنوه بالأحكام الأخلاقية والبيروقراطية! بالنسبة له، تكمن نقطة قوة الفيتناميين في أنهم تخلوا عن الأحكام الأخلاقية وصادقوا الرعب، ومصادقة الرعب ضرورية كي لا يتحول إلى عدو مخيف! ينتهي الفيلم، ويبقى معنا صوت براندو وهو يردد: «الرعب.. الرعب.»، بنبرة أقرب إلى عواء أو نواح، فيما ينهمر المطر بصخب مُنذِر، ويبحر قارب ويلارد مبتعدا في نهر يكسوه الضباب. نهاية أمينة لرواية جوزيف كونراد «قلب الظلام»، التي اقتبس كوبولا فيلمه منها بتصرف كبير، لكنه حافظ على جوهرها، لدرجة تجعل النقد الأساسي الموجه للرواية صالحا أيضا في حالة الفيلم.

فقد رأى إدوارد سعيد أن جوزيف كونراد انتقد الإمبراطورية وفضح عنفها، لكنه ظل أسير أفقها، بينما رأى الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي، أن كونراد كاتب عنصري محا الأفارقة وسلب صوتهم، فحضروا في روايته كديكور، أو مجرد صرخات وأجساد، لا كشخصيات ذات حضور حقيقي وفاعل. وينطبق كلا الرأيين، من وجهة نظري، على «القيامة الآن»؛ فهو بدوره يُغيِّب الضحايا، ويخرجهم من دائرة نقاش ينبغي أن يكونوا في قلبه. في النهاية، هذه ليست محاكمة أخلاقية لعملٍ فني، لكنها محاولة لقراءة ما بين سطوره، ولاستجلاء كيف يتحرك الفن داخل بنية الإمبراطورية، لينطق – سواء قصد الفنان هذا أم لا- بصوتها ويعبر عن أحلامها وهلاوسها، فأبطال الفيلم المتعطشون للعنف ناطقون بلسان الإمبراطورية، متماهون معها في هذيانها داخل هذا «الحلم الباروكي» كما أطلق عليه بودريار.

كاتبة مصرية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد