«حزب الله» في لبنان: أسئلة شاخت وما بادت

«حزب الله» في لبنان: أسئلة شاخت وما بادت

26-04-2026 06:26 AM

عشرات المعطيات الجديدة، والكثير منها منعطفات حاسمة تليق بها الصفة النوعية أو الحاسمة أو التاريخية، طرأت أو تبدلت أو فُرضت منذ اضطرار جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى الانسحاب من جنوب لبنان، سنة 2000؛ بسبب مباشر من تضحيات جسام بذلها أهل الجنوب، طواعية غالباً أو اضطراراً بين حين وآخر؛ ثمّ تحت ضغط مقاومة مسلحة، لم تبدأ من «حزب الله» وحده أوّلاً، ولم تقتصر عليه.
الراهن الأبرز في تلك المعطيات:
ــ جولة 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، في غلاف قطاع غزّة، التي أثخنت دولة الاحتلال بجراح عميقة الغور، ودخلت المنطقة بعدها في أطوار أقرب إلى انقلابات كبرى.
ــ تتويج الانتفاضة الشعبية في سوريا بانطواء 54 سنة من عمر «الحركة التصحيحية» واستبداد آل الأسد، وخروج «حزب الله» والميليشيات المذهبية مندحرة من بلد دخلت إليه لنصرة نظام الأسد الابن عن طريق قتال السوريين.
ــ اغتيال حسن نصر الله، بوصفه ذروة فارقة في جهد إسرائيلي منهجي لتقويض «حزب الله»، يُدرِج جرائم حرب موصوفة على غرار عملية الـ«بيجر»، كما يستخدم كلّ وأيّ مستويات قصوى من العنف والعقاب الجماعي.
ــ الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية ضدّ إيران، التي لا تستنكف هذه السطور عن اعتبارها موجهة أولاً إلى إيران البلد والشعب والبنى التحتية والحضارة، قبل عناوين كاذبة مثل تغيير النظام واستهداف آيات الله.
وقد لا يصحّ، أيضاً، استبعاد متغيرات أخرى جوهرية، أسبق عهداً ولكنّ عواقبها ليست خارج معادلات الفعل والتفاعل؛ بينها وفاة الأسد الأب، وهزيمة إيهود باراك بعد أن جعل الانسحاب من الجنوب اللبناني درّة برنامجه الانتخابي، واندلاع انتفاضة الأقصى، وانتخاب أرييل شارون، وارتداد الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى ما قبل أوسلو، وانقلاب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن والإدارة الجديدة على خطّ التورّط المباشر الذي طبع موقف الإدارة السابقة من عملية السلام، ثمّ انتخاب شارون ثانية مع انفلات عقال الآلة العسكرية الإسرائيلية، واحتلال العراق بما رتّبه من مستجدّات عربية وإقليمية ودولية…
كذلك تغيرت الأمور في نفوس البشر، إذْ هيهات أن يكون خطاب نعيم قاسم اليوم مدانياً لفورة الفرح التي كانت قد دفعت نصر الله إلى التبشير بأنّ عصر هزائم العرب قد انتهى وبدأ عصر انتصاراتهم؛ وفي المقابل، انتهى عصر الانتصارات بالنسبة إلى الصهاينة، وبدأ عصر هزائمهم. وليس عجيباً، لأنه ببساطة لا يتعارض مع منطق التاريخ، أنّ بعض أسئلة شائكة، كانت قد اكتنفت مراحل ما بعد الانسحاب الإسرائيلي، بقيت على حالها أو ازدادت تعقيداً.
على سبيل الأمثلة، يومذاك: مَن الذي سيملأ الفراغ الأمني الذي خلّفه رحيل المحتلّ الإسرائيلي، الأمم المتحدة، أم الجيش اللبناني، أم فصائل «حزب الله»؟ أيّ وجهة سيتخذها نشاط «حزب الله» السياسي بعد طيّ (أو وجوب طيّ) صفحة المقاومة كعلّة وجود عسكري ــ سياسي للحزب؟ وعلى المستوى القاعدي والشعبي، كيف سيدير الحزب علاقات هدنة سلمية (فما بالك بعلاقات تحالف صعب!) مع قواعد «أمل» وشبكة تحالفات نبيه بري/ رفيق الحريري في الجنوب، إذا وُضعت جانباً الزعامات والتكتلات الشيعية التقليدية الأخرى؟ وماذا عن الدولة اللبنانية في ذلك كله، خصوصاً إذا افترض المرء أنّ الانسحاب الإسرائيلي ينبغي أن يلقي على هذه الدولة واجب تعزيز وجودها الشرعي في الجنوب على الأقل؟
هل انطوت هذه الأسئلة، وباتت في سلال مهملات التاريخ؟ ليس تماماً، إذ شاخت ربما، لكنها ليست بعُد في حكم البائدة منعدمة الأثر والتأثير؛ وليست جولات التفاوض اللبنانية ــ الإسرائيلية اليوم سوى مظهر ابتدائي من سيرورات إعادة تدوير القديم، في أحشاء جديد لا يستجدّ تماماً، لأنه لا ينقرض مرّة وإلى الأبد.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد