شبح الحرب الأهلية في لبنان… يُطلّ مجددا

شبح الحرب الأهلية في لبنان… يُطلّ مجددا

24-04-2026 01:59 AM

اتصلت بي عمّتي يوم الأربعاء 15 نيسان/أبريل وهي تبكي.. لم تغادر منزلها منذ أسابيع، كانت قد مضت سبعة أيام على مجزرة الثامن من نيسان/أبريل التي ارتكبتها إسرائيل في لبنان؛ وخلال عشر دقائق: شنت مئة غارة، أدت لإصابة 1223 شخصا، ومقتل 357. وسرعان ما أُطلق عليها اسم «الأربعاء الأسود». ليست الأولى التي تحمل هذا الاسم، وأخشى ألا تكون الأخيرة.
قالت لي عمّتي، وقد أثقلها التعب المتراكم من هذه الحياة: «عمري أربعة وثمانون عاما. كل عامين مصيبة؛ وكل خمسة أعوام مصيبتان. أقدم ذكرياتي هو صوت الهلع في الشوارع، وأنا أحاول أن أتسلّق حافة النافذة في بيتنا في رأس النبع لأختلس نظرة. لم أكن حينها أتجاوز الثالثة. أذكر المصابيح وقد دُهنت باللون النيلي».
كان ذلك عام 1948، قلتُ لها، مُعينة، «كنتِ في الخامسة يا عمّتي».. عرفتُ الحدث من لونه. هكذا كنّا نفعل في عمّان خلال حرب 1973، حين كنتُ أنا أيضا طفلة: نصبغ الحياة بالنيلي. كانت تلك طريقة تعتيم النوافذ القديمة للحدّ من الرصد خلال الغارات الليلية الإسرائيلية. لم يدخل الأردن تلك الحرب، ومع ذلك فعلناها، احتياطا. وكان اسم إسرائيل لتلك العملية يوم الأربعاء «الظلام الأبدي»، أعتَمُ درجات النيلي.
لم تسأل عمّتي السؤال المرعب.. لم تكن بحاجة إلى ذلك، في لبنان، شبح الحرب الأهلية هو شبح رذاذٍ يوم شباطيّ باردٍ يتحوّل إلى سيلٍ هادر. إنه مزاج بلدٍ قَلِقٍ على الدوام؛ وككلّ مزاجٍ سياسيّ سام، تعيشين وفي داخلك ترقّبٌ دائم لانقلابه إلى عنفٍ قاتل. نحن اللبنانيين عالقون إلى الأبد في دوّامة التكرار. لسنا محكومين بذلك قدرا، لكننا نختاره. نختاره رغم أن أعباءه لا تُحتمل حقا. لأننا، مثل عمّتي، متعبون جدا من هذا الوجود، ومع ذلك نعجز عجزا فادحا عن مداواة علله. وقد أعوزتنا الحيلة، فاخترنا أن نخدع أنفسنا بالاعتقاد بأننا سننجو دائما من أسوأ لحظاته: تلك التي نعاني منها بسبب خصوماتنا العائلية التي لا تهدأ، وتلك التي نتكبّدها لأننا نفتح أبوابنا على مصاريعها لتنازع المصالح الأجنبية. نحن أشبه بعائلةٍ روّض أبناؤها قليلو التربية أمّهم حتى الاستسلام، فعاثوا في بيتٍ بلا نوافذ ولا أبواب. والآن، نواجه مجددا الاحتمال المجنون لحربٍ أهلية، غير أنّنا نفعل ذلك في سياقاتٍ تختلف بوضوح عن تلك التي قادتنا إلى الاقتتال الأهلي في 1958 و1975، وكلّ الانفجارات التي تلت، بينهما. في زمن اليسار الجديد، كتب المؤرّخ فواز طرابلسي عن حرب 1975-1990: انقسم المجتمع اللبناني حول الوجود الفلسطيني المسلّح، على الخط نفسه الذي قسمه بسبب الصراع الداخلي: فقد اندمج الدفاع عن المقاومة الفلسطينية مع الدعوة إلى تجاوز النظام الطائفي، والمطالبة بالتحول الديمقراطي والاجتماعي والاقتصادي؛ بينما ارتبطت معارضة الوجود الفلسطيني بالدفاع عن الوضع القائم: التمسّك بالنظام الطائفي وأسسه الاجتماعية، والدفاع عن نظام الاقتصاد الحر».
لا وجود اليوم لمثل هذا الصدع اللبناني.. لا حضور في السجال الراهن لمعركة العدالة الاجتماعية، أو التقدّم الديمقراطي، بل إنّ السياسة نفسها، لدى الجيل الجديد من الناشطين الموصوفين ذاتيا، تكاد تكون كلمة نابية. وما نسعى إلى تحقيقه من إنصاف، فإنما عبر شبكةٍ من المنظمات غير الحكومية. الفلسطينيون في لبنان محصورون في مخيّماتهم.. وحزب الله، تعلم منذ زمن كيف يُجيد النظام اللبناني، مستغلا تشوّهاته بقدر ما تفعل أيّ قوةٍ طائفية أخرى. بعبارةٍ أخرى، تقف المقاومة اليوم، إلى جانب شقيقاتها الطائفيات، «دفاعا عن البنية القائمة».
في الواقع، تأتي النخب الحاكمة إلى هذا الخلاف الأخير وهي متوافقة على كل ما يهمّها تقريبا: ضعف الدولة؛ والنظام الطائفي الذي يستمدّ قوّته من هذا الضعف؛ والطابع الأوليغارشي للاقتصاد السياسي؛ وطبيعته الطفيلية وما يلازمه من فساد مستشرٍ. أمّا المسألة الوحيدة التي تُحرّك هذه القوى المتواطئة فهي إصرارُ حزبِ الله على إعطاء نفسه حجما يتجاوز موقعه في بلدٍ طائفي كهذا. وباختصار، فإنّ امتداد هيمنته وسلاحه يُقزِّمان الطوائف الأخرى ويُضعفانها. والحكومة، التي طالما عانت من هذا التقزيم هي أيضا، تنضمّ إليهم اليوم علنا، وكذلك يفعل كثير من اللبنانيين، مواطنون صادقون غير مصطفّين، مثل عمّتي، المتعبون جدا من هذا الوجود.
لدينا، إذن، تقاطعٌ في الأطراف وتباينٌ في الدوافع، يمتزج الخبيث منها بسهولة مع الصادق، لقد باتت خصوصية حزب الله، في هذا البلد الهشّ الذي يعاني شعبه من الانهيار والإنهاك، أمرا لا يُحتمل. وفي دفاعه عن موقعه المميّز ومجاله كحركة مقاومة مسلّحة، يقف وحيدا في مواجهة إسرائيل المتوحشة التي تبنّت عقيدتها في غزة بكل إخلاص، وفي مواجهة موجة عارمة من المشاعر الشعبية. في ظل جمهورية عاجزة عن الدفاع عن نفسها، يمنحه الخطر الإسرائيلي شرعية؛ وفي ظل التكلفة الباهظة للحرب، يسلبها المزاجُ الشعبيّ هامش الحركة والغطاء. إنها مفارقة قاسية لكلٍّ من حزب الله والدولة، مفارقة تنسجم مع معضلاتنا القاسية. ومفارقة لا يملك أيٌّ منهما سيطرة حقيقية عليها.
في هذا الموسم من الحرب والعذاب والخوف، بدأ التنميط الإقصائي. تُقرَن الطائفة الشيعية بحزب الله، وتُرمى بوصفها غريبة ثقافيا عن هذه الأرض؛ ويُوصَم معارضو حزب الله، مهما كانت هوياتهم، بأنهم خونة لها. سماسرة الطائفية في كل مكان، يهيئون الأرضية خطابيا.. وإن لم يُكبح، فنحن جميعا نعرف إلى أين يقود هذا النوع من الشوفينية.
في ختام حديثنا، وقد تداخل فيه الرثاء بالعزاء، لم تستطع عمّتي أخيرا أن تقاوم وسألت: «هل علينا أن نعيش مصيبة أخرى؟»، لم أستطع أن أكذب: «نعم، لكن لم يُطلق عليها اسمٌ بعد».
*كاتبة لبنانية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد