البيت الأبيض و«الحرب العادلة»: كم يتبقى من يسوع

البيت الأبيض و«الحرب العادلة»: كم يتبقى من يسوع

24-04-2026 01:52 AM

تعمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يتراشق مع البابا ليو الرابع عشر على خلفية الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضدّ إيران، مبتدئاً من اتهام الحبر الأعظم بمحبة الجريمة والقنبلة النووية الإيرانية ومحاباة اليسار المتطرف، وأنه “لا يقوم بعمل جيد جداً”، ولم يُنتخب “إلا لأنه أمريكي، وظنوا أن هذه هي الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الرئيس دونالد ج. ترامب”؛ والخلاصة تسير هكذا: “لو لم أكن في البيت الأبيض، لما كان ليو في الفاتيكان”.
وبصرف النظر عن مخاطر هذا التراشق عند قاعدة ترامب الانتخابية الكاثوليكية خصوصاً، ثمّ المسيحية البيضاء عموماً، فإنّ انسياق الرئيس الأمريكي خلف هياج لفظي مُكْلِف سياسياً وإيديولوجياً ليس جديداً، ويضرب بجذوره في التضخم النرجسي لدى ترامب، وضحالة قاموسه السجالي، وانقياده إجمالاً إلى العبارات المقذعة. يلفت الانتباه، في المقابل، أنّ نائبه ج. د. فانس تولى متابعة التراشق عن طريق الذهاب به أبعد، حين رحّل السجال إلى منطقة في الفقه المسيحي حساسة، وحمّالة تأويلات متقاطعة، هي التنظير لمفهوم “الحرب العادلة”.
“حين يقول البابا إنّ الله ليس إلى جانب أولئك الذين يشهرون السيف، فثمة تراث عمره أكثر من 1000 سنة حول نظرية الحرب العادلة”؛ قال فانس، حديث الاهتداء إلى الكاثوليكية. ولأنه كان يتحدث خلال فعالية نظمتها مجموعة يمينية محافظة في جامعة جورجيا، فقد توجّب أن يستفيض، فيقتبس نموذج القوات الأمريكية التي حررت فرنسا من النازيين، وأطلقت سراح السجناء اليهود من معسكرات الهولوكوست. كذلك توجّب أن يتأستذ على البابا هكذا: “أظن أنه هامّ وهامّ جداً للبابا أن يحاذر حين يتحدث في شؤون اللاهوت. إذا كنتَ ستبدي رأياً حول مسائل اللاهوت، فعليك أن تكون حذراً”.
ويستوي هنا أن يتطور الخلاف أو التنازع أو الشقاق إلى مستويات حادة من تبادل الاتهامات وتصارع التفسيرات، إلى درجة تجنيد يسوع المسيح من طرف ضدّ الطرف الآخر، في اقتفاء هدف مركزي هو الحفاظ على الحاضنة الشعبية المسيحية، أو استحداث طرائق أخرى في استمالتها. المثال الأبرز، لأنه أيضاً ميلودرامي الشكل والمحتوى، كان تدوينة ترامب المصوّرة على منصته الشخصية، “تروث سوشيال”، والتي أظهرته في هيئة يصعب ألا تحيل إلى يسوع، ولكن في إهاب الرئيس الأمريكي متسربلاً برداء أبيض توراتي، على كتفيه وشاح أحمر اللون، يلمس بكفّه جبين مريض مغمض العينين، والضوء يرشح من أصابعه، تحيط به ممرضة وجندي وامرأة تصلي ورجل (بقبعة بيسبول!)، وفي السماء نسور وعلم أمريكي يرفرف وقاذفات وتمثال الحرية الشهير.
المثال المضاد صدر عن هيئات دينية مسيحية، كنسية أو خاصة، بينها مجموعة “الرهبان الإيرلنديون القدماء” التي اعتبرت أن ترامب لا يسخر من البابا “خليفة المسيح” على الأرض فحسب، بل يتستر أيضاً بصورة يسوع و”يرتكب فعل تدنيس لعقيدة مقدسة لدى أكثر من مليار شخص”. من جانبه لم يتأخر جيمس ماسا، كبير الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة، عن إصدار بيان يوضح فيه أنّ الكنيسة الكاثوليكية حصرت مفهوم “الحرب العادلة” في “الدفاع عن النفس، وحين تكون جميع جهود السلام قد أخفقت”؛ مذكّراً البيت الأبيض بأنّ البابا ليو الرابع عشر هو “كاهن المسيح”.
وليس من باب الإفراط في الاستخلاص أن يبصر المراقب في هذا التراشق طرازاً من الخلاف، ولعلّ البعض لن يتردد في اعتباره تنازعاً أو شقاقاً، بين لاهوت لا تجد الإمبريالية المعاصرة، كما تمثلها الترامبية خصوصاً، حرجاً كبيراً في الاستقرار عليه؛ وبين لاهوت كَنَسي تبدّل جوهرياً بصدد توصيف الحروب الدينية تحت مسمى “الحرب العادلة”، ورُوعيت خلال السيرورة اعتباراتٌ تخصّ انتشار المسيحية لدى شعوب مستضعَفة كانت الضحية الأولى لحروب الجبابرة، داخل الصفّ المسيحي الواحد. وليس إلا من باب القراءة الموضوعية، في حدودها الدنيا، ألا يحصر المراقبُ المنصف هذا الميل الإمبريالي في إدارة أمريكية ما، من دون إدارات أخرى عديدة سواها.
ولأنّ ترامب لا يفوّت فرصة سانحة من دون قدح سلفه الرئيس الأمريكي الـ44 باراك أوباما، والسخرية من لون بشرته واسمه الثلاثي ومحتده قبل سياساته خلال ولايتين رئاسيتين؛ فقد يكون من الخير، والإنصاف على نحو ما، أن تُستعاد مواقف أوباما نفسه من نظرية “الحرب العادلة”، وأن تُردّ إلى سياقاتها الطبيعية ضمن نهج الإدارات الأمريكية. ففي خطاب الأخير، خلال حفل تسليمه جائزة نوبل للسلام عن سنة 2009، انتهى أوباما إلى الخلاصات التالية: الحرب ضرورية من أجل السلام، وثمة حروب عادلة من الطراز الذي كانت أمريكا تخوضه في أفغانستان وفي العراق؛ وهو، وإنْ شارك أمثال نلسون مانديلا ومارتن لوثر كنغ في الفوز بالجائزة الرفيعة، سوف يجلب السلام عن طريق الحرب وحدها، حتى إشعار آخر.
وفي لاهوت البيت الأبيض حول نظرية “الحرب العادلة”، بأيّ الأفكار من القديس أوغسطين أو توما الأكويني يستأنس ترامب أو نائبه أو وزير حروبه؟ وفي التطبيق على الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة، أيّ “عدالة” تنطوي عليها أركان النظرية الثلاثة، قبل الحرب وخلالها وبعدها؟ والسؤال الأهمّ الحاسم: كم يتبقى، هنا واليوم، من يسوع المسيح؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد