من جعل الرواية «بازارا» للكتبة والمستكتَبين

من جعل الرواية «بازارا» للكتبة والمستكتَبين

26-04-2026 06:27 AM

لم يكن قراء الروايات العربية في القرن العشرين يميزون بين واحدة محلية وأخرى غير محلية، بل كانوا يقرأون روايات لكتّاب من مختلف البلدان العربية. والأمر ينطبق أيضا على النقاد، فهم لم يفرقوا بين السرد العربي بعامة والسرد المحلي الخاص بهذا البلد العربي أو ذاك، كونهم لم ينحازوا إلى المناطقية، ولا أظهروا انتماءات مخصوصة بحدود إقليمية. وما بين قراءة الروايات ونقدها كان لكل من القارئ والناقد موقعهما المعروف الذي لا يمكن لاحدهما أن يتنازل عنه أو يقبل أن يستبدله أو يتخلى عنه. وكانت من سمات النقد الروائي الالتزام بمنهجيات، اُستجلبت حسب مستجدات كل مرحلة زمنية. وكان استعمالها يجري بشكل مقنن قد يصل أحيانا إلى حد الصرامة العلمية في تتبع حيثيات كل منهج على حدة. مما نجد أمثلته واضحة في كتابات كمال أبو ديب وحسن نوفل وحسين الواد وسيزا قاسم وعبد السلام المسدي وعبد الملك مرتاض وابراهيم السعافين وفاضل ثامر وشجاع العاني.
بيد أن هذا الحال تغير بشكل تدريجي عبر العقدين المنصرمين من القرن الحادي والعشرين، لا بسبب ازدياد عدد كتّاب الرواية في كل بلد عربي حسب، بل أيضا تطفل القراء على النقاد، محاولين الاستحواذ على موقع كتابي في العملية النقدية. وكان من ميزات هذه الظاهرة أن صار الاتجاه القرائي العام موجها نحو الرواية المحلية؛ فواحد لا يتحدث إلا عن الرواية العراقية، وثان لا يعرف سوى الرواية المصرية، وآخر لا تهمه سوى الرواية المغاربية وهكذا.
ومن محصلات هذه الظاهرة أن صار بإمكان أي قارئ هاو وكاتب مبتدئ أن يجرب حظه في كتابة الرواية أو الكتابة عن الرواية ومن دون أي اكتراث بفنيات التجريب السردي أو آليات النقد وقواعده. ومن ثم تشكلت لدينا كثرة كاثرة من الكتبة والمستكتَبين من قليلي الخبرة، ومتواضعي الإمكانيات، فاقدي الأهلية المفتقرين إلى المهارات الفنية الكافية، لكونهم بلا دراية تخصصية بالنظريات السردية وتاريخ الأدب ومناهج النقد. ولا شك في أن تزايد عدد كتبة الرواية في عالمنا العربي فضلا عن تضاعف المستكتبين فيها (ضمن إطارات محلية) ساعد في تشكيل ظاهرة الكتبة النقدة الذين أساءوا إلى النقد الأدبي تشخيصا ورصدا ومعالجات.
وقد يذهب الظن إلى أن تبدل المواقع ما بين القراء والنقاد سببه النقاد أنفسهم بسبب صرامة ما كانوا يتبعونه من منهجيات، جعلت القراء ينفرون منهم بسبب صعوبة تلقي المفاهيم والمصطلحات التي تغرق بها كتابات أولئك النقاد، غير أن حقيقة الأمر ليست كذلك. فقراء الروايات في القرن العشرين كانوا يتفاعلون مع هذه الكتابات ولا يجدون في ذلك عيبا في الرؤية أو المنهج، بل هو العكس تماما، إذ تراهم – على الرغم من كثافة تلك الكتابات المفاهيمية والاصطلاحية – يتابعون ما ينشره النقاد من نصوص.
إنَّ معالجة ظاهرة الكتبة والمستكتبين تتطلب البحث في المسببات، وفي مقدمتها الجنس الروائي نفسه نظرا لما له من مرونة كتابية أشبه ما تكون بالاسفنجية ما يجعل أمر كتابتها مستسهلا من لدن فئات تجد في السرد امتصاصا لمختلف صور البوح الشخصي وتدوينات وسائل التواصل الاجتماعي وكتابة التجارب الشخصية أيا كان مستوى الكاتب. هذا من جانب ومن جانب آخر تمنح هذه الامتصاصية الاسفنجية وهما يخدع القراء فيظنون أنهم قادرون على تحليل الرواية ونقدها. وكان من تداعيات هذا كله أن اقترن ظهور فئة الكتبة والمستكتبين بالروايات المحلية حسب، لما يجدونه فيها من مسائل وموضوعات قريبة من فهمهم تمكنهم من أن يتحدثوا عن سياقاتها بحرية. وهذا الانكفاء المحلي أدى إلى نوع من «الجهوية الثقافية» التي أضعفت جماليات الرواية العربية بالعموم.
ولعل من الأسباب الرئيسية في هذه الظاهرة يتمثل في التسابق على جوائز الرواية العربية التي وعلى الرغم من الصبغة القومية التي تتصف بها، فإنها بتركيزها على محلية كل رواية ونقدها صارت عاملا من عوامل إعلاء المحلية في كتابة الرواية خلال العشرين سنة الأخيرة. ولمحكمي هذه المسابقات دور محفز على كتابة الرواية المحلية. والكثير منهم يفتخرون بأن قاعدة الترشح لمسابقاتهم صارت تتسع بين مناطق وبلدان عربية وأخرى أجنبية ناطقة بالعربية. ما تسبب في أن يكون ذلك (محركا للإبداع والتشجيع عليه) بينما حقيقة الأمر أنها ساهمت لا في استسهال كتابة الرواية حسب، بل في التشديد على المحلية والمناطقية.
ومن المفارقة أن من المحكمين من يعد هذا كله من قبيل (التقليد الإيجابي) الذي يعزز التفاعل والتواصل! وأكيد أن المقصود بهذا التفاعل والتواصل هو ما يحظى به المحكمون ومن على شاكلتهم من تملق من لدن القراء الذين لا ينفكون يظهرونه لهم صباح مساء على مختلف المنصات والمواقع الافتراضية. وأدى ذلك كله إلى تضخم عدد كاتبي الرواية المحلية والمستكتبين لنقدها. والغالبية منهم يرشحون أنفسهم سنويا لتلك المسابقات ويتنافسون عليها. وهذا هو ما جعل هذا الفن الأدبي الروائي منصة إعلامية للترويج وسوقا استهلاكية للنشر الرخيص وساحة مستباحة لكل من يتوهم أن له مهارة لغوية وذائقة نقدية لمجرد أنه قادر على تلخيص أحداث رواية يجد في محليتها ما يساعده في التحدث عن مسائل سياسية واجتماعية وتاريخية مخصوصة بالواقع الذي يعايشه كل يوم.
إن هذه المسببات وغيرها ساهمت في هذه الهجمة غير المسبوقة على تحليل الروايات المحلية حتى تحول هذا الفن الجميل إلى بازار للكتبة والمستكتبين. وهو أمر يضع النقد الأدبي أمام مسؤولياته التاريخية. فالتحدي ليس في كثرة المعروض مما يسمى «رواية» بل أيضا في ضجيج الطلب على الكتابة فيها والاستكتاب حولها حتى صرنا نجد في كل يوم مقالات بالعشرات تنشرها صحف ومواقع ثقافية تحت باب «حرية النشر وديمقراطيته» مع أن لا إضافات جمالية ومعرفية فيها، بل هو صخب وفوضى لا يترك أثرا في وجدان القراء كما لا يمت بأية صلة لمسيرة الفاعلية الأدبية وتاريخها السردي. وبهذه الصورة تحولت قراءة الروايات المحلية إلى ظاهرة لافتة للنظر كما تحول الفن الروائي الجميل من كونه كتابة تحتاج موهبة ورؤية إلى سلعة تحتاج تسويقا من قبل الكتبة والمستكتبين، ومن دون أدنى تخصصية علمية ولا خبرات عملية.
*كاتبة من العراق



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد