السودان وحوار فوق الجراح

السودان وحوار فوق الجراح

15-06-2026 12:59 AM

في مواجهة الحقيقة المريرة في السودان، حيث الحرب الشرسة التي تدمر حرثه ونسله، والصراع المحتدم الذي يمزق نسيجه الاجتماعي، ويُربك جغرافيته السياسية، وحيث المخاوف الحقيقية من سيناريو انقسام جديد في البلد، تتصاعد اليوم الدعوة إلى «حوار وطني»، كحل سحري يضع حدا لمعاناة السودانيين. ومباشرة مع الدعوة، تبرز مجموعة من الأسئلة الوجودية، منها: هل الحوار ممكن في هذه الظروف؟ وإذا كان ممكنا فكيف يُبنى على أسس سليمة حتى يُخرج السودان من جب الأزمة ويجنبه التفتت؟ وهل سيكون حوارا جادا يخاطب تفاصيل الأزمة وقضية الحرب، أم مجرد مناورة سياسية تتعلق بالبقاء في السلطة؟
وهنا يتبادر إلى الذهن حوار «الوثبة»، الذي انطلق خلال الفترة، أكتوبر 2015 – أكتوبر 2016، بمبادرة من رأس نظام الإنقاذ المخلوع عمر البشير، لكنه لم يثمر سوى الفشل وازدياد الأزمة تعقيدا. وإذا كان الحوار معنيا بوقف القتال والحرب، فهل يتضمن دفع الأطراف المتحاربة للجلوس إلى مائدة التفاوض؟ وهل تشمل الدعوة كل المجموعات، بما في ذلك المجموعات في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع؟ أم أن الحوار معني فقط بالقضايا السياسية في مناطق سيطرة القوات المسلحة؟
سنناقش هذه الأسئلة وغيرها، في سلسلة من المقالات، نبتدرها في مقال اليوم بفذلكة تاريخية عن تجارب الحوار الوطني السابقة في السودان. فدعوات الحوار الراهنة ليست هي الأولى في تاريخ السودان الحديث، وربما كانت أولى المحاولات مؤتمر جوبا عام 1947، قبل الاستقلال، الذي ضم القيادات السياسية السودانية، من شمال البلاد وجنوبها، لمناقشة كيف يحكم السودان، ورغم أن المتحاورين توصلوا إلى أن السودان يجب أن يبقى موحدا وفق الإرادة الطوعية للجميع، شريطة ضمان حقوق شعب جنوب السودان، إلا أن المؤتمر لم يحقق النتائج المرجوة.
وخلال الفترة من 16 إلى 29 مارس 1965، عقب ثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بالحكم العسكري الأول، عقدت القوى السياسية السودانية مؤتمر المائدة المستديرة للحوار، حول الأزمة في البلاد وقضيتها الرئيسية المتمثلة في العلاقة بين الشمال والجنوب. ولم يتوصل المؤتمر إلى نتائج حاسمة، لكنه شكّل لجنة من اثني عشر عضوا، مناصفة بين سياسيي الشمال والجنوب، بهدف إعداد مسودة مقترحات للإصلاح الدستوري والإداري، تعرض في مؤتمر مائدة مستديرة ثانٍ، إلا أن هذا المؤتمر لم يعقد وطواه النسيان. وفي أعقاب انتفاضة أبريل 1985، التي أطاحت بالنظام العسكري الثاني في البلاد، عقدت القوى السياسية والنقابية السودانية، مؤتمرا للحوار الوطني في منتجع كوكادام بإثيوبيا، الذي صدر عنه إعلان كوكادام في 24 مارس 1986، مطالبا المجلس العسكري الإنتقالي، الذي تشكل عقب الانتفاضة، بتكوين حكومة جديدة للوحدة الوطنية، تحضر لمؤتمر قومي دستوري يشارك فيه الجميع من أجل تحقيق السلام والعدالة، وترسيخ الديمقراطية الوليدة. لكن، المجلس العسكري الانتقالي رأى الدعوة إلى انتخابات برلمانية أجريت في أبريل 1986، ما فاقم من الصراعات الحزبية والتنافس حول كراسي السلطة قبل التوافق والإجماع حول إجابة واحدة لسؤال كيف يحكم السودان.
ورغم أن القوى السياسية جميعها، ما عدا حزب الجبهة الإسلامية القومية، توافقت على عقد مؤتمر للحوار الوطني تحت مسمى «المؤتمر القومي الدستوري:، حدد تاريخ انعقاده في 18 سبتمبر 1989، على أن يُعقد أول اجتماع للجنته التحضيرية بتاريخ 4 يوليو 1989، إلا أن الجبهة الإسلامية القومية فاجأت الجميع بانقلابها العسكري في 30 يونيو 1989، لتصادر الحياة السياسية الديمقراطية، وتفرض حكمها وفق أيديولوجيتها الخاصة، وبقوة الحديد والنار. وفي 23 يونيو 1995، عقدت القوى السياسية السودانية، ماعدا الجبهة الإسلامية الحاكمة، مؤتمرا للحوار بمدينة أسمرا عاصمة دولة إريتريا، وأصدرت «إعلان أسمرة للقضايا المصيرية»، مؤكدة فيه توافقها بالإجماع حول نظام الحكم اللامركزي في السودان، وفصل الدين عن السياسة، وحق تقرير المصير كأساس للوحدة الطوعية، إضافة إلى القضايا الآخرى المتعلقة بمستقبل السودان كالسياسة الاقتصادية والسياسة الخارجية، إلخ. لكن، المؤتمر ظل في جوهره حوارا بين القوى المعارضة لحكومة الجبهة الإسلامية القومية، أكثر من كونه مؤتمرا للحوار الوطني على المستوى القومي. كما عُقد العديد من مؤتمرات الحوار والتفاوض بين نظام الإنقاذ والقوى المعارضة له، تمخضت عنها عدة اتفاقات، أهمها، حسب التسلسل الزمني، اتفاق الخرطوم للسلام بين النظام وبعض الفصائل المعارضة المسلحة من جنوب السودان (أبريل 1997)، واتفاق السلام الشامل بين النظام والحركة الشعبية لتحرير السودان (يناير 2005)، واتفاقية القاهرة بين النظام والأحزاب التاريخية والتقليدية المعارضة (يونيو 2005)، واتفاقية أبوجا لسلام دارفور، بين النظام وعدد من الحركات الدارفورية المسلحة (مايو 2006)، التي لم تصمد كثيرا بعد عودة قادة الحركات الموقعة مرة أخرى للعمل المسلح، واتفاقية الشرق بين النظام والقوى السياسية المعارضة الممثلة لمجموعات شرق السودان (أكتوبر 2006)، واتفاقية الدوحة لسلام دارفور بين النظام وبعض فصائل المعارضة المسلحة الدارفورية (يوليو 2011)، ومؤتمر حوار «الوثبة» الذي أشرت إليه أعلاه، وأخيرا حوارات ومفاوضات الاتفاق الإطاري السياسي (ديسمبر 2022)، الذي لم يمنع اندلاع الحرب في أبريل 2023 التي لاتزال تدمر وتحرق حتى اليوم.
ولعل الجدير بالملاحظة هنا أن كل تلك الحوارات والمفاوضات، بما في ذلك التي تمخضت عنها اتفاقات موقع عليها، لم توقف الصراعات والنزاعات الدامية في البلاد، ولم تخرس أصوات المدافع، بل أدت إلى انقسام الوطن الواحد إلى دولتين تتفاقم الأزمات والتوترات في كل منهما، وبينهما. لذلك، فإن التساؤل المطروح أعلاه حول هل الدعوة هي لحوار وطني جاد يخاطب قضية وقف الحرب؟ أم مجرد مناورة سياسية تتعلق بالبقاء في السلطة؟ هو تساؤل مشروع وعلى درجة عالية من الأهمية، ويحتمل، بالطبع، إجابتين، رغم أن الوطن لم يعد يحتمل سوى إجابة واحدة فقط. من جانبي سأعتبرها دعوة لحوار جاد، وعلى هذا الأساس سأناقشها في المقالات التالية.

٭ كاتب سوداني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الفئات التي تشملها العطلة الرسمية في الأردن غداً

زيادة 30 ديناراً على رواتب موظفين ومتقاعدين مدنيين وعسكريين

انخفاض الذهب بالتسعيرة الثانية محلياً

الأمن يكشف تفاصيل جريمة مروعة في عمّان

قفزة هائلة بأسعار الذهب محلياً اليوم

إحالة 9 عمداء و16 عقيدا من ضباط الأمن العام إلى التقاعد .. أسماء

الفئات التي لا تشملها الزيادة الجديدة على الرواتب

قرارات جديدة تتعلق بالتكسي الأصفر والتطبيقات الذكية

700 دونم من القمح رمادًا في اربد والمزارعون يطالبون بإصدار شهادات المنشأ

العلوم الطبية في عمّان الأهلية تنشر بحثين علميين في مجلات عالمية مرموقة حول السمع وصحة الأذن

اعتراض وإسقاط 5 صواريخ أطلقت من إيران باتجاه الأزرق

ترتيبات جديدة لمواعيد العيادات الصباحية بالبشير .. التفاصيل

العودات: المناسبات الوطنية تستحضر إرثاً قام عليه الأردن الحديث

دوي صفارات الإنذار في العقبة تزامناً مع اعتراض مسيّرة فوق إيلات .. فيديو

الأمن العام يوضّح ملابسات فيديو مشاجرة شفا بدران