«نهر ثالث» من تركيا إلى العراق

«نهر ثالث» من تركيا إلى العراق

29-07-2026 11:17 PM

يُكتب التاريخ أحيانا بالحروب، وأحيانا أخرى بالتوقيعات… ففي بعض الأحيان تفتح التوقيعات التي تُوضع على طاولات المفاوضات طرقا تعجز الجيوش عن فتحها. وتمثل الاتفاقيات التي وُقعت بين تركيا والعراق في أنقرة إحدى هذه المحطات المفصلية. الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى تركيا يوم الثلاثاء ليست مجرد لقاء اعتيادي يعزز العلاقات الدبلوماسية بين بلدين جارين، بل هي خطوة تاريخية من شأنها تغيير الخريطة الاقتصادية للشرق الأوسط وإعادة رسم مستقبل المنطقة.
في أعقاب مسار التطبيع الجديد الذي بدأ مع سوريا، تشكل الشراكة الاستراتيجية الجديدة التي أرستها مع العراق إحدى أهم حلقات الرؤية الجديدة لتركيا، التي تضع الاستقرار والازدهار والتكامل الاقتصادي على رأس أولوياتها، ليس داخل حدودها فحسب، بل في عموم محيطها الإقليمي. فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002، عززت تركيا استقرارها الاقتصادي، وهي اليوم تحوّل هذا التراكم إلى نهضة تنموية جديدة على المستوى الإقليمي. وسنبدأ اعتبارا من الخريف المقبل في رؤية النتائج الاقتصادية لهذه الخطوة بصورة أكثر وضوحا.
إن القضية المطروحة اليوم لا تقتصر على النفط وحده، ولا تقتصر على خط سكة حديد أو طريق بري فحسب، بل تتمثل في إنشاء شريان اقتصادي جديد يمتد من الخليج العربي إلى قلب أوروبا.
فحصول تركيا، بموجب اتفاق طويل الأمد، على نحو مليون برميل من النفط يوميا من العراق، ووصول خطوط الطاقة عبر العراق وسوريا إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، إلى جانب ربط الخليج بأوروبا عبر الأناضول من خلال مشروع «طريق التنمية» الذي يشمل السكك الحديدية والطرق السريعة، سيؤدي إلى إنشاء منظومة تجارية جديدة لن تُحدث تحولا في الاقتصاد التركي فحسب، بل في المنطقة بأسرها.
وهذا يعني أن البضائع التي تنطلق من ميناء البصرة ستصل إلى أوروبا في أقصر وقت ممكن عبر الأناضول. وبالمثل، ستصل المنتجات الصناعية القادمة من أوروبا إلى أسواق الخليج عبر تركيا. وستسلك هذا المسار يوميا مئات الشاحنات، وفي السنوات المقبلة آلاف الشاحنات، فيما ستتحول خطوط السكك الحديدية إلى العمود الفقري لطريق حرير جديد. ولذلك فإن مشروع «طريق التنمية» ليس مشروعا يخص تركيا وحدها، بل هو مشروع للعراق ودول الخليج والأجيال المقبلة أيضا.
وبطبيعة الحال، فإن مثل هذه المشاريع الكبرى سيكون لها معارضون. فالأطراف التي لا ترغب في استقرار المنطقة، أو التي تنزعج من التكامل الاقتصادي، أو ترى في تنامي قوة تركيا تهديدا لمصالحها، ستقف في وجه هذا المشروع. ولهذا الغرض، لن تقتصر التحركات على الخارج، بل سيتم أيضا تفعيل جماعات ضغط مختلفة في الداخل. ومن هنا تبرز الأهمية الحيوية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، والإرادة السياسية، والوحدة المجتمعية في تركيا خلال هذه المرحلة.
ويُعد «طريق التنمية» أقصر وأكثر المسارات أمانا بين الخليج وأوروبا. فهو سيربط بين البشر والسلع ورؤوس الأموال والطاقة. ولن يوفر هذا المشروع لتركيا مكاسب اقتصادية كبيرة فحسب، بل سيجعل العراق أيضا أحد الفاعلين الذين لا غنى عنهم في الاقتصاد العالمي. وسيكون للعراق نصيب في كل مصباح يضيء، وكل مصنع يعمل، وكل خط إنتاج يدور في أوروبا. وهذا بدوره سيفتح الباب أمام التنمية المستدامة التي طالما تطلع إليها العراق على مدى عقود.
ولهذا السبب تحديدا تكتسب زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى أنقرة أهمية بالغة. فالزيدي، الذي يتولى رئاسة الوزراء منذ مايو/أيار 2026، يبلغ من العمر أربعين عاما، وبالتالي يُعد أصغر رئيس وزراء في تاريخ العراق. وليس من قبيل المصادفة أن تكون تركيا وجهته الخارجية الثالثة بعد توليه المنصب. كما أن استقباله بمراسم رسمية في المجمع الرئاسي التركي يعكس بوضوح الأهمية التي يوليها البلدان لهذه الزيارة.
وشهدت الزيارة عقد لقاء ثنائي بين الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي، أعقبه اجتماع بين وفدي البلدين، ثم انعقاد اجتماع الطاولة المستديرة العراقية-التركية، قبل أن يوقع الزعيمان خمس مذكرات تفاهم مهمة.
وتشمل الاتفاقيات الموقعة مجالات التعليم، والتعاون بين أكاديميات الشرطة، والشباب والرياضة، والملكية الصناعية، والنقل البري والسككي عبر معبر فيشخابور-أوفاكوي، إضافة إلى تطوير البنية التحتية لقطاع النقل مقابل الموارد الطبيعية.
غير أن بندين من بين هذه الاتفاقيات يلفتان الانتباه بشكل خاص. أولهما الطاقة… إذ يمثل شراء مؤسسة البترول التركية (TPAO) حصة تبلغ 15 في المئة في شركة «بي بي» البريطانية العاملة في حقول كركوك بداية مرحلة جديدة في قطاع الطاقة.
وفي هذا الشأن، قال الرئيس رجب طيب أردوغان خلال المؤتمر الصحافي المشترك: «يقول السيد رئيس الوزراء: «يمكننا أن نزود تركيا بمليون برميل من النفط يوميا، فلا تكونوا بحاجة إلى أي طرف آخر». فإذا نقلنا مليون برميل من النفط من جارتنا العراق إلى هنا، فسنلبي احتياجاتنا. وهدفنا هو التوصل إلى اتفاق شامل للتعاون في مجال الطاقة».
من جانبه، أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية ألب أرسلان بيرقدار أن هذه الحقول تضم في مرحلتها الأولى احتياطيا يُقدَّر بثلاثة مليارات برميل من النفط. غير أن من الواضح أيضا أن هذه العلاقة ليست أحادية الجانب؛ ففي الوقت الذي تحتاج فيه تركيا إلى الطاقة، يحتاج العراق إلى تركيا في مجالات إدارة المياه، والتعاون الأمني، ومكافحة الإرهاب، وتطوير البنية التحتية للنقل، ولا سيما لضمان نجاح مشروع «طريق التنمية».
وعليه، فإن العلاقة القائمة بين أنقرة وبغداد لا تستند إلى حسابات سياسية مؤقتة، بل إلى تكامل استراتيجي متبادل. وفي الوقت الراهن، تحاول بعض الجهات إضعاف سيادة العراق، ومنعه من الاستفادة من ثروته النفطية، وتعطيل موقعه الجيوستراتيجي المطل على الخليج العربي. وفي مثل هذه المرحلة يحتاج العراق إلى شركاء موثوقين. ولهذا فإن العبارة التي قالها الزيدي ليست مجرد تصريح سياسي عابر، بل تكاد تكون بيانا يؤسس لمرحلة جديدة: «الطبيعة أهدتنا نهرين، ونحن نريد أن نصنع النهر الثالث، وهو طريق التنمية، بما يجعل بلدينا نقطة التقاء بين الشرق والغرب».
ولعل هذه العبارة تُعد من أقوى الاستعارات التي صيغت عن الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. فقد غذّى نهرا دجلة والفرات بلاد ما بين النهرين لآلاف السنين… أما اليوم، فسيكون النهر الثالث ليس ماء، بل تجارة… وسيكون نفطا… وسككا حديدية… وموانئ… وصناعة… ورفاها…
وتكمل كلمات الرئيس أردوغان هذه الرؤية، إذ قال: «إن جارتنا العراق من أكثر الدول التي تضررت من الحروب وحالة عدم الاستقرار. ونحن لم نفصل في الماضي، ولن نفصل في المستقبل، بين أمن العراق واستقراره وبين أوضاع بلادنا. ونحن على تواصل وثيق مع إخواننا العراقيين من أجل تحويل رؤيتنا لمنطقة خالية من الإرهاب إلى واقع».
ورغم ذلك، فقد لفتت الأزمة التي شهدها حفل التوقيع في أنقرة الأنظار. إذ لم يكن رفض وزير النقل العراقي وهب سلمان الحسني، المعروف بقربه من إيران، التوقيع على اتفاق «طريق التنمية» خلال البث المباشر مجرد تصرف يفتقر إلى اللياقة الدبلوماسية، بل كشف أيضا عن حدة الصراع الجيوسياسي الدائر في المنطقة. غير أن تدخل رئيس الوزراء العراقي الشاب علي الزيدي وإجباره وزيره على توقيع الاتفاق أظهر بوضوح المسار الذي اختارته الحكومة العراقية. فالقضية لا تتعلق بمجرد مشروع للنقل، بل بمشروع سيغير المحور الاقتصادي للشرق الأوسط.
وخلاصة القول… لقد كان دجلة والفرات على مدى آلاف السنين شريان الحياة لبلاد ما بين النهرين. واليوم، تسعى تركيا والعراق إلى إضافة نهر ثالث إلى هذه الجغرافيا العريقة: مشروع «طريق التنمية»، أو ما يمكن تسميته «نهر الاقتصاد». فهذا النهر الذي غذّى روما وبيزنطة والدولة العثمانية يعود إلى الحياة بعد قرون… لكنه هذه المرة لن يحمل الماء، بل سيحمل الأمل. ولن ينقل النفط فحسب، بل سينقل الرفاه. ولن يحمل عربات الشحن وحدها، بل سيحمل المستقبل المشترك للشعوب.
لقد أثبت التاريخ أن طرق التجارة، عندما تُفتح، تضيق معها طرق الحروب. وعندما تنشط الموانئ، تصمت الأسلحة. وعندما تمتد خطوط السكك الحديدية، تتراجع جدران العداء. لأن أكثر ما يربط البشر بعضهم ببعض ليس السياسة في كثير من الأحيان، بل المصالح المشتركة والمستقبل المشترك…
ولا شك أن نقل حصة شركة «بي بي» البريطانية في حقول نفط كركوك إلى تركيا يُعد أحد أكثر الأبعاد الاستراتيجية أهمية في الاتفاقيات الموقعة مع العراق. ولا يمكن النظر إلى هذا التطور على أنه مجرد شراكة تجارية أو استثمار في قطاع الطاقة، بل ينبغي اعتباره أحد أبرز المكاسب الجيوسياسية في تاريخ الجمهورية التركية. فهو يعني إعادة ترسيخ النفوذ الذي فُقد قبل قرن على طاولات المفاوضات الدولية، لكن هذه المرة عبر الدبلوماسية أيضا، وبقدرات دولة قوية.
ولا تعمل تركيا اليوم على توسيع مصالحها الاقتصادية فحسب، بل تطرح رؤية متعددة الأبعاد تستهدف مساعدة العراق على النهوض، وربط الخليج بأوروبا، وتحويل الشرق الأوسط إلى حزام جديد من الاستقرار. وإذا نجحت هذه الرؤية، فلن تستفيد منها أنقرة وبغداد وحدهما، بل ستجني ثمارها منطقة واسعة تمتد من دمشق إلى البصرة، ومن الموصل إلى مرسين، ومن قطر إلى المدن الصناعية الأوروبية.
وربما سيكتب المؤرخون بعد سنوات أن هذه المرحلة كانت «الفترة التي انتقل فيها الشرق الأوسط من حروب النفط إلى طرق التجارة». وعندها لن تُذكر عبارة علي الزيدي بأن طريق التنمية سيكون «نهرا اقتصاديا ثالثا» باعتبارها مجرد تشبيه بليغ، بل بوصفها رمزا لتصور حضاري جديد، وانطلاقة جديدة للتنمية الإقليمية. وهذا بالتحديد هو جوهر الخطوة التي اتخذتها تركيا: تشييد نهر ثالث إلى جانب دجلة والفرات، يربط لا الحدود، بل القلوب والاقتصادات. وسيجري هذا النهر نحو مستقبل تركيا والعراق، بل ونحو مستقبل المنطقة بأسرها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

‏وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

تنقلات وتعيينات في مديرية الأمن العام .. أسماء

حقيقة قصة تحول امام مسجد الى أنثى في الأردن

حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

إصابة 12 شخصاً بينهم طفل إثر عقر كلب ضال في إربد

ترفيع 4 عمداء وإحالتهم إلى التقاعد .. أسماء

ماسك يعلن أنه أصبح مليارديرا سابقا

الترخيص: لا وجود لإعادة الفحص عشرات المرات .. والحديث مجرد ترند

انطلاق ملتقى الفنانين الأتراك والعرب الثامن في إسطنبول

الطب الشرعي والتحقيقات ينفيان ادعاء مواطن بتعرضه للضرب أثناء التفتيش