طفلة تحمل ثقل مدينة عطشى… وأم تخرّجت قبل ابنها
29-07-2026 11:20 PM
لم تكن تركض خلف فراشة، ولا تلاحق كرة أفلتت من بين أيدي الأطفال. لم تكن تتذمر لأن دميتها انكسرت، ولا لأن أمها رفضت شراء لعبة جديدة لها. كانت تركض خلف الماء، ذلك الشيء الذي لم يعد في غزة مجرد نعمة، إنما صار معجزة كبيرة، يولد معها الأمل ويموت معها التعب.
انتشر فيديو لطفلة من غزة، وهي تحمل الماء على ظهرها، طفلة تبدو أكبر من سنواتها القليلة، تنحني تحت ثقل جرّة تكاد تكون أكبر من جسدها، تتوقف للحظة، ثم تسقط على الأرض من شدة الإعياء. ثمة صور تهزّ الضمير، وثمة صور تعيد تعريف الكلمات. وهذه واحدة منها.
كيف يمكن لكلمة «طفلة» أن تجتمع مع كلمة «معاناة» إلى هذا الحد؟ كيف يمكن ليدين كان ينبغي أن تتعلما الرسم، أن تتعلما أولاً كيف تحملان الماء؟ وكيف يمكن لظهر صغير أن يتحول إلى كتف يسند بيتاً بأكمله؟
ففي غزة، قد تمضي طفلة ساعات طويلة في البحث عن جرعة ماء تكفي عائلتها ليوم واحد. في مكان آخر من العالم، قد يبكي طفل لأن شبكة الإنترنت انقطعت. وهناك، يبكي الأطفال لأن الماء انقطع، والكهرباء انقطعت، والأمان انقطع، وحتى القدرة على الحلم انقطعت.
الحرب لا تقتل البشر وحدهم. إنها تقتل التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة. تسرق أصوات الضحكات من الأزقة، وتحول الساحات التي كانت تمتلئ بالألعاب إلى أماكن للانتظار والخوف. تجعل الطفل يكبر قبل أوانه، حتى يصبح وجهه الصغير حاملاً لملامح رجل عجوز، أنهكته الأيام قبل أن يتعلم كتابة اسمه.
هذه الطفلة لا تحمل الماء وحدها. إنها تحمل فوق كتفيها ثقل مدينة عطشى، وثقل أم تخشى على أطفالها، وثقل أب أنهكه البحث عن لقمة العيش، وثقل عالم يشاهد المشهد من خلف الشاشات، ثم يواصل يومه كأن شيئاً لم يكن.
ربما ستعود إلى خيمتها وهي تلهث. ربما سينسكب بعض الماء في الطريق. وربما ستعتذر، وهي التي لا ذنب لها، لأنها لم تستطع أن تنقذ كل قطرة. فالإنسان حين يصبح الماء حلمه الأكبر، يبدأ في حساب القطرات، كما يحسب الناس كنوزهم.
كم يبدو العالم غريباً حين يصبح الماء امتحاناً يومياً للبقاء.
كم يبدو قاسياً حين تتحول طفلة إلى عاملة صغيرة في معركة لا علاقة لها بها. لم تختر الحرب، ولم تختر الحصار، ولم تختر أن تولد في زمن أصبحت فيه أبسط حقوق الإنسان أمنية بعيدة. كل ما أرادته، ربما، هو أن تعيش يوماً عادياً، يوماً يشبه أيام الأطفال. أن تستيقظ على صوت أمها لا على دوي الانفجارات. أن تحمل حقيبتها المدرسية لا جرّة الماء. أن تتسخ ثيابها بالطين وهي تلعب، لا بالغبار وهي تبحث عن الحياة. وأن تسقط على الأرض من شدة الضحك، لا من شدة التعب.
إن أكثر ما يؤلم في تلك الصورة ليس سقوط الطفلة، إنما اعتيادنا على رؤية مثل هذه المشاهد. كأن الإنسانية بدأت تفقد قدرتها على الذهول. أصبح خبر طفل عطشان يمر بين الأخبار، وصورة أم تبكي تتحول إلى منشور آخر، ومشهد طفلة تنهار تحت ثقل الماء يصبح جزءاً من روتين يومي اعتادت عليه الشاشات.
لكن لا ينبغي أن نعتاد. لأن اللحظة التي نعتاد فيها على وجع الأطفال، هي اللحظة التي نخسر فيها شيئاً من إنسانيتنا.
قد يختلف الناس في السياسة، وفي التاريخ، وفي تفسير الحروب، لكن لا ينبغي أن يختلف أحد على أن الطفل يستحق أن يكون طفلاً. هذه حقيقة لا تحتاج إلى بيانات ولا إلى مؤتمرات ولا إلى خطابات. تحتاج فقط إلى قلوب لم نفقد قدرته على الشعور.
أتمنى أن يأتي يوم تنظر فيه هذه الطفلة إلى تلك الصورة فلا تصدق أنها كانت هي. أن تضحك وهي تقول: «كنت أحمل الماء كل تلك المسافة!» كما يضحك الناس وهم يتذكرون طفولتهم. أتمنى أن تصبح هذه الذكرى بعيدة، وأن تستبدل جرّة الماء بحقيبة مدرسة، والخيمة بغرفة دافئة، والخوف بحلم بسيط يشبه أحلام جميع أطفال الأرض.
فالطفولة لا ينبغي أن تقاس بعدد اللترات التي يحملها الطفل، ولا بعدد الكيلومترات التي يقطعها بحثاً عن الماء، ولا بعدد المرات التي يسقط فيها من التعب.
الطفولة خلقت لتقاس بعدد الضحكات، وعدد القصص التي تحكى قبل النوم، وعدد الأحلام التي تكبر مع أصحابها.
أما حين تصبح جرّة الماء أثقل من الطفولة نفسها، فإن العالم كله، لا هذه الطفلة وحدها، هو الذي يكون قد سقط.
انتصار امرأة بسيطة
لم يكن يحمل باقة ورد. كان يحمل عمراً كاملاً من التعب، التفّ حوله بشريط أسود، كما تلف الهدايا الثمينة، ومشى به نحو المرأة التي لم تعرف يوماً كيف تهدي أبناءها الورود، لأنها كانت تهديهم ما هو أثمن منها بكثير، عمرها.
وقف أمامها ببدلته السوداء، وقبعة التخرج تتمايل على كتفه، بينما كانت هي تقف في مكان عملها البسيط، تمارس يومها كأي يوم آخر، لا تنتظر احتفالاً، ولا تصفيقاً، ولا كاميرات. كانت تؤدي عملها بصمت، كما أدّت أمومتها طوال سنوات طويلة.
وحين التقت عيناها بعينيه، حدث شيء لا تستطيع الكلمات أن تصفه.
ليس لأنه أصبح مهندساً، بل لأنها رأت، في لحظة واحدة، طفلهما الصغير يعود إليها من بين السنوات.
رأته يخطو أولى خطواته متعثراً، يحمل حقيبته المدرسية التي كانت تبدو أكبر من ظهره، ويعود إلى البيت حاملاً دفاتره وأحلامه معاً. ورأت نفسها تركض بين البيت والعمل، تحسب ثمن الكتب قبل أن تحسب ثمن ثوب جديد لها، وتؤجل رغباتها الصغيرة عاماً بعد عام، حتى لا يؤجل ابنها حلمه. الأمهات لا يحفظن السنوات بالأرقام.
يحفظنها بعدد الليالي التي سهرنها إلى جانب طفل مريض، وعدد المرات التي ادعين فيها أنهن لسن جائعات كي يأكل الأبناء، وعدد الأمنيات التي دفنّها بصمت ليزرعن مكانها مستقبلاً لأطفالهن.
لهذا لا تبكي الأم يوم نجاح ابنها. إنها تبكي لأن الحياة، أخيراً، أعادت إليها جزءاً مما أخذته.
حين ارتمى في حضنها، لم يكن يعانق امرأة واحدة. كان يعانق الطريق كله. يعانق الصباحات التي خرجت فيها إلى عملها قبل شروق الشمس، والأيام التي عادت فيها متعبة، لكنها كانت تخفي إرهاقها بابتسامة حتى لا يرى أولادها سوى الأمان. كان يعانق يديها الخشنتين من العمل، وقلبها الذي ظل ناعماً رغم قسوة الأيام. في تلك اللحظة، اختفى كل شيء، اختفى المارة، اختفى ضجيج الشارع، واختفت الكاميرا نفسها. لم يبق سوى أم وابنها. حضن واحد، لكنه كان يتسع لسنوات كاملة من الانتظار، كم من أم لم تدخل مدرسة قط، لكنها خرّجت طبيباً أو مهندساً أو أستاذاً جامعياً؟
وكم من امرأة لم تعرف معنى الإجازة، لأنها كانت تعتبر كل يوم فرصة جديدة لتدفع أبناءها خطوة أخرى نحو أحلامهم؟
هناك شهادات لا تطبع على ورق، شهادة الصبر التي تحملها كل أم، وشهادة التضحية التي تمنحها الأيام لمن يعرف كيف يحوّل تعبه إلى مستقبل لأبنائه. وشهادة الحب التي لا تصدرها الجامعات.
أعجبني أن هذا الشاب لم يبدأ يوم فرحه بين الأصدقاء، ولم يجعل أول احتفال له في قاعة فاخرة أو مطعم مزدحم. اختار أن يذهب أولاً إلى المكان الذي بدأت فيه الحكاية.
إلى المرأة التي كانت تؤمن بنجاحه قبل أن يؤمن هو بنفسه، إلى صاحبة الفضل. هناك، فقط، اكتملت مراسم التخرج، فالجامعة منحته شهادة الهندسة، أما أمه، فمنحته القدرة على الوصول إليها. أهداها باقة ورد.
لكن الحقيقة أن الورد كان هدية متواضعة أمام امرأة أمضت سنوات وهي تزرع الربيع في حياة ابنها، بينما كانت تؤجل ربيعها الشخصي.
كيف يمكن لبضع زهور أن تكافئ ليالي القلق؟
وكيف يمكن لورقة شهادة أن تردّ سنوات استيقظت فيها قبل الجميع، وعادت إلى النوم بعد الجميع؟ لا أحد يستطيع أن يسدد دين الأم.
ولعل أجمل ما يستطيع الأبناء فعله، أن يعترفوا بهذه الحقيقة. أن يقولوا أمام العالم كله: «لولاها، لما كنت هنا.»
في زمن أصبح النجاح فيه ينسب إلى الذكاء الفردي، ننسى أحياناً أن خلف كل إنجاز كبير، وجهاً متعباً لم يظهر في الصورة، ويدين متشققتين لم تصعدا إلى منصة التكريم، وقلباً ظل يدعو في صمت حتى استجاب الله.
لهذا لم يكن المشهد مؤثراً لأنه يوثق تخرج شاب.
بل لأنه يوثق انتصار أم، انتصار امرأة بسيطة، لم تكن تحمل لقباً أكاديمياً، لكنها خرجت من مدرسة الحياة بأعلى الدرجات.
في ذلك الحضن، لم يكن المهندس هو الوحيد الذي تخرج، كانت الأم أيضاً تتخرج.
تتخرج من سنوات القلق، ومن امتحانات الفقر، ومن اختبارات الصبر التي لا تنتهي.
في ضرورة التعلّم من النموذج العراقي
الذكاء الاصطناعي أم العارف الاصطناعي؟
سوريا إسرائيلياً: سوق الحميدية وجبل الشيخ
العمالة المخالفة .. ما بعد المهلة أهم من التسفير
من دوامك لمشوارك المسائي .. هكذا ستكون أجواء الأحد
ترند الثمانينيات يعيد الأردنيين إلى "الزمن الجميل"
ناشئو الأردن يتعثرون أمام تونس قبل تصفيات آسيا
مباحثات أردنية قطرية بشأن التطورات الإقليمية وخفض التصعيد
من هو الداعية إبراهيم السعودي الذي أحزن رحيله الأردنيين؟
4 اصابات إثر مشاجرة في الكرك .. بينها 2 بعيارات نارية
منخفضات جوية متتابعة تضرب 4 دول عربية .. تفاصيل
التعادل يحسم مواجهة الوحدات والسلط في دوري المحترفين
مهلة أخيرة قبل التسفير .. ماذا ينتظر العمالة المخالفة في الأردن بعد 30 أيلول؟
إربد تحت موجة صاروخية إيرانية غير مسبوقة .. مشاهد توثق ما حدث
إلى الأردنيين .. هذه الهواتف سترتفع أسعارها بزيادة قد تصل إلى 240 ديناراً
ثاني أردنية تترأس جاهة صلح وشيخ عشائري يرد: الجاهة ليست مشوار بل كلمة رجال
تحذير للأردنيين بشأن مندوبي التعداد السكاني .. لا تعطوا بياناتكم قبل هذه الخطوة
حصيلة وفيات جديدة لحادث حافلة المكلفين بخدمة العلم
إيران تستهدف مدناً أردنية بموجة صاروخية غير مسبوقة .. فيديو
جريمة قتل تهز الكرك .. والأمن يكشف التفاصيل
إربد .. سائق بحالة غير طبيعية يتسبب بحادث والمفاجأة بما عُثر بحوزته
فاجعة أطفال الزرقاء تفتح ملف المراوح .. علامات خطرة لا تتجاهلها
من توقيفه بسبب الدرون إلى دعوة رسمية .. قصة جو حطاب في الأردن .. فيديو
بيان للجيش يكشف ما حدث في سماء الأردن .. وكاميرا السوسنة توثق الصواريخ
القوات المسلحة تنعى شهداء الواجب وتوضح تفاصيل الحادث الأليم
إلى الأردنيين .. تحذير مهم من البحث الجنائي
بعد شكاوى مستهلكين أردنيين .. السفارة الصينية تتدخل لحل أزمة طراز من المركبات
من المفرق إلى إربد .. والد أسامة يكشف تفاصيل جديدة حول مقتله
