تأمّلات في "نهايات محتملة للركض"
24-04-2026 02:47 PM
يأتي ديوان “نهايات محتملة للركض” للشاعر الفلسطيني مهند ذويب، الصادر عن منشورات أكورا بطنجة عام 2022، محمَّلاً بأسئلة الوجود والنفي والكتابة والموت، حيث تتداخل الجغرافيات المتعددة في آن واحد: فلسطين كأصل وذاكرة وجرح مفتوح لا يندمل، والمغرب كمكان إقامة ومنفى اختياري يحمل وعوده الخادعة وبروده اليومي، والجسد كمسرح للموت اليومي والمقاومة الصامتة والانهاك المتراكم. إنه نص يركض في اتجاهين متعاكسين باستمرار: نحو الخلف لاستعادة ما تبعثر من ذاكرة وهوية وأشخاص، ونحو الأمام دون يقين بالوصول أو حتى بالاتجاه الصحيح. العنوان نفسه يحمل هذه المفارقة: “نهايات محتملة”، أي أن النهاية غير محسومة ولا واضحة المعالم هي مجرد احتمال من بين احتمالات كثيرة، والركض نفسه قد لا يؤدي إلى أي نهاية على الإطلاق. ربما يقود إلى مزيد من الركض، إلى مزيد من التعب، إلى مزيد من الأسئلة دون أجوبة.
هذه الافتتاحية الفلسفية التي يضعها الشاعر في مدخله الطويل، حيث يستعير من “ت.س. إليوت” مفهوم “البور” (The Waste Land) ليصف به أرضه الداخلية الخراب، تشير إلى أن الديوان بأكمله سيكون بحثا عن معنى في أرض لا معنى فيها، أو ربما عن لا معنى في أرض تزعم أنها ذات معنى. ويمكن تشبيه هذه الافتتاحية السابقة الذكر بمنظار مقلوب، أو بعدسة محدبة، أو مرآة مشوهة تعكس كل ما سيأتي بشكل مختلف. لو قرأنا الديوان أولاً ثم عدنا إلى المدخل، أو لو قرأنا المدخل وكأنه قصيدة مستقلة بذاتها، لربما اكتشفنا أن الديوان بأكمله موجود بالفعل في هذه الصفحات القليلة، وأن القصائد التالية ليست سوى تكرار وتفصيل وتنويع لموضوعات وردت هنا بشكل مكثف. يبدأ المدخل بعبارة غريبة ومقلقة: “كلما تقدَّمت خطوةً اتَّضحت رؤية الخلف/ الماضي”. هذه العبارة تقلب العلاقة الطبيعية بين التقدم والرؤية. في العادة، عندما نتقدم، تتضح رؤية الأمام، ما سيأتي، المستقبل. لكن هنا، التقدم يكشف الخلف، الماضي. هذا يعني أن الشاعر لا يسير إلى الأمام وإنما إلى الخلف، أو أنه يسير في مكانه، أو أنه يمشي على بساط متحرك يبقيه في مكانه بينما يتحرك العالم من حوله. كما قال في مكان آخر: “وكلما خطوت خطوة بثقل جبل، رَخُفتْ الأرضُ وتزلقت إلى الوراء خطوتين”. النتيجة الصافية للحركة إذاً هي صفر. الجهد المبذول لا يؤدي إلى أي تقدم حقيقي. هذه الرؤية المقلوبة للزمن والحركة تذكرنا بفكرة “العود الأبدي” عند نيتشه، أو بالزمن الدائري في الأساطير القديمة، لكنها تختلف عنها في شيء جوهري: هنا ليس هناك عودة حقيقية، ولا تكرار بهيج، ولا قبول بالمصير. هناك فقط تعب، وتراجع، وندم، وإحساس بالخسارة. “كلما اتضحت الرؤية تعمَّق الندم، وأصبح الواحد منا يفتتح يومه بسوء الظن”. سوء الظن الذي تجاوز كونه حالة نفسية عابرة، إلى منهج في الحياة، طريقة لرؤية العالم، استعداد مسبق للأسوأ.
ينتقل الشاعر بعدها كما سلفنا الذكر، إلى وصف “البور”، الأرض الخراب، مستعيرا المفهوم من إليوت لكنه يعيد صياغته بشكل شخصي وعضوي. “لقد تركت الحياة أثراً كأثر المحراث في صدري”. المحراث الذي يعتبر أداة زرع، تحول إلى أداة شق وجرح وتقطيع. الحياة حرثت صدره، فتحته، جعلته أخدودا طويلاً ممتلئا بالتراب غير الصالح للخلق، والصدف، والحجر، والجذور المتعفنة، والدود الأرض، والأسماء الميتة. هذا التشبيه الزراعي يتحول فجأة إلى تشبيه جسدي عنيف: صدر حقيقي موجود-لا بتعبير مجازي-وإنما مادي، محروث، مفتوح، تنمو فيه الأشياء الميتة. ثم يخبرنا أنه “لم ينزل مطر ظلت تعد به السواقي”. أي أن هناك وعدا لم يتحقق، انتظارا لم يثمر، أملا خاب. “ولم يُنبت ذلك التلم قمحاً ولا بازلاء ولا شقائق نعمان، ولم يندمل بفعل الإهمال وأقدام العابرين وعوامل الطقس وزحف الرمل”. الجرح الزراعي الذي في صدره لم ينتج شيئا، ولم يندمل أيضا. إنه في حالة جمود، حالة تعليق، حالة لا موت ولا حياة. “إنه ثابت غائر وقديم”. هذا الثبات، هذه الغور، هذه القِدم، هي بالضبط ما يسميه “البور”. أرض لا تنتج ولا تندمل، مجرد ندبة مفتوحة على لا شيء. ثم يعترف بشيء غريب: “أسمي هذا البورَ الأرض الخراب، وأصفه وأدخله ولا أخرج منه، ألعنه وأشفق عليه، أغير أسماء الأشياء لعلّي أضحك عليه(…) وأجرب ردمه بالقصائد والتحف وحبات المسكن. وكلما جربت تشقق أكثر، وتناثر غبار الجثث على وجهي وذراعي ومكامن الصبر فيّ”. هذه الجملة ربما تكون أهم جملة في المدخل، بل في الديوان كله. الشاعر يعترف بأنه يدخل البور ولا يخرج منه. إنه ساكن فيها، جزء منها، ضحية لها. إنه يلعنها ويشفق عليها، يغير أسماء الأشياء، يقدم لها القصائد والتحف ومسكنات الألم، لكن كل هذه المحاولات لا تؤدي إلا إلى تفاقم الوضع، إلى تشقق أكثر، إلى تناثر غبار الجثث على وجهه. غبار الجثث! هذه العبارة الصادمة تذكرنا بأن البور أرض مدججة بالجثث، أرض المقابر الجماعية، أرض الموتى الذين لم يُدفنوا جيداً، أو الذين دُفنوا ثم نبشتهم الكلاب أو القنابل أو الزمن.
إذا أردنا أن نفهم كيف يعمل هذا النص، ربما علينا أن نطبّق عليه ما يسميه المهندسون “الهندسة العكسية”: تفكيك المنتج النهائي إلى أجزائه لفهم كيفية صنعه. فلنفكّك قصيدة من قصائد الديوان، قصيدة رقم (3) مثلاً، وهي من أقصر القصائد وأكثرها إيحاءً: “لم يعد هذا العالمُ يُلبي رغبةَ البشريّ في البساطة. في السوق أبحثُ عن T-shirt سوداء تمامًا، أبحثُ عن حبٍ هادئ مثل الرباط صبيحة الأحد، أبحثُ عن وجوهٍ غير مزخرفة بالتسابيح، وعن نوايا بال لونٍ ولا رائحة، وعن عملٍ لا أتكلّم فيه إطلاقًا، عن كاميرا لا تصدر صوتًا مُزعجًا للعصافير، عن نصٍ شعريّ لا يطلب منّي عنوانًا، عن مقهى لا يُبث مباريات كرة القدم وقت الغداء، عن سائق تكسي لا يعرف كل شيء في هذا العالم، عن لكنة متزنة تنتمي إلى مكانٍ ما، أي مكان، عن شجاعة قول لا، دفعة واحدة، عن التئام حقيقي للصدع المتفق بيننا أبحثُ في الدكاكين، وفي سوق الأدوات المستعملة وحتى الآن لم أجد شيئاً”. هذه القصيدة، في ظاهرها، عبارة عن قائمة مشتريات، أو قائمة أمنيات، أو قائمة أشياء يبحث عنها الشاعر في السوق ولا يجدها. لكن لو قرأناها بعناية، سنكتشف أنها أكثر تعقيداً مما تبدو. كل شيء يبحث عنه هو شيء بسيط، بديهي، عادي، لكنه غائب أو مستحيل أو مفقود. القميص الأسود تماماً، ليس أسود تقريبا أو أسود مع تفاصيل، هو أسود تماما. الحب الهادئ مثل الرباط صبيحة الأحد. الوجوه غير المزخرفة بالتسابيح، أي الوجوه العادية التي لا تحمل علامات تدين ظاهر أو رياء. النوايا بلا لون ولا رائحة، أي النوايا المحايدة غير الملوثة بالأغراض الخفية. العمل الذي لا يتكلم فيه إطلاقا، أي الفصل التام بين الحياة العملية والحياة الخاصة. الكاميرا الصامتة التي لا تخيف العصافير. النص الشعري الذي لا يطلب عنوانا، أي النص الحر، النص الذي لا ينتمي إلى مدرسة أو تيار أو تقليد. المقهى الذي لا يعرض مباريات كرة القدم وقت الغداء، أي المقهى الهادئ، المقهى القديم، مقهى الأدباء قبل أن يتحول إلى مقاهي الرجال والمراهنات الرياضية. سائق التاكسي الذي لا يعرف كل شيء، أي سائق التاكسي العادي، غير السياسي، غير المتدخل، غير المزعج. اللكنة المتزنة التي تنتمي إلى مكان ما، أي الإقامة المستقرة، البيت الحقيقي، المسكن الدائم. شجاعة قول لا، دفعة واحدة، أي القدرة على الرفض دون تبريرات أو اعتذارات أو تسويات. هذه القائمة الطويلة من البساطات المفقودة، من الأشياء البسيطة التي أصبحت مستحيلة، هي في الحقيقة قائمة انهيارات. كل شيء يبحث عنه الشاعر كان موجودا يوما، أو كان من المفترض أن يكون موجودا، لكنه اختفى، تلاشى، استبدل بنقيضه. العالم لم يعد يلبي رغبة البشر في البساطة، لأنه أصبح عالما معقدا، مزدحماً، صاخبا، مزيفا، مستهلكا. حتى القميص الأسود أصبح مستحيلا، لأنه دائما ما يكون هناك شعار أو علامة أو تفصيل يفسد سواده. والحب الهادئ أصبح مستحيلاً، لأن الحب في زمن وسائل التواصل الاجتماعي هو أداء وتفاخر وصراع. والوجوه غير المزخرفة بالتسابيح أصبحت مستحيلة، لأن الناس صاروا يعرضون تدينهم كما يعرضون ماركات ملابسهم. لكن اللافت في القصيدة هو جملة “وحتى الآن لم أجد شيئاً” في نهايتها. هذه الجملة تحول القائمة من قائمة أشياء مفقودة إلى قائمة أشياء غير موجودة أصلا. الشاعر لم يجد شيئا لأنه لا يوجد شيء ليجده. ليس لأن البحث كان ناقصا، بل على العكس ،، لأن المطلوب غير موجود في هذا العالم. إنه يبحث عن البساطة في عالم معقد، عن الهدوء في عالم صاخب، عن الصدق في عالم مزيف، عن العادي في عالم استثنائي. إنه يبحث عن أشياء لم تعد ممكنة، وربما لم تكن ممكنة أبداً، وربما كانت مجرد أوهام أو ذكريات أو أحلام. هذه القصيدة، بهندستها العكسية، تكشف عن طريقة عمل الديوان كله: سرد قائمة من الأشياء المفقودة أو المستحيلة، ثم الاعتراف بأن البحث عنها لم يجدي نفعا، ثم الاستمرار في البحث رغم ذلك. هذا هو الركض الذي يتحدث عنه العنوان: البحث عن أشياء لا توجد، والجري وراء أهداف لا تتحقق، واللهاث خلف نهايات غير محتملة.
يتكرر إعلان الهوية الفلسطينية في الديوان كصرخة وجودية وكعلامة فارقة في نسيج النص: “ما زلت فلسطينياً”. لكن هذا الإعلان لا يأتي بوصفه فخراً أو تأكيداً للانتماء أو مجرد شعار وطني، بل يأتي بوصفه وصمة وذاكرة وعبئاً وإدانة في آن واحد. يكتب ذويب في القصيدة الثامنة: “ما زلت فلسطينياً. أعرف أنّ الجندَ وراءَ الباب / وأعرف أنّ طريقَ الحارةِ محفوظٌ بالخوذات / وبالأبراج.. وبالمتبقي من فَشَكِّ الثوار / وأنَّ قرارَ الحربِ خصوصيٌّ جداً.. أصبح لا يظهر في صحف الصبح ولا تنشره الأخبار”. هذه المعرفة، معرفة نظرية أو سياسية صحيح، لكنها تتعدها إلى كونها معرفة جسدية وحسية، معرفة تترسب في العضلات والعظام والذاكرة الحية. إنه يعرف أن الجنود وراء الباب، لأنه عاشه وتجرعه وشم رائحة الخوذات والبارود والأبراج المرتفعة التي تراقب كل حركة وتنفس. ما يميز معالجة ذويب للقضية الفلسطينية هو تجنبه المباشر للخطاب السياسي التقليدي وللشعارات الجاهزة التي استهلكتها العقود الطويلة من الاحتلال والمقاومة والخذلان. فلسطين عنده تظهر من خلال تفاصيل صغيرة وإشارات جانبية وكنايات خفيفة، لكنها تتراكم لتشكل صورة قاتمة وشاملة: “طريق القدس تُمَرُّ من القدس”، هذه العبارة البسيطة تحمل في طياتها كل عبثية السياسة وكل غباء الحلول الوسط. فالقدس ليست محطة عبور إلى القدس، القدس هي القدس، والذهاب إليها لا يمر من أي مكان آخر. كما يذكر “تأخير صلاة العصر” كعلامة على التخلي والتراخي والانهيار الأخلاقي، و”استسقاء المجتمع الدولي” كطقس ديني فارغ، يمارسه الفلسطينيون مثلما يمارس المشركون طقوس الاستسقاء في الجاهلية، لكن دون أن ينزل المطر أبداً. في القصيدة التاسعة يصل إلى ذروة هذا التعبير عن الهوية الفلسطينية المعذبة: “صوتي؟ / صوتي الذي كان عالياً.. كشجرة سرو / دافئاً.. كقداس منتصف الليل / وقوياً.. بما يكفي لنتكئ إليه”. في القصيدة الثامنة يضيف في نهايتها: “ما زلت فلسطينياً. هذا ما كتب شهيد كان في حيفا أول أمس”. هذا الربط بين الهوية والموت، بين البقاء فلسطينيا والكتابة من موقع الشهيد، يكشف عن وعي مأسوي بأن البقاء فلسطينيا يعني العيش في منطقة رمادية بين الحياة والموت، حيث يمكن أن تصبح شهيدا في أي لحظة، وحيث الكتابة نفسها قد تكون آخر ما يكتبه الإنسان قبل أن يتحول إلى رقم في إحصاءات الشهداء. لكن الجديد واللافت في قصيدة “ما زلت فلسطينياً” هو إدراك الشاعر أن المرحلة اختلفت، وأن التاريخ نفسه قد تغير: “وأنَّ التاريخَ على العتبات تمزقه أجيال لم تعرف كيف يكون مزيج الغاز مع الدم”. هذه إشارة إلى فجوة عميقة بين الأجيال، إلى أن الفلسطينيين الجدد لم يعيشوا تجربة النكبة أو النكسة أو الانتفاضات الأولى، وهم الآن يواجهون شكلامختلفا من الاحتلال: احتلال التكنولوجيا والحواجز الذكية والغازات المسيلة للدموع والقتل عبر الشاشات. وهذه الفجوة تجعل الهوية الفلسطينية نفسها موضع تساؤل: ماذا يعني أن تكون فلسطينيا اليوم، في زمن أصبحت فيه القضية برغماتية، وأصبحت الأحجار تُباع، والأجساد، والأصوات، والشهداء يُباعون على مَسطبة الليل؟
ومن أحد الأمور المربكة في قراءة هذا الديوان هو تعدد المتكلمين، أو تعدد الأصوات، أو تعدد الذوات التي تتكلم وتُتكلم عنها. أحياناً يكون المتكلم “أنا” واضحاً، أحياناً “نحن”، أحيانا “هو” الغائب، وأحيانا “أنت” المخاطب. هذه تتغير وتتحول وتتداخل داخل القصيدة الواحدة، وأحيانا داخل البيت الواحد.
هذا التعدد والتداخل والتحول هو ميزة الديوان الأساسية. الشاعر لا يكتب من موقع ثابت، ولا يمتلك ذاتاً مستقرة، ولا يعرف من هو بالضبط. هو في حالة سيولة دائمة، تحول مستمر، انسلاخ متكرر. أحياناً هو الشاعر الفلسطيني المنفي، وأحيانا هو مجرد جسد متعب، وأحيانا هو خطأ أو مجموعة أخطاء، وأحيانا هو طفل أو شيخ أو امرأة أو حيوان أو نبات أو جماد. هذه السيولة في الهوية تعكس بدقة حالة المنفي، حالة اللاجئ، حالة الإنسان المعاصر الذي فقد مراسيه وثوابته ويقينياته. في القصيدة (8) يعلن: “ما زلت فلسطينياً”. هذا الإعلان، في ظاهره، هو تأكيد للهوية الثابتة، تمسك بالأصل، مقاومة للذوبان والنسيان. لكن في سياق الديوان، هذا الإعلان يصبح مشكوكا فيه. إذا كان كل شيء يتحول ويتغير ويتشكل، فكيف يمكن للهوية الفلسطينية أن تبقى ثابتة؟ وإذا كان التفكير بالشيء يعني حدوثه، فهل الإعلان المتكرر “ما زلت فلسطينياً” هو تأكيد لاستمرار الهوية أم هو استدعاء لها من العدم؟ ربما الشاعر يخاف من أن يتوقف عن كونه فلسطينيا، لذلك يكرر العبارة كتعويذة، كدعاء، كتميمة تمنع التحول. في القصيدة (38) يصل هذا التعدد والتحول إلى ذروته: “أنا أتغير من الداخل؛ / ربما أكتب لكم شعراً بالفارسية ذات يوم. / شيء ما يحدث.. لا يشبه تجدد النهر وتفجر البنايع فقط؛ / بل يشبه انتفاضة قلب البركان إلى مسارات جديدة / لم يمشٍ عليها أحد بعد”. هنا يتجلى تغير من الداخل، تغير في الجوهر، تغير في الهوية ذاتها. كتابة الشعر بالفارسية تغيير هوية، خيانة للأصل، ذوبان في الآخر، موت للذات القديمة وولادة لذات جديدة. لكن هذا التغيير في الأصل هو “انتفاضة قلب البركان”، أي ثورة عنيفة، تمزق، انفجار، خروج عن السيطرة.
بالَإضافة إلى هذا التعدد الأصواتي إن صح التعبير الذي ميز الديوان / أذكر كذلك ميزة أخرى ميزت الديوان بل الأكثر تميزا ألا وهي، ما يمكن تسميته “الاستعارة الحرفية”. أي أنه يستخدم استعارات تبدو في البداية مجازية أو شعرية، لكنها تتحول فجأة إلى حقائق ملموسة، إلى وقائع جسدية، إلى أحداث حقيقية. هذا الأسلوب يخلق نوعا من التوتر والغرابة، ويجعل القارئ يتساءل باستمرار: هل هذا حقيقة أم مجاز؟ هل هذا وصف لواقع أم بناء خيالي؟ في القصيدة (6)ص 21 يكتب: “لم أفكر في إعطاء يدي استراحة من انتشال الجُثث”. هذه الجملة، في قراءة أولى، تبدو استعارية. اليدان تنتشلان الجثث، أي أنهما تتعاملان مع الموت بشكل يومي، هذا التعامل يبدو أنه ليس حقيقيا بقدر ما هو مجاز، لكن عندما نقرأ بقية القصيدة، نجد أن اليدين تعاقبان، وتنفضان كعقب سيجارة، وتطعم مراحل الموت لقمة لقمة. فجأة، تصبح اليدان شخصيتين مستقلتين، لهما حياة وإرادة وتاريخ. أي أن الصور صارت حقيقة. وهكذا، تنزلق القراءة بين المجاز والحقيقة دون أن تدري. في القصيدة (13) يكتب: “لم يعد مدهشاً هذا الموت / نادل مقهى الله الكبير: العالم”. هنا، الموت شخص يُشبَّه بنادل، والعالم مقهى، والله صاحب المقهى. هذه استعارة مطولة وطريفة. لكن عندما نتابع القراءة، نجد أن الموت يأتي ويذهب “كانقطاع متكرر للكهرباء عن ملهى ليلي”. وهنا تختلط الاستعارتان: الموت نادل، والموت أيضاً انقطاع كهرباء. لا مشكلة في تعدد الاستعارات، لكن المشكلة أن الاستعارات تبدأ في أخذ حيز من الحقيقة، تصبح جزءا من وصف العالم، تصبح هي الطريقة الوحيدة لفهم العالم. في القصيدة (26) يصل هذا الأسلوب إلى ذروته: “كأن العصافير كانت تغني لانتهاء نهارنا المقلوب / أو تضحك من رؤية ‘شيئين’ .. يكبران ويصغران، / يلعبان ويبكيان.. يفسران جداً.. يفهمان ولا يفهمان”. من هم الشيئان اللذان يكبران ويصغران ويلعبان ويبكيان؟ هل هما شخصان؟ هل هما رجل وامرأة؟ هل هما الشاعر وحبيبته؟ هل هما الوجود والعدم؟ لا نعرف. العصافير تغني ولا نفهم ما تقول. نحن فقط نستمع، نحاول أن نفهم، نفشل، نستمر في المحاولة.
ومع توالي القراءات نكش جانب اخر للديوان وهو جانب السخرية، الفكاهة السوداء، أو التهكم المرير. نكتشف مهند ذويب شاعراً ساخراً، سخرية وجودية، كآلية دفاع ضد اليأس، وطريقة للبقاء على قيد الحياة في عالم لا يستحق البقاء. عندما يكتب: “أبحث عن منحة تفرغ إنساني للبكاء، / أو تمويل غير مشروط لتصدير زجاجات الأصوات / التي أختنق بها”، فهو يمزح، لكن مزحه مؤلم. منحة للبكاء، تمويل لتصدير الأصوات التي يختنق بها. هذه عبثية مكثفة، عبثية كافكاوية، عبثية تجعلنا نضحك ونبكي في نفس الوقت. في القصيدة (34) تصل السخرية إلى ذروتها: “ما أفعله لإنقاذ حياتي، يشبه ما تفعله ثلاثة قناديل شمعية بليل البؤساء عند فيكتور هوجو / لا ضوء يشد عنق الليل، ولا هي، أعني القناديل / توقف اصطكاك الأسنان”. القناديل الثلاثة في رواية “البؤساء” هي رمز للأمل والإنقاذ والخلاص. لكن هنا، القناديل لا تضيء، لا تمنع اصطكاك الأسنان، لا تمنع البرد، لا تمنع الموت. هي مجرد ديكور، مجرد تذكار، مجرد وهم. هذا الاقتباس الساخر من الأدب العالمي يكشف عن موقف ذويب من الثقافة بشكل عام: الثقافة لا تنقذ، الأدب لا يخلّص، القناديل لا تضيء، لكننا نتمسك بها لأننا لا نملك سواها.
ربما يكون من المناسب أن ننهي هذا المقال حيث بدأ: عند نهاية الديوان، أو بالأحرى عند لا نهايته. لأن الديوان، مثل عنوانه، يقدم “نهايات محتملة” فقط، أي نهايات مفتوحة، غير محسومة، قابلة للتأجيل والتعديل والنسيان. في المقطع النثري الأخير، بعد كل قصائده التي تجاوزت الأربعين، يعود ذويب إلى سؤال البداية: لماذا نركض؟ وإلى أين؟ ومتى نتوقف؟ ولا يقدم إجابة، هو يقدم اعترافا: “بتَّ تنتظر نهاية سخيفة لشيء ما يحدث، وسأكون أقل صدقا وأنا أقول إني أجهله تماماً”. هذا الاعتراف هو، في رأيي، أكثر اللحظات صدقا في الديوان كله. الشاعر لا يعرف ما الذي يحدث. لا يعرف إلى أين يركض. لا يعرف ما الذي ينتظره. لكنه مع ذلك ينتظر. ومع ذلك يركض. ومع ذلك يكتب. وهذا، ربما، هو الدرس الوحيد الذي يقدمه هذا الديوان القاسي: أن الاستمرار لا يحتاج إلى سبب. أن الكتابة لا تحتاج إلى هدف. أن الركض لا يحتاج إلى نهاية. نحن نركض لأننا نركض. نكتب لأننا نكتب. نعيش لأننا نعيش. أي تفسير آخر هو مجرد تبرير، وأي معنى آخر هو مجرد وهم، وأي نهاية أخرى هي مجرد احتمال من بين احتمالات لا تعد ولا تحصى. في النهاية، لا يمكنني أن أقول إنني فهمت هذا الديوان. ولا يمكنني أن أقول إنني أوصلت فهمي للآخرين. كل ما يمكنني قوله هو أنني دخلت البور، كما دعاني الشاعر، وجلست فيه، وتناثر غبار جثثه على وجهي وذراعي. وخرجت منه، أو لم أخرج، لا يهم. المهم أنني كنت هناك. وأنني حاولت. وأنني كتبت ما كتبت.
سويسرا تفتح تدريجيا سفارتها في إيران
زلزال بقوة 5.8 درجة قبالة جزيرة كريت اليونانية
جيش الاحتلال يصدر إنذار إخلاء في جنوب لبنان
عراقجي يتوجه إلى باكستان اليوم لإجراء محادثات
أخفاه بسبب إيران .. نتنياهو يكشف تفاصيل إصابته بالسرطان
تأمّلات في "نهايات محتملة للركض"
تفاعل مع أنباء عودة شيرين إلى الساحة الفنية
الكويت تتعرض لهجوم بمسيرات .. ما مصدرها
المفاوضات اللبنانية الإسرائلية تحت النار
70 ألف مصل يؤدون صلاة الجمعة بالأقصى
تأجيل انتخابات رابطة الكتاب الأردنيين .. توضيح
مشاري العفاسي يصدر أغنية بعنوان تبت يدين ايران واللي معاها .. فيديو
الفنانة عبير عيسى تتعرض لوعكة صحية
فاجعة على الطريق الصحراوي .. وفاتان و7 إصابات بحادث مروّع
حسم الجدل حول مخالفات الأكل والشرب أثناء القيادة
وفاة و5 إصابات في حادث تصادم بين مركبتين
توضيح أمني حول قضايا خطف الأطفال في الأردن
والد المغدور سيف الخوالدة ينعاه بكلمات مؤثرة
مهم لسكان هذه المناطق بشأن فصل الكهرباء غداً
أمانة عمان: بدء تشغيل نظام رصد المخالفات المرورية الجديد الأحد
وفاة مدعي عام محكمة بلدية الجفر بحادث سير مؤسف
وزارة الزراعة: انخفاض أسعار اللحوم خلال أسبوعين
إلقاء القبض على قاتل أحد الأشخاص في محافظة الطفيلة
أمانة عمان: خصم الـ 30% على مخالفات السير ينتهي مساء السبت
الشواربة : لما لا مخالفات السير إذا كنا نستطيع ضبط سلوكنا كمواطنين

