فتح مع اقتراب مؤتمرها العام الثامن

فتح مع اقتراب مؤتمرها العام الثامن

28-04-2026 11:11 PM

منذ انطلاقة حركة فتح، ومؤتمرها العام يحظى باهتمام كبير على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، بصفته محطة مفصلية في عملها، واستمرار مسيرتها الوطنية والحركية، ولكونه بالنسبة لكوادر الحركة، التي أطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة، استحقاقا داخليا مفصليا، ومحطة تقيمية تجديدية شاملة، تدرس صوابية البوصلة النضالية، وتستثمر في مراجعة شاملة للنجاحات والإخفاقات، من دون مواربة أو تجميل. فالتئام الشمل الفتحاوي تحت راية المؤتمر العام، يفسح المجال أمام لحظة مع النفس تستشعر من خلالها فتح أهمية استعادة زخمها التاريخي ودورها الجماهيري المطلوب.
وعليه، فإن انعقاد المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، يشكل المساحة المثلى للمصارحة مع الذات في توقيت بالغ الحساسية، وفي واقع سياسي مضطرب يحتاج في ما يحتاجه إلى التكاشف والتقييم من دون تأجيل أو تردد.
لقد تأخر هذا الاستحقاق من دون شك، بفعل تحديات عدة وتعقيدات يتشابك فيها العاملان الداخلي والخارجي، إلا أن الأهم اليوم هو انعقاد المؤتمر بعقلية المسؤولية، وبرغبة المكاشفة، وبتوجه المراجعة لا التجميل ولا المجاملة، وبنهج التقييم المستند إلى الاستفادة من الدروس والعبر والتخلي عن مواطن المكابرة والتبرير. فحركة فتح لا تستطيع أن تقع أسيرة أية مراوحة أو انتظار، باتجاه مواجهة الحقائق والتحديات، والانتقال نحو الفعل والحضور بمسؤولية قائمة على تضميد جراح فلسطين والفلسطينيين وتحقيق المصالحة المسؤولة، وبلورة خطة نضالية تكاملية، يجتمع حولها الكل الفلسطيني بثقة عالية، وبنية رأب الصدع، وترميم البيت الفلسطيني، تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية.
لقد ساد التيه لدى البعض الفلسطيني خلال السنوات الماضية، بصورة أثرت على جذوة النضال الوطني، كنتيجة للفرقة الفلسطينية وكثافة التحديات، وما ارتبط بها من تدخلات خارجية، ومحاولة مصادرة ما دأب الراحل ياسر عرفات على تسميته بالقرار الوطني المستقل. ولعل محاولة البعض تعزيز نهج المصادرة هذا، ساهم قسراً في اتساع المسافة بين أبناء البيت الواحد، في خضم ضخامة التحديات الميدانية، التي أثرت على فتح وغيرها بفواصل واضحة بين التاريخ المجيد للشعب الفلسطيني، والواقع الصعب حالياً. هذا التيه لم يكن قدراً، بل نتيجة طبيعية لتراكمات تحتاج إلى وقفة صادقة وشجاعة ومسؤولة. هنا تبرز أهمية أن تغطي فتح في مؤتمرها العام الثامن والمزمع عقده في الرابع عشر من أيار/مايو القادم، جانبها من المراجعات والتقيمات كفرصة حقيقية لتعزيز العمل المشترك، والجهد الوطني الجماعي، وإحياء الروح النضالية التي صنعت فتح البداية والرسالة.
إن المؤتمر وفي عده التنازلي، لا بد أن يتطور بعيدا عن الخطى البروتوكولية، باتجاه الفعل والحداثة، وتجديد الدماء، وتعزيز الثقة بين الحركة وأبنائها، وبينها وبين الشارع الفلسطيني، الذي يريد لفتح وغيرها أن تشكل مجتمعة العمود الفقري للمشروع الوطني.
المؤتمر منصة لانتخاب قيادة جديدة للحركة نعم، لكنه أيضاً محطة لتطوير رؤية سياسية وتنظيمية طموحة تتعامل مع الواقع بصراحة، وتعزز البيت الداخلي، وتجترح حلولاً وأدوات تواجه الاحتلال، والاستيطان، والانقسام، وتهويد القدس ومصادرة الأراضي، واعتقال المناضلين وخنق أوكسجين الحياة الوطنية الفلسطينية المطلوبة والتراجع العربي، والتغيرات الإقليمية والميدانية المتسارعة.

ما من شك أن فتح بحاجة إلى تطوير منظومات عملها، من خلال مؤسسات اكثر فاعلية، وكادر واثق تتجذر فيه ثقافة الانتماء ونبذ الوهن، وتطوير العمل الميداني، والمبادرة التي يتعزز معها التفاعل الداخلي والقدرة على لملمة البيت الفلسطيني.
وأخيراً، فإن المنتظر من المؤتمر الثامن، يتمحور حول الحاجة إلى أن يكون بمثابة انطلاقة متجددة، لا مجرد محطة عابرة، وأن يكون الفرصة الأثمن للتصارح والترميم بين جميع الفلسطينيين بصورة يجمع فيها الجميع على تعزيز بوصلة النضال الوطني المشترك. إن تعزيز الأمل، والقدرة على الفعل والتأثير ستجعل من مؤتمر فتح فرصة ذهبية لإعادة توصيف المشهد الداخلي على قاعدة الإنجاز الوطني القادر على حماية شعبنا والحؤول دون فصل قطاع غزة عن فلسطين، ووضع حد لتهويد القدس ونهب الأرض العربية بفعل نهم الاستيطان وسياسات حكومة التطرف في تل أبيب. فهل يحقق المؤتمر المتوقع منه؟ ننتظر ونرى.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد