شاشة رمضان: سباق الأرقام والجودة في «خبر كان»

شاشة رمضان: سباق الأرقام والجودة في «خبر كان»

10-03-2026 01:07 AM

مع الدّخول في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، تشرع الفضائيات في الجزائر في لعبتها الأثيرة، في التّباهي بأرقام المشاهدة، وكلّ قناة تحاول أن تتموضع في المقدمة، وأن برامجها حازت أعلى نسب من الأرقام، في مشهد يجعل من الرّؤية ضبابية، لأن هذه القنوات لا تتحدّث – في الغالب – عن نسب مشاهدتها من الشاشة، بل تتحدّث عن أرقام مشاهدة برامجها من «اليوتيوب» مثلًا، في تداول أرقام يصلح الرّفع منها، بالتّالي فإن المعيار ليس الشاشة في حدّ ذاتها، بل ما تدلي له أرقام الـ»سوشيال ميديا». وهذه حالة يصعب فيها الفرز وأن نعرف من هي القناة الأكثر مشاهدة ومن هي القناة التي تحظى برصيد هذا العام، لأن المشاهدات على اليوتيوب لا تعني عدد المشاهدين بالدّقة، بل إن كلّ مشاهد بوسعه أن يتابع البرنامج نفسه أكثر من مرّة، كما إن قنوات أخرى تلمح أن منافسيها يستغلون لوغاريتمات أو أنها تحشد أرقاما لا تطابق الواقع، وفي هذا السباق الذي تتنازع فيه كلّ شاشة حقّها في المرتبة الأولى، يجد المشاهد نفسه في الوسط، لا يعلم من يصدّق أو من يكذب، لأنّها قنوات لا تزهر، عدا عن شهر رمضان، ثم تدخل سباتًا يدوم عامًا، لا نسمع لها حسا، إلى أن يحل رمضان آخر.
إنه موسم الرّفع من باقات البرامج، من مسلسلات تتراوح بين الكوميديا أو الدراما، ففي رمضان يحصل الاستثناء، ثم تنحرف هذه القنوات إلى سلوك معتاد في بثّ برامج يغلب عليها الملل، في إعداد بلاتوهات تحليل في السياسة أو في الرّياضة، ولا واحدة منها تبادر إلى دعم فيلم أو مسلسل خارج موسم رمضان. لكن السؤال الأهم، الذي يختفي، في ظلّ الحمى جراء الرّكض خلف الأرقام، هل قدّمت هذه القنوات برامج ومسلسلات من شأنها إقناع المتفرّج؟ هل احترمت جمهورها؟ هل أفادت صناعة الدّراما بشيء جديد؟

كاميرا وديكور والباقي تحصيل حاصل

لا بدّ أن نقرّ بالطفرة التي عرفتها تقنيات الإخراج في المسلسلات الجزائرية، فبعدما كانت تتكلّ في سنين ماضية على خبرات من تونس أو مصر، صرنا نشاهد مسلسلات جزائرية بالكامل، من تقنيين إلى ممثلين، باتت التقنية في خدمة هذا الجيل الجديد من المبدعين، الذين ينتجون مادة مئة في المئة محلية، من غير اللجوء إلى أجانب في التصوير أو الإخراج، لكن إسرافهم في التّفكير في التّقنية، لإنجاح المسلسل من حيث الصورة أو التركيب أو الديكور يجعلهم ينسون تفصيلًا مهمًا، نقصد هنا المحتوى، وبعبارة أدق السيناريو، لأن السيناريو هو الخاصرة الرّخوة في الدراما الجزائرية، تغلب عليه العشوائية تارة وعنصر المفاجأة من غير مقدّمات تارة أخرى.
في المسلسلات الجزائرية حصرًا، يمكن أن تموت شخصية من غير سبب، وموتها لن يؤثر على سير الأحداث، وفي المسلسلات الجزائرية حصرًا كذلك يمكن أن تظهر شخصية بعد عشر حلقات، من غير أن نعلم كيف خرجت وما هو دورها في السيناريو.
في السنين الماضية كان الأمر يثير سخرية المشاهدين، يردّون عليه بتعليقات تهكمية، يرجون أن تصرفهم من شأنه أن يحرّك غيرة كتّاب السيناريو، وأن يراجعوا الاهتمام بالنصّ قبل أن يقف الممثل أمام الكاميرا، لكن أثبتت الأيام أن شيئا لا يتغيّر، وفا تزال الصدفة تحكم العلاقات بين الشخصيات في المسلسلات الدّرامية، والسيناريو ليس وحده النقطة التي تثير التّعجب في برامج رمضان، بل كذلك الفوضى التي تحكم سوق الممثلين، حيث يمكن أن نشاهد ممثلًا في مسلسل كوميدي وفي الساعة التّالية يظهر في مسلسل درامي يذرف الدّموع. كيف يمكن أن يتعامل المشاهد مع هذه الحالة؟
وإذا سألنا الممثلين لماذا يطوفون بين مسلسلات لا رابط بينها، سوف يردّون بإجابة تقليدية مفادها أن حظّ لهم في العمل، عدا شهر رمضان، ثم يقضون بقية العام في عطالة.
في التّالي يقبلون العروض التي تصلهم. والأغرب أن نشاهد ممثلًا يطوف بين القنوات، يظهر في قناة، ثم نصادفه في عمل آخر في قناة ثانية ثم ثالثة، وهكذا دواليك. يصير وجهه أكثر ظهورًا من ومضات العصائر أو القهوة أو معجون الأسنان، لأن المنتجين لا يتعاقدون معه من أجل صورة حصرية، بل يدفعون له مقابل عمل بعينه، ثم له الحق في الظهور في أعمال أخرى، بل يحصل أن يظهر ممثل بعينه في عملين مختلفين يعرضان بالتّزامن في قناتين مختلفتين. وهذه التفاصيل التي تضرّ بجودة عمل فني وكذلك سمعة ممثّل لا يجري التّعرض إليها في نقاشات القنوات، بل إنها مشغولة باستعراض أرقام المشاهدات، ظنًا منها أن من يرفع رقم المتابعين فذلك يرفع من جودة الأعمال التي يقدّمها.
يبقى سؤال أخير يتعلّق بعلاقة مسلسلات رمضان مع واقع النّاس. هل هي مسلسلات تعكس حياتهم؟ هل يرون فيها صورتهم؟ الإجابة للأسف بالنّفي. فهي أعمال يجري تصويرها في الغالب في عاصمة البلاد، لذلك فإن اللهجة العاصمية تغلب عليها، مما يشيّد حائطًا بينها وبين متلقّ في أعماق البلاد.
مع أن بعض المسلسلات تحاول استمالة المشاهدين باستخدام لهجات من شرق البلاد أو غربها، لكن في مشاهد يجري حشوها داخل المسلسل ولا تتطابق مع السيناريو، وبالتّالي لا تقنع المشاهد. فصناعة الكوميديا مثل صناعة الدراما في الجزائر، لا تزال محصورة في حيز جغرافي ضيّق، تخاطب جمهورًا ضيقًا كذلك، ثم ينتظر القائمون على الفضائيات المحلية كسب ثقة النّاس. لا يتحدّثون عن مشاغل المتفرّجين، لكنهم يرجون منهم أن يتهافتوا على مشاهدة أعمالهم.

كاتب من الجزائر



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد