أغنية الراب في الجزائر… من الاحتجاج إلى الوعظ
أصغي إلى واحد من مغنيي الراب في الجزائر، من الذين يتمتعون بقاعدة شعبية واسعة، وهو يجلس قبالة كاميرا الموبايل، في بث مباشر على موقع تواصل، يشرح في كلامه علاقته بالدين. يبرر فيه أن غناءه لا يتعارض مع ما جاء في الشريعة، بحكم أنه ينتقي كلمات (نقية) مثلما قال، لا تخدش السمع ولا تمس الأخلاق. وأسفل الفيديو نطالع حشدا من التعليقات، تجتمع في مجملها في مباركة أداء المغني وتحثه على مواصلة العمل في الجمع بين الدين والغناء النقي.
يقدم هذا المغني نفسه بوصفه مغنيا عائليا، أي يمكن الإصغاء إليه بين أفراد العائلة الواحدة، وأن الأم مثل الأب يمكن لهما أن يستمعا إليه في حضور البنت أو الابن. هذا الكلام يدعو إلى استغراب، لاسيما هذا الانفصام الذي يحيا فيه المتحدث. كيف يمكن أن نجمع بين أغنية الراب والأخلاق؟ هذه الموسيقى التي وُلدت ونشأت بوصفها خطابا رافضا ومناهضا للسائد، باعتبارها بيان احتجاج ضد الحياة المعيشة، كيف تحولت إلى درس في الوعظ؟ بل صارت حجة في الخوض في شؤون الدين والأخلاق. فالجزائر من البلدان القليلة التي نسمع فيها مغنيا، له شعبية ويتمتع بحضور، يجمع في كلامه بين الغناء والدين. وكأنه غير مقتنع بما يفعل. ويريد أن يبرر طريق الفن بأنه طريق محفوف باحترام العقائد وتعاليم المجتمع. وهذا المغني، مثل من يتابعونه، لا يعلمون أن ذلك الكلام يتعارض مع جوهر الفن في حد ذاته. لأنه يفرض على نفسه رقابة ذاتية، فلا يغني بما يرضي الفن، في احترام للصنعة، بل يغني بما يرضي الأسماع، في احترام للغالبية.
وعندما نتتبع أثر هذا المغني، الذي يغني بما يرضي الأذواق، ولا يغامر بما يرضي الفن، فإننا نلاحظ أن فيديوهات الأعمال التي ينشرها على يوتيوب تحظى بملايين المشاهدات. فهو لم يفصل في ما يريد: هل هو مغنٍ أم واعظ؟ هل يبغي الفن أم الدين؟ لقد فهم ما يرنو إليه مستمع في الجزائر، فهم الميول التي يريدها الناس، يريدون من المغني صخبا، ولكن بكلمات في مسائل تتعلق بالطاعة واحترام الكبير والرأفة بالصغير، وكذا يريدون منه أغاني لا تخلو من أحاديث نبوية ولا تخلو من نصائح ولا من أقوال علماء الشريعة. ولسنا هنا في محل محاكمة مغنٍ، لكن ما يهمنا هو مطالعة أهواء المستمعين، ولماذا يتابعون مغنيا بالملايين، ثم ينصرفون عن آخر. وما هي الوصفة الناجحة من أجل أن تصير شهيرا في السوشيال ميديا في الجزائر. كما يهمنا أن نعاين هذا الانقلاب الذي تعرفه أغنية الراب، ففي العالم كله إنما هي اغنية تحاكي الواقع، لا تسايره، ترجو الانعتاق لا طاعة السائد، هي أغنية وُلدت من رحم الاحتجاج، لكنها في الجزائر تصير صوت الغالبية ضد الأقلية، ويصير المغني في محل إمام بدل أن يكون فنانا. ينصب نفسه في المركز بدل أن يدافع عن الهامش. تصير أغنية تتنازل عن حقها في الإبداع، بل تفضل الانحياز إلى ما يطلبه المستمعون. إن مغنيي الراب في الوقت الراهن، هم ضحايا جيل سابق.
بالعودة إلى الوراء، سوف ندرك أن الجيل المؤسس لأغنية الراب في الجزائر، انحاز بدوره إلى الموعظة، بعدما تنازل عن الفن. وأن الجيل الجديد لم يبتكر شيئا، لقد وجد أرضية جاهزة، قانونها واضح: لا تغني قبل أن تقنع الناس بحسن سلوكك والتزامك بتعاليم الدين.
بين التربية الفنية والتربية الأخلاقية
كان للجزائر السبق في تأسيس أغنية الراب في الجوار المغاربي، لأن أول فرقة ظهرت فيها تعود إلى آواخر الثمانينيات من القرن الماضي، عقب أحداث 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988 الدامية، واسم الفرقة هو (أنتيك). تلتها فرقتان أخريان مطلع التسعينيات: (حامة بويز) وكذلك فرقة أخرى سمّت نفسها (ميكروفون يقطع الصمت). وهي ثلاث فرق تركزت في الجزائر العاصمة، بحكم أن عاصمة البلاد توافرت على أستديوهات تسجيل بما يسهل نشاط المغنين، ثم إن غرب البلاد كان مشغولا بأغنية الراي، ولا يرى بديلا لها، أما شرق البلاد فلم تظهر فيه أول فرقة راب إلى غاية 1995، باسم (دوبل كانون). بينما هاجرت الفرق الثلاث الأولى إلى فرنسا، ثم تفرق أعضاؤها، واصلت فرقة (دوبل كانون) الغناء، وكانت تتكون من مغنيين اثنين، هاجر أحدهما وبقي الآخر وسمى نفسه (لطفي دوبل كانون). هذا الأخير استغل خلو الساحة ووجد جمهورا متاحا، وفي بداياته أصدر ألبومات لم تخلُ من كلمات احتجاج، تُعلي صوت الهامش، وكان منحازا إلى الشباب العاطل عن العمل، أو أولئك الذين يئسوا من أجهزة السياسة. وجد جمهورا من المحبطين في الإصغاء إليه. واستمر في تلك الحالة إلى غاية مطلع الألفية الجديدة، فبعد نهاية العشرية السوداء، ظن البعض أن خطاب الدين سوف يتراجع، لكن وقع العكس. جاءت أجيال جديدة من الشباب ترافع من أجل الدين، وترى فيه بديلا عن الحرية. وهذا الجو من العقائد أثر بدوره على تلقي أغنية الراب، وركب لطفي دوبل كانون الموجة. تحول من مغنٍ إلى واعظ، وصارت أغانيه لا تخلو من خطابات ومن دعوات إلى الرجوع إلى الدين. لم يعد الفن يعني شيئا له، بقدر ما يهمه أن يكسب مستمعين، والطريق إليهم ليس صعبا في حال ارتداء لباس التقوى. وكذلك فعل، بل صار ينافس الأئمة في أغانيه، ثم انتقل إلى التلفزيون وصار يقدم برامج في الأخلاق، قبل أن نتفاجأ ونحن نراه قد هاجر إلى فرنسا، وصار معارضا سياسيا، بعدما كان يسبح بحمد الرئيس. وفي غربته كذلك لم يتخل لطفي دوبل كانون عن أغنية الراب، كما لم يتخل عن الجمع بينها وبين الدين. فعندما نرى ما وصل إليه وهو واحد من المؤسسين، ماذا نتوقع من مغنيي الراب الجدد؟ إنهم يسيرون على خطى من سبقوهم.
وذلك المغني الذي تحدثنا عنه في البدء، والذي يبث فيديوهات مباشرة تحكي عن الأخلاق والطاعة ليس استثناء. إن هذا الخلط بين الفن والمعتقد، تفرضه طبيعة المستمعين. جمهور يهوى الاستماع كذلك إلى توباك أو إيمينام، أو غيرهم من مغنيي الراب الأمريكيين، لكن عندما يتعلق الأمر بمغنٍ محلي، فلن يصغوا إليه ما لم يُجاهر بطاعة وما لم يتقمص دور الإمام.
كاتب جزائري
أغنية الراب في الجزائر… من الاحتجاج إلى الوعظ
سقوط «الجيل زد» في هوَّة الإشباع والاستخدامات
ما بعد غلبة «حزب الله»: اللاتوازن المستدام
كيف يفكر الذكاء الاصطناعي سياسياً
مهم بشأن ملعب مشروع عمرة الجديد
ماسك ومصيدة الذباب عبر الفضاء الرقمي
مؤتمر يبحث البيئة الاقتصادية وتعزيز الاستثمار بالأردن
الرموز التعبيرية .. تأثير ردود الأفعال
ابوزيد: عملية بيت جن كانت مخططة
تقاضى مبالغ مالية مقابل ترخيص محلات .. والمحكمة تصدر قرارها
فاقدون لوظائفهم في وزارة الصحة .. أسماء
تعيين وتجديد وإحالة للتقاعد بهيئة تنظيم الاتصالات .. أسماء
أساتذة جامعيون يمتنعون عن معادلة شهاداتهم الجامعيّة
توجيه مهم من التربية لمديري المدارس
قرار حكومي لتنظيم عمليَّة التنبُّؤات الجويَّة
هل يصل سعر تذكرة حفل بيسان إسماعيل بالأردن لـ 400 دينار
رقابة إلكترونية على إنتاج وتوزيع الدخان
شغل الأردنيين .. معلومات عن الروبوت الذي شارك بمداهمات الرمثا
ألفابت تنافس إنفيديا وأبل ومايكروسوفت في سباق القيم السوقية العملاقة
مدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. أسماء
جوجل تواجه ضغطاً هائلاً لتلبية الطلب على الذكاء الاصطناعي
ترامب يطلق مبادرة جينيسيس ميشن لتسريع الأبحاث بالذكاء الاصطناعي



