في الكتابة عن الآخرين: مَن يملك الحياة

في الكتابة عن الآخرين: مَن يملك الحياة

27-02-2026 01:02 AM

شكّل البحث الميداني لكتابي الأول «عن هذا الرجل المسمّى علي»، محنة عاطفية قاسية. لم تكن الوثائق هي ما هزّني، بل المقابلات. قُتل علي الجابري عام 2002. وبعد عام واحد، وبعد اشتغال طويل على رسائله ويومياته، تواصلت مع عائلته في عمّان وحلب، ومع أصدقائه من ستينيات وسبعينيات القرن الماضي في كاليفورنيا وبريستول ولندن وباريس والقاهرة والكويت، لأستكمل صورة حياته. كنتُ من دائرته في عمّان، لذا أبقيتُنا إلى النهاية.
ولأنني كنت أعرف علي، ظننتُ أن الرجل لا بدّ أنه أسرَ أولئك الذين عاشوا في عوالمه الأخرى، كما أسرَنا نحن في الأردن. وسأستعير الكليشيه القديم، لأنه يليق به تماما: كان علي ظاهرة، مهيبا، ذا حضور طاغ، سيد الفرشاة والقلم، مثقفا راقيا وساذجا في آن، لغزا للحبيب كما هو للمعارف البعيدين، أنيقا وخشنا، بذائقة صريحة للتراب الخشن في الحياة، كوزموبوليتانيا يشده الحنين إلى مرسى في الهوية، مقبلا على الملذات، ومع ذلك في داخله إجلال خاص للتقاليد والأعراف، وكان، في آن واحد، أميرا وفقيرا معدما.
وكانت ظنوني في محلها، الذين عرفوا علي قبل عقود استعادوه بوضوح الأمس، كان هناك، حتى الآن، حب وضحك ودموع وحيرة، وحاجة إلى امتلاك «علي» كله، بينما هو لا يمنح من نفسه إلا شذرات. ظننت أيضا أن الزمن قد فعل فعله بصمت، فأطفأ ما كان قد اشتعل من غضب قديم، وتوقعت أن موته المأساوي سيدخل قدرا من الرحمة في الخصومات السابقة، لكنني كنت مخطئة، أسئلة بسيطة، لم أدر، كانت حقول ألغام مزروعة فوق عواطف ما تزال نيئة: ذكريات صعبة، خيبات، خذلان، وانكسارات، صارت ملاحظاتي أكثر من مادة لمذكرات؛ غدت دراسة في كيف نستولي على الموتى استيلاء تملكيا.

حين قرأت أخته ديالا المخطوط المكتمل أول مرة، وصفتني بـ»نِسرة». ثم مع كل قراءة وإعادة قراءة، وهي تتشبث بهذا الكشف وذاك، راحت تلعنني بوصف الساحرة. أنتونيا، أقرب أصدقائه في سنوات بريستول ولندن، شكرتني لأنني أعدته إلى الحياة بهذا القدر. وكذلك ديانا. أمّا جون، رفيقه من الفترة نفسها، فلم يتعرّف إلى عليّه في الكتاب. راسلني قائلاً إنه كان في الرجل قدرٌ كبير من الفرح، لكنني أمعن في المأساوي. وبعد أعوام قليلة، عاد فبدّل رأيه.
هناك آخرون، أنا واثقة، قرأوا المذكّرات، لكنهم لم يبوحوا لي برأيهم. لا أدري أكان الألم في لقائه للمرة الأولى، بكل ذلك المجد العابر، أشدّ من أن يُحتمل، أم لأن الكتاب، في نهاية المطاف، لم يكن عنه وحده. فقد كان رجلا حقيقيا اتخذته مدخلا لرواية تاريخٍ للمنطقة. لعلّ في ذلك ما أثار امتعاضهم. حين رويت تجربتي للراحل كريستوفر ديكي، صديق عزيز وصحافي وكاتب مرموق، ابتسم وقال: «قاسية هي المذكرات والسيّر.. لا شكر فيها، أليس كذلك؟». فكتابه الآسر Summer of Deliverance: A Memoir of Father and Son تجسيد للحب والخيانة والغضب والقطيعة ثم المصالحة بينه وبين أبيه، جيمس ديكي، الشاعر المعروف ومؤلف الرواية الأكثر مبيعا Deliverance. وقد أمضى كريستوفر زمنا طويلا يرمم الشروخ العائلية التي أحدثها الكتاب. وصديقتي الروائية وابنة عمة والدي حنان الشيخ واجهت الغضب العائلي نفسه، حين نشرت حكايتي شرح يطول، مذكرات عن أمها كاملة، تروى بصوت كاملة نفسها. إن كانت حنان قد ظنت أنها ستنجو من اللوم لأن كاملة تحكي قصتها بصدق مدهش عن خطاياها ونقائصها، فإنها أخطأت. نُشر الكتاب عام 2009، وحتى اليوم ما يزال كثيرون في العائلة يتمتمون ساخطين عليها وعلى أمها.
إحساسُنا الحميميّ بأحبّتنا أرضٌ مقدّسة. إن وطأتها، فقد تخسر أكثر مما أنت مستعد للتضحية به. تلك هي مخاطر الكتابة عن السير الحقيقية. ولا يختلف الأمر حين تصبح حياتك أنت موضع تنقيب، حتى لو، أو خصوصا إذا، جاء ذلك في ثوب رواية. «الروائيون لصوص قصص الناس»، كان يردد فيليب روث. صادق روائيا، وقد تجد نفسك يوما بين صفحاته.

قضية الكاتب الجزائري كامل داود، الذي فاز بجائزة غونكور 2024 عن Houris (حوريات)، وسعادة عربان، المرأة التي تقاضيه بتهمة سرقة قصتها، واحدة من هذه الحكايات المشحونة. سعادة ناجية من مجزرة نفذتها قوات إسلامية خلال الحرب الأهلية الجزائرية في التسعينيات. كانت في السادسة آنذاك. وكانت زوجة داود طبيبتها النفسية. وقد أخبر كامل سعادة مرتين برغبته في الكتابة عنها، لكنها رفضت، قبل أن ترى أصداء قصتها في صفحات Houris.
وداود، بطبيعة الحال، حكاء بارع. في The Meursault Investigation يقلب بمهارة رواية ألبرت كامو The Stranger، ويمنح موسى، الذي قتله ميرسو بطل كامو، حياة وصوتا. ومن خلال هذه الرواية، يستعيد للجزائري حضوره الفاعل في الحوار حول الاستعمار والإمبراطورية. لكن هذا المثقف الجزائري، المقيم الآن في باريس، متمرد سياسي أيضا. الإسلاموية والنظام الجزائري، في نظر داود، شران متوازيان؛ والهوية قميص ضيق. في الجزائر يُحتفى به أقل، وفي فرنسا أكثر؛ مسار مألوف لكثير من الكتّاب في المنفى. قال لروبرت هاريسون في مقابلة عام 2024: «أرفض أن أقرأ الروايات وأنا أحمل جواز سفر في رأسي». عبارة لافتة. وإنجاز يحسد عليه إن كان قد حققه بالفعل.
لم أقرأ Houris، لكن ليس من الصعب أن نرى الروائي في داود وهو يجد مادته في سعادة لحظة لقائه بها. يمكن للمرء أن يتخيل أنه لم يستطع مقاومة أن يضعها على صفحته. «خُدعتُ وعُرِّيتُ»، هكذا كان ردّها. وليس عسيرا فهم ذلك أيضا. «العالم بأسره كان يقرأ شيئًا هو لي»، هي خلاصة شكواها. هذه قصة، وهي قصتها، على الأقل في روايتها، وقد امتدت، كما تقول، على صفحات كثيرة من Hourisليت المسألة كانت مجرد سيادة أدبية، لكن لأن المسألة تمسّ الجزائر، وحربها الأهلية الدامية، وفرنسا، وكامل داود، فإننا ننتهي إلى أرض أوسع وأكثر شوكا. اقتباسان، أحدهما له والآخر لمحامي سعادة الأول في الجزائر، يكشفان حد الأشواك: «هذه الضحية من الحرب الأهلية يجري التلاعب بها لتحقيق هدف: قتل كاتب، تشويه أسرته، وإنقاذ الصفقة بين هذا النظام وهؤلاء القتلة».
«بنى نجاحه على بؤس سعادة. للمرة الثانية خنق صوت موكلتي. سرق حياتها، قصتها وألمها، ثم يتركها بلا حياة على الإطلاق».
ومع كل هذه التعقيدات، يبقى في قلب هذه المعركة سؤال واحد: لمن تعود الحياة أصلا؟ ستصدر المحاكم الفرنسية حكمها القانوني، لكنني لست واثقة أنه سيكون مرضيا. فجوهر النقاش أعمق بكثير من القانون.

كاتبة لبنانية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد