هيدغر وصديقه الأفغاني خضر شاه

هيدغر وصديقه الأفغاني خضر شاه

26-02-2026 04:00 PM

غالبا ما يتم حصر الفكر الغربي، حتى لدى فلاسفته البارزين، ضمن حدود عالمه المفاهيمي المحدود، لذا، فإن مفكرا مثل هيدغر، الذي يركز على مسألة «الوجود»، لا يستطيع في كثير من الأحيان التحرر تماما من الإطار الجامد للميتافيزيقا الغربية. غير أن التاريخ قد يفتح أحيانا أبوابا غير متوقعة؛ إذ يمكن تغيير مسار الفلسفة ليس عبر كتاب، بل بواسطة عالم آخر يحمله شخص. في أحد الأيام، ظهر غريبٌ في دروب فرايبورغ الضبابية، هو خضر شاه، نبيل أفغاني، ومهندس وفيلسوف.. يُعرف أيضا باسم الخواجة غلام حيدر خان، هذا الاسم ليس مجرد اسم ضيف أو طالب؛ بل هو اسم «الآخر»، الذي نادرا ما يتقبله الغرب؛ مسافر يحمل على كتفيه ذاكرة حضارة أخرى.
كانت أواخر عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن العشرين، فترة لا تزال أوروبا فيها غارقة في دماء الحرب. لم تكن آثار الحرب العالمية الأولى قد زالت بعد، وبدأت الإنسانية تفقد روحها داخل الآلة التي بنتها. وقد تم تقديم التقدم الصناعي والتكنولوجي على أنه انتصار، ولكن خلف هذا الانتصار، كان يكمن تزايد «تشييء» الإنسان. كانت الحقيقة المرعبة التي قد يفصلها هيدغر لاحقا في كتابه «السؤال عن التقنية»، بمثابة ظل خفي يُخيّم على الشوارع في تلك السنوات، لقد بدأت الإنسانية تنظر إلى العالم لا على أنه «موجود»، بل على أنه «قابل للاستخدام».
وفي مثل هذه الفترة تحديدا، وصل خضر شاه إلى ألمانيا. تقول الرواية الرسمية إنه جاء لدراسة الهندسة؛ إلا أن الحقيقة غالبا ما تكون أعمق من الرواية الرسمية، لأن هذه الرحلة لم تكن تتعلق كثيرا باكتساب مهنة، بل باستكشاف روح العصر. قاده هذا المسعى إلى كتاب هيدغر «الوجود والزمان». غالبا ما ينظر الفكر الغربي إلى الإنسان الشرقي كشخصية رومانسية خيالية، إما أن يكون درويشا متصوفا، أو بطلا أسطوريا… لكن خضر شاه لم يأتِ إلى أوروبا كبطل خيالي، بل كإنسان مفكر. تردد صدى سؤال هيدغر، «ما الوجود؟»، في ذهنه؛ لأن هذا السؤال يُشبه المكافئ الغربي للسؤال الجليل الذي طرحه الشرق لقرون بصيغ متعددة. عندما يسأل الرومي: «من أنا؟»، وعندما يسأل العطار: «أين السيمرغ؟»، وعندما يبحث حافظ عن ظل الوجود من خلال الشعر، وعندما يتأمل ابن عربي: «هل الوجود واحد؟»، فإنهم جميعا يسيرون على حافة الهاوية نفسها. لذا، بالنسبة لخضر شاه، لم تكن قراءة هيدغر مجرد فضول أكاديمي، بل كانت صورةً لصدى أسئلة الشرق القديمة في أوروبا الحديثة.
قاده هذا الفضول إلى فرايبورغ، إلى حلقة هيدغر؛ الفيلسوف الذي لا يبني فكره على مكتبه، بل يتجول سيرا على الأقدام. فمسارات الغابات هي مسرح فلسفته. ينضم الآن مسافرٌ من أفغانستان إلى هذه المسارات، فتتحول إلى خط فاصل دقيق يلتقي فيه عالمان. يسأله هيدغر عن أفغانستان، وعن الفلسفة الإسلامية، وعن جلال الدين الرومي، والعطار وحافظ الشيرازي. وراء هذه الأسئلة لا يكمن الفضول فحسب، بل أيضا القلق المتزايد لدى الغرب مع ازدياد انطوائه على نفسه. فهيدغر يرى أن الميتافيزيقا الغربية، بتحويلها الإله إلى مفهوم، تُجسده بوصفه «الكائن الأسمى»، ويقرأ هذا على أنه كارثة. أما الشرق، فلا يحصر الإله في جمل، بل يسعى إليه بلغة القلب. ولعل هيدغر، ولأول مرة، يشعر بهذه الحقيقة بوضوح في روايات خضر شاه.
باختصار، لم تكن الصداقة بين هيدغر وخضر شاه مجرد تفصيل من تفاصيل سيرتهما، بل هي يدٌ قصيرة لكنها ذات مغزى، ممدودة من حضارتين تجاه بعضهما. إن المشهد الذي يظهر فيه النبيل الأفغاني وهو يتنزه مع هيدغر في شوارع فرايبورغ يُمثل مواجهة عابرة بين عقل الغرب المُنغلق على ذاته وقلب الشرق. تُفيدنا هذه القصة بأن الحقيقة ليست حكرا على الغرب أو الشرق، بل هي كامنة في أعماق الوجود الإنساني، أحيانا في كتاب، وأحيانا في نزهة.

كاتب تركي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

حصيلة العدوان الإسرائيلي على لبنان ترتفع إلى 3884 شهيدًا منذ 2 مارس

الأردن يدين تصاعد إرهاب المستوطنين ضدّ الفلسطينيين

إيران: لا تغيير في برنامج توقيع مذكرة التفاهم مع واشنطن بسويسرا

الدولار يرتفع بعد تثبيت الفائدة وتوقعات برفعها لاحقا

الأردن يرسل قافلة تزويد طبية إلى المستشفيين الميدانيين في قطاع غزة

الكونغو الديمقراطية توقف البرتغال في ليلة تاريخية لرونالدو

الغذاء والدواء: أسماء عينات جميد غير مطابقة

إيران: الاتفاق على إعادة حركة الملاحة البحرية إلى طبيعتها خلال فترة محددة

الاحتلال الإسرائيلي يصادق على بناء 576 وحدة استيطانية في الضفة الغربية

مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي يثبت أسعار الفائدة دون تغيير

إصابتان بحريق صهريج محمل بمادة البنزين في الماضونة

مجموعة السبع تطالب بوقف إطلاق النار في لبنان

مسؤول أميركي: سيتم تدمير مخزون إيران النووي بخفض نسبة تخصيبه

سوريا .. إجراءات لمنع فرار المشتبه بهم ودعم مسار العدالة الانتقالية

مضيق هرمز يستعد لإعادة الفتح بعد الحرب .. ماذا سيحدث ؟