شذرات عجلونية (70)

شذرات عجلونية (70)

02-08-2026 10:03 PM



ألا حيّها عجلون من بُرْدَةِ الهوى أسامرها بدرًا؛ فترسمني شمســا

القراء الأعزاء، أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أينما كنتم وحيثما بنتم، نلتقي مجددًا في "شذرات عجلونية"، حيث تحمل كل شذرة فكرةً تستحق التأمل، وشأنًا يستحق الوقوف عنده. ننطلق من عجلون العنب والذهب، عجلون الحب والعتب، لنطوف معًا بهذه الشذرات في فضاءات الفكر والحياة، راجيًا أن تجدوا فيها ما يثري العقول، ويحرك الوجدان، ويضيف شيئًا جميلًا إلى حوارنا المستمر. وشذرتنا اليوم بعنوان: "رسالة إلى القراء الأعزاء".
أكتب... ولا أفرض رأيي
حين أكتب منشورًا على صفحاتي في منصات التواصل الاجتماعي، أو عبر تطبيقات الاتصال، متناولًا فكرةً، أو قضيةً، أو سياسةَ دولةٍ ما، فإن ذلك لا يعني بأي حال أنني أستهدف قناعاتكم، أو أنتقص من آرائكم، أيها القراء، كائنًا من كنتم. إنما هو حقّي الطبيعي في إبداء ما أؤمن به، مثلما هو حقّكم الأصيل في الاختلاف معي؛ مع حرصي الدائم والدقيق على ألا تتضمن كتاباتي ما يصادم أحكام الشرع الحنيف، أو يخالف التشريعات والقوانين الناظمة للحياة العامة في وطني الأردن.
وعندما أنشر فكرةً أو رأيًا، فلا يعني ذلك أنني أدعو أحداً إلى تبنّيه أو العزوف عن قناعاته الشخصية؛ إذ ينطوي ذلك على حق خالص لكل فرد، وسواء أكان حديثي متصلًا بالشأن السياسي الذي لا أُخفي زهدي فيه وفي رجالاته، أم بالإعلام، أم بالعمل الحزبي والأحزاب التي لم ينشرح صدري للانتماء إليها يومًا ولن أنتمي، بإذن الله، فإنني لا أبتغي من أحد أن يبصر الأشياء بظلي أو بعيني؛ وإنما أسطر رؤيتي الخاصة كما تتجلى لي، تاركًا لكل قارئ كامل الحرية في القبول، أو الرفض.
وإنني لأوقن بأن الاختلاف في الرأي لا يبرر السخرية من الآخرين أو غمط أفكارهم، بل يفرض علينا مناقشة الطروحات بالمنطق والحجة البالغة، لا أدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة؛ وإنما أعرض ما أراه صوابًا، أو أنقل مواقف وآراء أجدها جديرة بالنقاش والتأمل، وقد أثر عن الفقهاء قولهم: (ناقل الكفر ليس بكافر)، ومن ثَمّ، فلَك كامل الحق في قبول ما أسطره، أو العزوف عنه، أو نقده؛ بل وتفنيده متى ملكت الدليل والبرهان. وكل ما أرجوه ألا نختزل حقيقة هذا العالم الواسع في حدود رأيي، ولا في حدود رأيك؛ فلكل منا زاويته الخاصة التي يطل منها، وقد تكون تلك الزاوية أضيق من أن تحيط بأبعاد المشهد كله؛ فذلك حقي في الكتابة... وحقك في الاختلاف.
لا أكتب لإرضاء أحد
إن لم أُعجبك، أو لم تروقك كتاباتي، فبوسعك بكل بساطة أن تغادر صفحاتي ومنصاتي، مصحوبًا بدعائي لك بالتوفيق والسداد، أما أن تملي عليَّ رأيًا، أو تفرض عليَّ معتقدًا تراه فوق النقاش، أو النقد، فذلك ما لا أرتضيه لنفسي؛ إذ إن حرية الرأي لا تكون حقيقية إلا إذا اتسعت للجميع، لا إذا اقتصرت على من يوافقنا الفكر أو الاتجاه.
إنني لا أسطر كلماتي طلبًا لرضا أحد، ولا بحثًا عن التصفيق، أو الاستحسان، أو ثناء المتابعين؛ وإنما أكتب ما أقتنع به وأؤمن بصوابه، دون أن أطالب أحدًا بتبنّيه أو السير خلفه. وفي المقابل، فإنني لا أدّعي العصمة لنفسي، ولا أزعم احتكار الحقيقة المطلقة؛ فلو تبيّن لي أن رأيًا آخر أقرب إلى الصواب والحجة، لما ترددت لحظةً في العدول عن رأيي؛ بل والاعتذار عنه متى ثبت لي خطأي. فالرجوع إلى الحق فضيلة، والإصرار على الباطل أو الخطأ ليس من شيم الباحثين عن الحقيقة.
كتابتي تمثلني... ولا تُلزم غيري
إن كتابتي تعكس أفكاري وتصوراتي الخاصة، وهي تأتي وفق نموذج المرآة -وليس المرأة-؛ إذ ليست نموذجًا مؤسسيًا ألتزم بقواعده الصارمة، أو أُلزم به غيري، أو أدعو أحدًا إلى اتباعه، وإنما هي تعبير خالص عن قناعاتي الذاتية لا أكثر، وتلك هي قناعاتي الشخصية... لا بيانٌ رسمي.
ومن هذا المنطلق تحديدًا، فإنني لا أمنح الحكومات، في أي مكان من هذا العالم، ثقةً مطلقة، كما لا أثق بالأحزاب ثقةً عمياء، ولا سيما في واقعنا العربي. ومع ذلك، فإنني لا أدعو أحداً إلى تبني هذا الموقف أو إظهار العداء للأحزاب؛ فهذا رأيي وحدي. وما زلت أرى أن كثيراً من الأحزاب العربية لم تتجاوز بعدُ دور (الديكور السياسي)؛ إذ يبدو حضورها في كثير من الأحيان أقرب إلى تجميل المشهد الداخلي منه إلى صناعة الفعل السياسي الحقيقي، فلا ينعكس أثرها بوضوح على واقع الناس، ولا يظهر وزنها في صناعة القرار؛ وهذا رأي أطرحه دون اصطفاف مع أي طرف، أو خصومة مع آخر.
وفي الوقت ذاته، أُفرّق تفريقًا حاسمًا بين الدولة التي أنتمي إليها، وأعتز بها، ولا أقبل الإساءة إليها بحال، وبين الحكومات المتعاقبة التي يحق لكل مواطن أن يقيّم أداءها وينتقده. فالوطن يتسع لجميع أبنائه، أما الحكومات فما هي إلا تجارب بشرية تُصيب وتُخطئ، وكثير منها -في تقديري- جاء (منزوع الدسم)، فلم يحقق ما كان مأمولًا منه لدى شريحة واسعة من المواطنين. والحكومة الرشيدة لا تضيق بالرأي الناقد، بل تستنير بآراء المفكرين والعلماء والمحللين والمتخصصين، وتستفيد من خبراتهم في صناعة القرار، بدلاً من استبعادهم من دائرة التفكير أو المشاركة.
ناقش ما يُكتَب... لا من يَكتُب
أكرر مرةً أخرى أن كلماتي ليست موجهة إلى شخصٍ بعينه؛ إنّما هي تعبيرات ذاتية شخصية، ولعلها تكون في بعض الأحايين زفرات ألمٍ أو لحظات تأملٍ في مجريات الأحداث من حولي، ولذا أرجو منك، أيها القارئ الكريم، ألا تقرأها بعين (الحَوْلِي) فتُسقطها على ذاتك، أو تُحمّلها ما لا تحتمل من المقاصد؛ فليس كل ما يُخطّ يراد به شخصٌ محدد، ولا كل فكرةٍ تُطرح تجسّد فلانًا بعينه. إن ما أسطره لا أستهدف به أحدًا، ولا أواجه به إنسانًا في شخصه أو قناعاته؛ بل هو محض تعبير عن رؤيةٍ، أو موقفٍ، أو انطباعٍ تجاه ما يموج حولنا من أحداث. فالناس يتفاوتون في رؤاهم واهتماماتهم، ولكل امرئٍ طريقتُه في معاينة الأشياء، وزاويته الخاصة التي يطل منها على الحياة والتطورات.
وانظر إلى ما أكتبه كما تتأمل المرآة حين تستيقظ صباحًا من نومك؛ فالمرآة لا تزعم أنك جميل إن كان وجهك كالحًا، ولا تخفي عنك مواربةً آثار التعب أو مشاعر القلق البادية على ملامحك، إنها تعكس الوقائع كما هي دون تزييف أو مجاملة. وتلك هي شأن الأفكار أيضًا؛ فهي مرآة تتطلب منا أن ننظر إليها بذهنٍ متفتحٍ وعقلٍ مستنيرٍ. لذا، نقِّ ذهنك من الأحكام المسبقة كما تغسل وجهك، وتأمل الحقيقة ناصعةً كما هي، واكتب نقدك الموجه إلى الفكرة ذاتها لا إلى صاحبها، وادعم طرحك بالحجة والبرهان إن رأيت في المكتوب شططًا أو خطأً. أما إن لم تجد في القول ما يروقك أو يناسب تطلعك، فلك أن تمضي بهدوء، ولكلٍّ منا مساره ورؤيته.
الدكتور علي منعم القضاة
أستاذ مشارك في الصحافة والإعلام الرقمي
E-mail:dralialqudah2@gmail.com
Mob: +962 77 77 29 878


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد