هذه حكاية الشهيد نصر الله

هذه حكاية الشهيد نصر الله

27-02-2026 01:00 AM

هذه المرة الجرح في القلب. كنت أسير في جنازات الشهداء، أزور بيوتهم، أعزي آباءهم وأمهاتهم. طفت في مخيمات البلاد. كتبت عن الشهيدة رزان النجار وأشرقت قطناني وعبد الرحمن البرغوثي ويحيى يسري طه ومحمود شعلان وساجي صايل وقصي معطان ومحمد أبو خضير وعائلة الدوابشة. سلسلة الشهداء المتواصلة وصلت إلى العائلة. الجرح الآن فيّ. الوجع له طعم آخر عندما يصيبك. استشهاد الشاب نصر الله أوجع العائلة وأوجع القرية وأوجع الوطن وأوجع الجالية الفلسطينية في المهجر. بكينا على أكتاف بعضنا. استشهد وهو يدافع عن الأرض والأشجار والأغنام ويحمي رفاقه في المواجهة، وسأحكي لكم الحكاية كلها.
المواجهة
منذ اندلاع حرب الإبادة في غزة، أطلقت حكومة الفاشيين أيادي المستوطنين في الضفة الغربية والقدس لاستكمال مسلسل القتل والتطهير العرقي في غزة. وأستطيع أن أوكد أن المستوطنين يسيرون على خطة مدروسة وممنهجة، خاصة في الأرياف تقوم على ثلاثة أركان: قطع الفلاحين عن أراضيهم، ببناء سلسلة بؤر استيطانية يتم اختيار أماكنها بعناية، ثم تتم سرقة المواشي التي تعتبر جزءا أساسيا من حياة الفلاحين، ومصادر رزقهم، ثم زرع الرعب في قلوب الناس عن طريق قتل عدد من الشباب، واقتحام البيوت وسرقة كل ما يمكن الوصول إليه. وفي كل هذه الخطوات يكون الجيش على مقربة من المستوطنين يؤمن لهم الحماية. وقد تركزت هجمات المستوطنين منذ أكثر من سنتين على مربع القرى القريبة من بعضها رمّون ودير دبوان وبرقة ومخماس.
شباب قرية مخماس نظموا أنفسهم ووضعوا حاجز حراسة على مدخل البلد وبنوا غرفة قرب الحاجز للجلوس فيها ساعات المطر، أو الراحة لمن يشعر بالتعب. جاءت قوات الاحتلال ونسفوها ومنعوا الحراسة وهددوا الحراس. نصبت بعد ذلك كاميرات مراقبة حول القرية، ووضعت غرفة مراقبة في مبنى مظلة المقبرة، ثم نظموا مجموعات واتساب للمراقبة الليلية. فعندما يجتاز مستوطنون حدود القرية فما هي إلا دقائق إلا وعشرات الشباب أمامهم فيهربون كالفئران، إذا لم يكن معهم سلاح. تصاعدت المواجهات في الشهرين الأخيرين وقام المستوطنون بتدمير مهاجع عرب الكعابنة، الذين ينتشرون شرقي البلدة وأحرقوا بيوت الشعر في منطقة خلة السدرة. فقام أبناء البلد بتأمين المأوى لهم. في موسم قطف الزيتون قام المستوطنون بعشرات الغارات يحملون مناشيرهم لقطع الأشجار. وفي مرة واحدة نشروا 71 شجرة، وفي غارة أخرى 30 وفي غارة ثالثة 17 شجرة، ولم تتوقف المواجهات. وفي شهر أكتوبر تصدى الشاب نصر الله لهجمة مستوطنين عليه، وعلى أبيه وجده أثناء قطف الزيتون، وأصيب بحجر في ظهره. وما أن أرسل رسالة الاستغاثة الجماعية، حتى وصل عشرات الشباب فهرب المستوطنون بعد أن كسروا شاحنته الصغيرة وشرحوا دواليبها الستة.
الأربعاء أول أيام شهر رمضان، تقدم نحو مشارف القرية الشرقية، حيث تنتشر بركسات (مهاجع من قصدير) الأغنام نحو 30 مستوطنا وعلى مقربة منهم وحدة مسلحة من الجيش. كان هدف المستوطنين سرقة الأغنام. أطلقوا النار من وراء البركسات فخرجت الأغنام مذعورة وبدؤوا يسوقونها أمامهم. تنادى شباب البلدة وبدأت الاشتبكات مع المستوطنين. قفز نصر الله من أمام أبيه ليلتحق بالفزعة. قال له والده محمد انتظر قليلا حتى نطعم مواشينا. «لا وقت للانتظار» قال لوالده. وبسرعة حصان أصيل وصل منطقة الاشتباكات فوجد أحد الشباب مجروحا والمستوطنون يضربونه بالعصي. اتجه نحوه كالأسد ودفعهم عنه بسرعة. ضربه مستوطن حجرا ضخما فأصابه في أسفل ظهره. «أعتقد أنهم كسروا زري»، قال لزميله. أخذه بعيدا وقال له: «ابق هنا. لا ترجع إلى الاشتباك». وكيف له أن يبقى قاعدا ورفاقه في الاشتباك وصوت الرصاص يسمع من كل اتجاه. تدخل الجيش وأطلق قنابل غاز ورصاصا مطاطيا ليعطوا فرصة للمستوطنين لإتمام غارتهم.
الرحيل
عاد إلى المعركة وحاول أن ينقذ جريحا أصيب برصاصة في رجله. كان أمامه ثلاثة مستوطنين مسلحين. اثنان يحملان بندقية إم-16 والثاني يشهر مسدسا. لم يرق لهم أن هذا الشاب المصاب دخل الاشتباك بكل هذا العنفوان. ضربوه مرة أخرى وأطلقوا النيران عليه من مسافة ثلاثة أمتار ثم غادروا المشهد. سقط على الأرض مضرجا بدمائه. اقترب منه الشباب وحملوه وقال لهم: «أنا مت يا شباب. خلاص وتلا الشهادتين». أحضروا له شربة ماء. هز رأسه رافضا. قال «أنا صائم». الطريق إلى مستشفى رام الله شاق والازدحام غير معقول. وصلوا بعد ساعتين وهو ينزف. جرت كل المحاولات لإنقاذه دون جدوى.
فتح عينيه مرة عندما مرت السيارة التي تحمله قريبا من بيته رأى خيالات بعيدة لأمه وأبيه وجده وجدته وأخيه الصغير. غابت الصور. قال في نفسه: «أنا فداؤك يا وطني. أحبك يا مخماس. مرت أمام عينيه صور كثيرة في ثوان كل ثانية كأنها دهر. تذكر فيلادلفيا حيث ولد ولم يقبل العيش فيها. «أنت راضية عني يا أمي. لم أزعجك في حياتي. مرت صور كثيرة كأنها الغمام. رفوف من حمام أبيض مرت من أمام عينيّ. رأيت حمامتين تحطان على كتفيّ. يد سائد تمسك بي. يدي الأخرى مددتها بحثا عن يدي والدي. رأيته والخوف في عينيه يقول لي لا ترحل. «بكير عليك يا أبو الحسن». أمي تمسح العرق الذي يتصبب من جبيني. سألتها أين فرسي شمس؟ ديري بالك عليها. وضعت يدي على مصرف الدم. لم أشعر بألم. مرت من فوقي غيوم بيضاء. ذبلت عيناي وارتخت يداي وقبلت تراب الوطن ورحلت وعلى وجهي ابتسامة».
الطريقة التي أعدم بها نصر الله أبو صيام هزت كياني وكيان القرية والوطن والجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة. سالت عليه شلالات من الدمع، وكل عين تقول فيضي بالدمع فعلى مثله يجوز البكاء. عظمة الشهادة لا تطمس حجم الحزن والألم.
أحسست بأن الكون يطبق عليّ ويعصرني كحبة ليمون. فالشهيد ليس رقما في أعداد الشهداء. إنه إنسان يحمل آمالا كبيرة ويخطط لمستقبله ويرسم في خياله لوحة للسنوات القادمة عندما يكون لديه أطفال. ثم يأتي المستوطن الفاشي المسمى «عمير» ليطلق عليه النار بكل برودة أعصاب. نصر الله شاب في ربيع العمر في سن التاسعة عشرة. طويل كرمح ممشوق، رقيق كوردة، مليء بالحيوية كـنمر. يهوى الخيل وركوبها، يحب الطبيعة ونوارها والأغنام وخيرها والأرض وفلاحتها. محبوب من كل أبناء بلده. سريع لمد يد العون. مفتول الزند يحمل قلبا رقيقا للأهل، والأصدقاء، لكنه كاسر وغليظ وجسور على الأعداء. يستطيع أن يحطم بيديه العاريتين ثلة من المستوطنين وجها لوجه دون سلاح.
فرسه «شمس» شعرت بأن شيئا ما حدث لخيّـالها. في عينيها حيرة تتحرك باستمرار. تضرب الأرض برجليها وتهمهم. قطعت عنانها وملأت البلدة صهيلا. لا نعرف هل ستبقى «شمس» على عنفوانها، أم أنها ستذوب حسرة. أكد لي عم الشهيد أنه رأى دمعتين متجمدتين في عينيها الواسعتين. «شمس» ستظل تذكّر أم الشهيد بالفارس الغائب وتقول: «حمرا يا أصيلة وين رحتِ فيه – في باب السرايا آخر علمي فيه». انفطرت قلوبنا على زين الشباب.
وجدتك أعطيتَ الشجاعةَ حقها، غداة لقيت الموت غير هيوب. سبعون من شباب القرية جلسوا على الأرض أمام والدة الشهيد «كلنا أبناؤك. علمينا يا أم نضال ما معنى أن تكون سيدة «أم شهيد» نحن نقول لك باسم شباب القرية جميعا أن نصر الله: استشهد مقبلا غير مدبر. كأنه ليث الفلاة. وداعا يا نصر الله. القرية كلها حملتك بدموعها إلى مثواك الأخير. الوطن كله سار في الجنازة ـ سلم على الشهداء جميعا، خاصة جيراننا محمد شعلان من دير دبوان وقصي المعطان من برقة. نم قرير العين يا حبيبنا: إصعد فموطنك السماءُ وخلنا في الأرض إن الأرض للجبناء.

كاتب من فلسطين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد