الحرب الأوكرانية: خريف الأيديولوجيا… ربيع الواقعية
تحت سحب فبراير/شباط الرماديّة، انشق صمت محطة قطارات كييف عن زحف حديدي مهيب؛ فمن عربات مصفحة صامتة، ترجل زعماء القارة العجوز أمام الشاشات بوجوه رسم عليها الشتاء والتعب ملاح الوجوم. فوق أرصفة المدينة التي تحرسها أصداء الانفجارات، تلاقت نظرات الوفود ببرود الصدمة، وهي تتأمل حطام مرافق الطاقة المشوهة بفعل الصواريخ الروسية. وفي ساحة الاستقلال، ارتجفت لهبات الشموع بين أكف القادة الأوروبيين، لترسم في عتمة الحرب ظلالاً لآلاف الساقطين.
لكن بينما كانت ألسنة اللهب الصغيرة تصارع ريح كييف الباردة، ظهرت فجوة موحشة في صفوف الحاضرين؛ فالمقعد الذي شغله الأمريكيون لسنوات كقادة لهذا الحشد، ظل شاغراً هذه المرة في تجسيد مادي لتحول الأخ الأكبر الدراماتيكي من «الدعم المطلق» إلى «الوساطة الباردة».
هذا الغياب المتعمد من إدارة ترامب يعزز رؤيتها الجديدة: لم تعد واشنطن طرفاً في «خندق واحد» مع أوكرانيا، بل تضع نفسها الآن في «المنتصف» بين كييف وموسكو لتفرض شروط التسوية. لقد أثبت مشهد الشموع أن أوروبا، رغم تعهداتها، تجد نفسها وحيدة في مواجهة عبء الحرب اللوجستي، بينما تتحول أمريكا من «ترسانة الديمقراطية» إلى «حكم المباراة» الذي يستعجل صافرة النهاية لتفرغه للصراع الأكبر مع الصين.
على إيقاع هذا المشهد البصري بكامل هيئته، أكملت الحرب الأوكرانية عامها الرابع لتدخل مرحلة حرجة تتجاوز في تعقيدها مجرد المواجهة العسكرية الميدانية.
يواجه صانع القرار في كييف اليوم واقعاً يفرض عليه موازنة مستحيلة بين الحفاظ على السيادة الوطنية وبين استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية، التي وصلت إلى حدودها القصوى.
القراءة المتأنية للمعطيات الراهنة تشير إلى أن النزاع انتقل بالفعل من مرحلة المناورات الكبرى إلى حرب استنزاف شاملة تعتمد بشكل كلي على طاقة الطرفين لتحمل الأذى السايكولوجي والمادي طويل الأمد.
المعادلة الرقمية واختلال التوازن
تظل الأرقام هي الحاكم الفعلي لمسار هذه الحرب. تمتلك روسيا تفوقاً ديموغرافياً صريحاً، حيث يبلغ عدد سكانها أربعة أضعاف سكان أوكرانيا، مع اقتصاد يبلغ عشرة أضعاف الاقتصاد الأوكراني.
هذا التباين سمح لموسكو بتحمل خسائر بشرية تقدر، حسب تقارير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، بنحو مليوني إصابة بين قتيل وجريح، بما فيها أكثر من 300 ألف قتيل. في المقابل، تشير التقديرات إلى أن خسائر أوكرانيا تقترب من المليون إصابة، مع وصول عدد القتلى إلى ما لا يقل عن 150 ألف جندي غير المدنيين. يظهر العجز البشري كأكبر تهديد يواجه الجيش الأوكراني حالياً. تقلص عدد السكان من 36 مليوناً إلى 32 مليوناً بسبب الهجرة الواسعة. كما أن التقارير التي تتحدث عن وجود مليوني متهرب من الخدمة العسكرية و200 ألف جندي غائبين دون إذن رسمي تعكس حالة الإجهاد الاجتماعي العميقة.
إن استمرار القتال في العام الخامس يتطلب تدفقاً مستمراً للمقاتلين، وهو أمر بات يمثل معضلة بنيوية تتجاوز توفر السلاح.
التكنولوجيا والتبعية اللوجستية
لعبت التكنولوجيا دوراً محورياً في موازنة الكفة العسكرية لصالح الدفاع. مكنت منظومات «ستارلينك» وطائرات «الدرون» الرخيصة التكلفة القوات الأوكرانية من صد الهجمات الروسية المكثفة، وتحويل مساحات واسعة من الجبهة إلى مناطق ثابتة يصعب اختراقها.
ومع ذلك، نجحت روسيا في تكييف صناعاتها العسكرية لتنتج أربعة أضعاف ما ينتجه حلف الناتو من الذخائر التقليدية، مما أعطاها الأفضلية في القصف المدفعي المستمر.
تعتمد القدرة الأوكرانية على الصمود بشكل مطلق على الدعم الغربي، حيث يبلغ حجم الاقتصاد الأوروبي عشرة أضعاف الاقتصاد الروسي، بينما يتجاوزه الاقتصاد الأمريكي خمسة عشر ضعفاً. هذا التفوق المالي هو الركيزة الوحيدة التي تمنع الانهيار الاقتصادي لكييف.
لكن، يظل التذبذب السياسي في كل من واشنطن وبودابست عامل خطر داهم. إن عرقلة المجر للقرض الأوروبي البالغ 90 مليار يورو، وتراجع وتيرة المساعدات الأمريكية بعد تغيير الإدارة، يضعان الحكومة الأوكرانية في موقف مالي مكشوف تماماً.
التحولات الجيوسياسية: عصر ترامب والواقعية الجديدة
أدى وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير كانون الثاني 2025 لتغيير جذري في قواعد اللعبة، إذ تتبنى الإدارة الأمريكية الجديدة نهجاً يركز على «إنهاء النزاع السريع» عبر الضغط على الطرفين لتقديم تنازلات، ويرى ترامب في روسيا شريكاً محتملاً في احتواء التهديد الصيني «الوجودي»، ما يدفعه نحو السعي لإبرام صفقة تجميد الصراع على خطوط التماس الحالية.
تتضمن الرؤية الأمريكية الجديدة منح روسيا السيطرة الفعلية على حوالي 20 في المئة من الأراضي الأوكرانية، مقابل ضمانات أمنية لكييف لا تشمل عضوية الناتو في المستقبل المنظور. يضع هذا التوجه الرئيس زيلينسكي في مواجهة مباشرة مع الرأي العام الداخلي. فرغم أن 69 في المئة من الأوكرانيين باتوا يؤيدون «نهاية تفاوضية» للحرب، وفقاً لاستطلاع معهد «غالوب» في يوليو/تموز 2025، إلا أن 75 في المئة منهم يرفضون التنازل رسمياً عن أراضي إقليم دونباس. هذا التناقض يفتح الباب أمام اضطرابات سياسية داخلية قد تستغلها القوى اليمينية المتطرفة التي ترى في أي اتفاق «خيانة» لدماء الضحايا.
تداعيات الطاقة والضغط المدني
استخدمت روسيا استراتيجية تدمير البنية التحتية للطاقة كسلاح لكسر الإرادة الشعبية. فقد شهد الشتاء الحالي هجمات صاروخية مكثفة تركت الملايين دون تدفئة أو كهرباء في درجات حرارة تحت الصفر.
يعكس هذا الوضع تكتيك «الجنرال شتاء» التاريخي الروسي، ويهدف إلى تحويل المدن الأوكرانية إلى مناطق غير صالحة للعيش، مما يزيد من ضغوط الهجرة نحو أوروبا ويحمّل ميزانية الدولة أعباء إضافية هائلة لإعادة الإعمار الطارئة.
المستقبل: سيناريوهات الحسم والتسوية
يقف العالم اليوم أمام مفترق طرق يشبه المرحلة التي سبقت الحرب العالمية الأولى من حيث إعادة تشكيل التحالفات. تحاول الولايات المتحدة فصل روسيا عن الصين عبر إغراء موسكو بالعودة إلى «نادي القوى الكبرى». وفي الوقت ذاته، تجد أوروبا نفسها في حالة انقسام بين رغبة بريطانيا ودول البلطيق في استمرار المواجهة، وبين براغماتية الإدارة الأمريكية الجديدة والتعنت المجري.
وهكذا، سيستمر تالياً الجمود الميداني مع مكاسب روسية طفيفة ومكلفة جداً، حيث تفقد روسيا حوالي 167 جندياً مقابل كل كيلومتر مربع من الأراضي الجديدة، فيما ستواجه أوكرانيا ضغوطاً دولية متزايدة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في ربيع 2026، كشرط لاستمرار تدفق المساعدات المالية.
ويظل سيناريو «تجميد الصراع»، الذي تقوله الفضاءات الإعلامية – مباشرة حيناً ومواربة أحياناً – هو الأرجح، حيث يتم قبول واقع السيطرة الروسية دون اعتراف قانوني دولي، مع نشر قوات مراقبة أوروبية لضمان وقف إطلاق النار.
لقد أثبتت أوكرانيا، مدعومة بمدد غربي مستمر، قدرة استثنائية على الصمود لأربع سنوات، محطمة أوهام السقوط الخاطف. لكن خلف واجهات الصمود المُعلن على منابر الشاشات، تتبدل ملامح المعركة في عامها الخامس؛ فالميدان الذي كان مسرحاً للشجاعة المحضة، استحال اليوم ساحة لصراع الموارد الجافة والإرادات السياسية المتقلبة. ويدرك الجميع اليوم، أن «السلام» بات يمر عبر بوابة الاعتراف بالحقائق الميدانية القاسية والديموغرافيا الجريحة.
تتطلب اللحظة من كييف وحلفائها شجاعة من قماشة مغايرة؛ شجاعة تقبل «الحقائق الجديدة» على الأرض مع الإصرار على انتزاع أقصى الضمانات الأمنية، التي تحول دون عودة الغزو.
إن التسوية الدبلوماسية، رغم آلامها ومرارتها، طوق نجاة أخير يحمي روح الأمة الأوكرانية من الفناء الكامل، ويظل ثمن التنازل السياسي، مهما عظم، أقل كلفة من ضياع جيل كامل في أتون صراع قد يمتد لسنوات كثيرة دون أفق واضح.
إعلامية وكاتبة من لبنان
الحرب الأوكرانية: خريف الأيديولوجيا… ربيع الواقعية
اشتريتم البروباغاندا؟ كلوها إذن
في الكتابة عن الآخرين: مَن يملك الحياة
اقبال كبير لحضور فعاليات أماسي رمضان في السلط
زيلينسكي يكشف الموعد المحتمل لعقد الاجتماع الثلاثي القادم
السفير البريطاني يعلن تحديثات على آلية طلب التأشيرة للمملكة المتحدة
عراقجي: جولة المفاوضات مع واشنطن كانت الأكثر جدية منذ سنوات
إتلاف كميات من الموز والبطاطا غير الصالحة للاستهلاك في إربد
منخفض جوي من الدرجة الأولى يبدأ بالتأثير على شمال المملكة
وزير خارجية عُمان: تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية الإيرانية
المصري: المياه الوطنية ضرورة استراتيجية للأردن
المنتخب الوطني لكرة السلة يستعد لمواجهة إيران في التصفيات الآسيوية
نتائج فرز طلبات الإعلان المفتوح لوظائف بالصحة .. رابط
شاشة عرض منزلية ذكية جديدة تتميز بلوحة دائرية مقاس 7 بوصات
واتساب يختبر واجهة جديدة تضع الحالة في الواجهة
الذهب يلمع محلياً وعيار 21 يتجاوز الـ 103 دنانير
إيران وأمريكا والاحتلال ورابعهم الخداع والخوف
نجاة نائب أردني من حادث سير أليم بعمّان .. صورة
أشخاص وشركات عليهم ذمم مالية - أسماء
زيت تونسي بأسعار تفضيلية .. مهم للمتقاعدين العسكريين
فتح القبول المباشر في جامعات وكليات رسمية .. أسماء
صمت واشنطن… حين يتحوّل التواطؤ إلى شراكة في الجريمة
بعد معاناة .. مواطنون يطالبون بحصتهم من زيت الزيتون .. ما القصة
المغامسي إماما وخطيبا في المسجد النبوي
