لبنان: ما الذي تعنيه المفاوضات تحت النار

لبنان: ما الذي تعنيه المفاوضات تحت النار

14-04-2026 12:17 AM

يبدو لبنان اليوم على مفترق طرق مجهول، في ظل هجمات إسرائيلية جوية وبرية متواصلة طالت كل البلاد، يرافقها توغل للقوات الإسرائيلية في الجنوب، يروم العدو منها رسم حدود جديدة على طول نهر الليطاني، بما يشكل نسبة عشرة في المئة تقريبا من مساحة لبنان. وفي الوقت الذي أنتجت فيه هذه الهجمات الآلاف من القتلى والجرحى والمُهجّرين من المدنيين، يواصل حزب الله قصف المدن والقرى في فلسطين المحتلة، قائلا إنه يستهدف قواعد عسكرية ومنشآت صناعية إسرائيلية، في عملية الثأر لدماء المرشد الأعلى الإيراني، على الرغم من أن النظام الإيراني أوقف القتال وذهب للتفاوض مع أمريكا (الشيطان الأكبر) في باكستان.
في غمرة هذا المشهد الكارثي والدماء التي تسيل، تتواصل الاستعدادات لمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، بدأت تباشيرها نهاية الأسبوع المنصرم، بعد أن أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، موافقته على مقترح للحكومة اللبنانية، أعلنت عنه بعد بداية الحرب، مع حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله. لكن تبدو خيارات الحكومة اللبنانية محدودة جدا وسط هذا المشهد. فهي تكاد تكون مُجبرة على السير في هذا الطريق، الذي يعدّه البعض بأنه سيكون رضوخا للمطالب الإسرائيلية لا محالة، في ما يتعلق بالمفاوضات.
الحالة تشي بشكل واضح بأن هناك تفويضا أمريكيا لإسرائيل، على أن تُقدم على ما تشاء أن تُقدم عليه في لبنان، يقابله تعنت من جانب حزب الله، الذي يدير معركة هي أساسا خاسرة، بعد أن ورّط نفسه وورط كل لبنان معه، وانصاع لأوامر طهران، الذين لم يرمش لهم جفن أمام ما يتعرض له لبنان كله وحاضن ذراعها. لكن الحزب يعتقد بأنها معركة من الأفضل أن تقع، عسى أن تُربط بمحادثات باكستان، كي يطل في ما بعد على اللبنانيين قائلا، ها قد انتصرنا على العدو وأجبرناه على وقف القتال. فهل نحن بصدد تفويض أمريكي لإسرائيل أن تفعل ما تشاء في لبنان، كي تصل لاتفاق يحقق كل الأهداف والمطالب الإسرائيلية وهو خضوع لبنان؟ أم إن الإدارة الأمريكية تسعى لاتفاق متوازن يُنهي حالة العداء بين لبنان وإسرائيل في المرحلة القادمة، بما يحمل معه بعض الضغوط على إسرائيل؟ يقينا أن الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الإدارة الحالية، ليس متوقعا منها أن تأخذ موقفا متوازنا وعادلا ما بين لبنان وإسرائيل، فالانحياز إلى إسرائيل واضح في كلام الرئيس دونالد ترامب. ففي رده على سؤال، في ما إذا كان هناك ارتباط ما بين ما يحدث في لبنان، وإيران قال، أنا طلبت من نتنياهو أن يخفف من الضربات على لبنان. وقراءة هذا التصريح تعني بوضوح، أن استمروا، لكن بطريقة أخف. وهذا يشير إلى أن أهداف إسرائيل التي هي أهداف اليمين المتطرف فيها، هي الاستمرار في الهجوم على لبنان، وصولا إلى أن توطّن نفسها في الجنوب اللبناني. هذه هي النوايا الإسرائيلية. وعليه تبدو المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بلا معنى، لأن إسرائيل تعرف تماما أن المطالب بنزع سلاح حزب الله، شيء لا تستطيع هذه الحكومة القيام به، على الرغم من كل النوايا الحسنة التي تعلن عنها. لذلك من خلال تكثيف الهجمات على لبنان وليس فقط على حزب الله، فإن الهدف الإسرائيلي يصبح واضحا وهو، زعزعة السلم الأهلي ونشر الفوضى وربما حتى فرط عقد لبنان، بعد أن بات الحديث عن لبنان بأربعة كانتونات، واردا لدى بعض الأوساط اليوم، لكن ما هو الموقف الدولي مما يجري على الساحة اللبنانية؟ وهل يمكن لباريس أن تلعب دورا في هذه المسألة؟
يسمع اللبنانيون أصواتا من المجتمع الدولي، لكن من دون أفعال للأسف. نعم هنالك إجماع دولي وضغوط أوروبية تدعو للانتقال من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات، لكنها ما زالت قاصرة عن تثبيت شيء على أرض الواقع. رئيس الوزراء الإسباني حذّر مع عدد من قادة الدول الأوروبية، من خطورة الوضع في لبنان قائلا، لن نسمح بغزة ثانية في لبنان. أما موقف فرنسا التي هي الأقرب إلى لبنان فيقول، إنه لا يمكن للمفاوضات أن تنطلق وإسرائيل تقتل في عشر دقائق أكثر من 250 لبنانيا، كما حصل مؤخرا. كما يؤيدون تجريد حزب الله من سلاحه، وإدارة الأمور من قبل الحكومة اللبنانية، بطريقة تُضعف النفوذ الإيراني داخل لبنان، على اعتبار أن بقاء هذا النفوذ لا يمكن إلا أن يعيد الأمور إلى نقطة المنطلق. وهم يُعرّفون حزب الله بأنه ورقة تستخدمها طهران لممارسة القوة الناعمة في بعض الأحيان، ويحوّلونه إلى قوة خشنة في أحيان أخرى، وهذا لا يمكن إلا أن يساهم في زعزعة الاستقرار في لبنان والمنطقة، حسب قولهم. أيضا الفرنسيون يريدون العودة إلى الاتفاق المنصوص عليه في القرار الدولي 1701، الذي لم يتم تطبيقه ولم يستطع أحد فرضه لحد الآن. على اعتبار أنه السبيل الوحيد لإيجاد حل وسط ووقف إطلاق النار، لكن على الرغم من أن باريس تبدو هي الصوت الأعلى دوليا في الموضوع اللبناني، لكن عدم وجود إجماع وطني لبناني يشكل معضلة حقيقية.
إن قراءة المشهد اللبناني بتمعّن يشير إلى، إن الدولة اللبنانية ليست هي العنصر الوحيد الذي يملك زمام الأمور، فهنالك الطرف الأساسي وهو حزب الله وسلاحه، الذي اتفق الجميع على نزعه، لكن المعضلة الأساسية هي عدم مقدرة الدولة اللبنانية على القيام بذلك. كما ليس لديها الإمكانية لا عن طرق الجيش ولا عبر الوسائل السياسية. بالتالي يبدو هذا السلاح في المسألة اللبنانية هو ورقة ضغط تفاوضية تلعب بها طهران، كما تفعل ذلك اليوم في محادثات باكستان. من الناحية الأخرى تريد إسرائيل تثبيت المعادلة الموجودة على الأرض. بمعنى أنها تقصف بأقصى حد ولا تريد التراجع، فهل الحال يربط مستقبل لبنان ليس بنتائج المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، بل بنتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية، سلما أو حربا، بسبب الخلافات بين الحكومة اللبنانية وحزب الله، حول أولويات الدولة اللبنانية في زمن القوة المطلقة؟
إن الهدف اليوم بات القضاء على لبنان، لذلك الحكمة أصبحت مطلوبة لبنانيا، ولكن لا يبدو أن هذه الحكمة متوفرة للأسف، ولا بد لبعض الحكماء أن يتدخلوا، لانه لا الحكومة اللبنانية قادرة على أن تتحدث مع كل الأطراف اللبنانية، ولا حزب الله قادر على الكف عن التعنت بهذا الشكل، والتصرف وكأنه لا يزال قادرا على العودة الى المعادلة السابقة للحرب التي قامت. إذن لا بد من عقلاء وحكماء للتوصل الى صيغة لبنانية توافقية.

كاتب عراقي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد