التراكم «التخويني» ومجتمعات المكابرة

التراكم «التخويني» ومجتمعات المكابرة

30-05-2026 03:18 AM

يستهلك «التخوين» الكثير من المجهود الاحتكاكي بين الناس في مجتمعات عديدة. يحولها إلى مجتمع الاشتباه وسوء الظن بالآخرين ليلا نهارا.
تحاشيا للاستهدافات التخوينية يستشري الرياء، ولا يعود من يخوّن يعرف صدقاً ما الذي يريده ممن يخوّنهم، أن يصدقوه قولاً أو أن يرددوا على مسمعه ما يقوله هو وهو عالم علم اليقين أنه ليس ما به يشعرون، وأنه لأجل ذلك ينبغي أن يظل مواظبا على تمارين التخوين، لأي كان، وكيفما كان. بين ليلة وضحاها يتحول المدمن إلى التخوين الى مشروع كذاب أبدي. حرفته هي التخوين لا شيء آخر. التخوين حقيقته وعقيدته ومورد رزقه وحالته النفسية الدائمة.
بيد أن التخوين هو الوجه الآخر لعجز مجتمعات بأسرها عن إدارة الاختلاف. صحيح، هو ظاهرة كونية، لا يخلو منها أي مجتمع، لكن الأمر يختلف بين حال لا تزال فيها القوانين والمؤسسات قادرة على استيعاب التنوع السياسي والثقافي وبين حال تتراجع فيه هذه القدرة الاستيعابية أو تتبعثر. في أمريكا مثلا، رأينا في السنوات الأخيرة كيف اتخذت المناوشات بين الديمقراطيين والجمهوريين أبعاداِ تخوينية. هذا يتهم ذاك بالعمالة لروسيا وذاك يتهم هذا بإفساد أمريكا من الداخل. لكن منسوب التخوين أبعد من أن يتحول الى نظام تشغيل اجتماعي شامل. يُعزل ويُخوّن الأكاديميون والمثقفون الذين يطرحون آراءً تخالف السرديات المهيمنة، لكن المكارثية «المجتمعية – الرقمية» يقلل منها توزع وسائل الإعلام ومراكز القوة، إن خونتك قبيلة «المحافظين» ستجد ملاذك في قبيلة «اليسار الليبرالي»، والعكس صحيح، ما يخلق ضرباً من التوازن القسري. لم تكن هذه المكارثية إبان الحرب الباردة، حين كان الاتهام بالشيوعية هو بحد ذاته إدانة، وحين تحول الأصدقاء إلى مخبرين، وسط تشجيع رسمي على الإبلاغ عن أي سلوك «غير أمريكي، وإجبار الملايين من الموظفين والمعلمين والعلماء على قسم الولاء… والبراء من الفكر الشيوعي.
لا يقلل ذلك من مؤشرات التدهور في مستوى الديمقراطية الأمريكية، ولا من خطورة بنى وآليات ومظاهر «تسليح كل شيء» من ناحية، واستهتار النزعات الشعبوية بالعقل النقدي والفضاء العمومي والمجتمع المفتوح وقيم الكونية في عموم المجتمعات الغربية، لكن ما هو حاصل بتراكم تخويني مثابر يمتد لأكثر من قرن في الزمن، في مجتمعات المشرق العربي أو في مدى جيو-حضاري كالهند، أمره يختلف. هنا، تاريخ التخوين ممتد ومتوغل إلى درجة لا يستقيم تاريخ للتفكير السياسي في هذه البلدان على قاعدة إغفال محوريته. العقل التخويني هو عدو وجودي للعقل في هذه البلدان. ولا يلغي هنا الاختلاف بين نموذج هندي له ضوابطه الدستورية والقانونية وأثر المشرب الليبرالي الإمبراطوري البريطاني عليه، فضلا عن تراث روحي ثقافي مهموم أكثر بضبط الانفعال، وربط القول بالفعل، وبين نماذج مشرقية عربية، ليس التساوق بين الأقوال والأفعال ما يغريها من الأساس.
في الهند، ليس بالوسع القول إن التشكيل الواسع الذي تصدّر الحركة الوطنية من أجل الاستقلال، عنينا حزب المؤتمر، قد مارس التخوين المنهجي، وإن عج تاريخ هذا الحزب بنوبات من التخوين الداخلية وبلحظات تخوينية لأخصامه. التخوينيون أكثر، كانوا تحديدا أخصامه من جماعة القومية الدينية، الهندوتفا. مثلا، بالنسبة الى سردية حزب المؤتمر، قاتل غاندي ناتورام غودسه مجرم متطرف، هذه تكفي، بل مجرم متطرف جسد بفعلته خطاب تحريض وتخوين. لكن في السردية المقابلة، غودسيه بطل وغاندي خائن تسبب بانقسام الهند ويتسبب باستمرار فصلها عن الهندوسية. يمكن مقارنة هذا النموذج مع إسرائيل في أيام ديفيد بن غوريون. لم يكن يخون اليمين، لكنه ما كان يطيق سماع اسم مناحيم بيغن، كان يعتبر بيغن وأمثالهم متورطين بقتل أورلوزروف عام 1933. بن غوريون – بعد قيام الدولة – كان ينظر للأمر من زاوية «الخروج عن سلطة الدولة والقانون» (مثل حادثة السفينة ألتالينا). من كان يخون الآخر في المقابل، كان بيغن. لكنه ما كان بمستطاعه تخوين بن غوريون، وإنما أورلوزوروف، ولاحقا خون نفس الخط إسحق رابين وقتله. رصاصة مبرمجة على أن التنازل السياسي هو خيانة وجودية.
الأمر يختلف منذ تحول حزب بهارتيا جاناثا الى حزب حاكم لفترة طويلة – منذ 2014. بات توصيف «مناهض للوطن» يُطلق على كل من ينتقد سياسات الحكومة، أو يدافع عن حقوق الأقليات، أو يشكك في القرارات العسكرية. ومعه تهمة الانتماء إلى «عصابة تقطيع أوصال الهند». يجري استهداف بفئات واسعة كالمسلمين، بهذا النهج التخويني. يتهمون بالتآمر الديموغرافي والانحياز لباكستان. أو تستهدف الأنتلجنتسيا التقدمية بالتخوين، كمثل الحملات على جماعة «جواهر لال نهرو» واعتبار أن هناك عقيدة هدامة، «الماركسية الثقافية» تحرك الليبراليين واليساريين الراديكاليين معا.
على خطورة كل هذا، فالإطار الدستوري لم يسمح بعد بالتخوينية المنهجية من حذف كل العراقيل بوجهها في الهند، هذا بخلاف أزيد من قرن من التراكم التخويني في ثقافات المشرق العربي. هنا التخوين يرث بعضه بعضا. التخوين على أساس الأجندة الإسلاموية يرث التخوين على أساس الأجندة القومية العربية. يقترن هذا أكثر فأكثر في «عصر الممانعة» مع اجتماع أقصى الانتصاروية بأقصى المظلومية. وبما أن المؤامرة محيطة من كل جانب، فإن التخوين يصبح واجباً حمائياً واستباقياً، وبدلا من الانطلاق من مواجهة الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، يتمحور السجال حول «النوايا». كل هذا من دون أن يجري إلى عمر هذا التخوين، من أيام «سايكس بيكو» والى اليوم، وعن حصيلته الإجمالية: المزيد من الهزائم، والمزيد من المكابرات. والحال هذه، لا يقتصر الأمر على فهم التخوين كصورة عن مجتمع مصدوم، أو عن مجتمع عاجز على حل الأزمات والاختلافات. بل هو مصنع الهزائم بامتياز، حالما يتحول الانفصال عن الواقع إلى معيار للصدق … الكاذب.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد