عين المريسة

عين المريسة

28-05-2026 05:10 PM

في عين المريسة، لا يبدو الدمار مجرّد صورة عابرة في نشرة أخبار.
هناك شيء أعمق بكثير من الإسمنت المكسور والواجهات المحطّمة.
هناك مدينة كاملة تحاول أن تتعرّف إلى نفسها بعدما استيقظت فجأة على صوت الانفجار.
في أوائل أبريل/نيسان، حين ضربت إسرائيل بيروت، لم تكن القذائف تسقط على الأبنية فقط… لقد سقطت على حياة كاملة كانت تمشي بهدوء داخل التفاصيل اليومية.. على الأمان الذي اعتقد الناس أنه سيبقى دائماً، وعلى العادات الصغيرة التي لم يكن أحد يدرك أنها جزء من معنى الحياة نفسه.
بدت ديما، شابة لبنانية ولدت وعاشت في تلك الأرض، كأنها تمشي داخل ذاكرتها الشخصية لا بين الركام فقط.
لم تكن تنظر إلى الحجارة بقدر ما كانت تنظر إلى عمر كامل عاش هنا.. كانت تنظر إلى السنوات التي مرّت في هذا الشارع، إلى الأبواب التي فتحت وأغلقت آلاف المرات، إلى الضحكات التي خرجت من الشرفات، وإلى الروائح التي كانت تجعل الإنسان يشعر بأنه وصل إلى البيت حتى قبل أن يدخل إليه.
قالت إنها كانت تعود من العمل كل يوم، تركن سيارتها في المكان نفسه، ثم تصعد إلى منزلها وتشمّ رائحته.
توقفت كثيراً عند هذه العبارة، لأن الإنسان لا يدرك عظمة الأشياء البسيطة إلا حين يفقدها.
لا أحد يتخيّل أن رائحة البيت قد تصبح يوماً ذكرى موجعة، ولا أن الطريق الذي يسلكه يومياً يمكن أن يتحوّل فجأة إلى مكان غريب يشبه نهاية العالم.
الحروب لا تسرق المباني فقط، إنما تسرق العلاقة الطبيعية مع الحياة.
تجعل الإنسان يحنّ إلى تفاصيل كان يمرّ بها من دون أن ينتبه إليها… مكان ركن السيارة، صوت المصعد، تحية الجيران، خطوات العودة مساءً، والشعور البسيط بالأمان حين يغلق باب منزله خلفه.
في عين المريسة، لم يكن الركام مجرّد حجارة… هو بقايا حياة كاملة.. هو صورة عائلية مرمية بين الغبار.. هو كتب أطفال… وثياب نجت بأعجوبة… وأشياء صغيرة جداً لا قيمة مادية لها… لكنها تحمل أعماراً كاملة داخلها.
قالت ديما إن أخاها وجد بعض الصور والثياب.
كم تبدو هذه الجملة قاسية.
كيف يتحوّل الإنسان بعد الحرب إلى شخص يفرح لأنه وجد صورة؟
كيف تصبح قطعة قماش نجت من القصف أشبه بمعجزة؟
الحروب تغيّر حتى معنى الأشياء، وتجعل أبسط الذكريات كنوزاً لا تقدَّر بثمن.
وفي أحد أكثر المشاهد وجعاً، تحدّث التقرير عن أكثر من أربعة وعشرين شهيداً سقطوا في المبنى، غالبيتهم أطفال.
هنا يصبح الكلام أصغر من الوجع.
فالأطفال لا يفهمون الحروب، ولا السياسة، ولا الخرائط، ولا التوازنات العسكرية.
الأطفال يعرفون شيئاً واحداً فقط… يعرفون أن البيت هو المكان الذي يجب أن يكون آمناً.
وحين يصبح البيت نفسه مكاناً للموت، يتغيّر شيء عميق جداً داخل الإنسان.
ربما لهذا بدا المشهد كله وكأنه ليس مجرد تقرير صحافي، إنما مرثية لذاكرة كاملة… مرثية لمدينة كانت تحاول أن تعيش رغم التعب، ثم وجدت نفسها فجأة واقفة أمام خسارة لا تقاس بالأرقام.
في عين المريسة، ما زالت بعض الأبنية واقفة، لكنها من الداخل تشبه الأرواح المتعبة.. شرفات مكسورة، نوافذ مفتوحة على الفراغ، وجدران تحمل آثار الانفجار كأنها جروح لم تلتئم بعد.
ومع ذلك، يبقى في لبنان دائماً شيء يرفض الموت بالكامل.
حتى وسط الركام، ما زال الناس يعودون إلى شوارعهم، يمشون بين الحجارة ويحاولون التعرّف إلى الأماكن، يفتشون عن صورة، عن غرض قديم، عن تفصيل صغير يثبت لهم أن حياتهم كانت هنا فعلاً.
ربما لهذا قالت ديما جملة تختصر الكارثة كلها: إنها خسرت “العادة اليومية”.
وهذه العبارة وحدها تكفي لفهم حجم الفقد.
فالإنسان لا يعيش فقط على الأحلام الكبيرة، إنما يعيش أيضاً على عاداته الصغيرة، على الروتين الذي يمنحه شعور الاستمرار. وحين تنكسر هذه العادات فجأة، يشعر كأنه فقد جزءاً من هويته.
نعم قد يعاد بناء المبنى يوماً.
قد تأتي شركات الإعمار، وتطلَى الجدران، وتعود الشرفات أجمل مما كانت.
لكن هناك أشياء لا ترمّم بسهولة.
لا أحد يستطيع إعادة السنوات القديمة، ولا النسخة نفسها من الحياة.
لا أحد يستطيع إعادة الضحكات التي مرّت هنا، ولا الأرواح التي غابت، ولا الأطفال الذين كانوا يركضون في الممرات ثم اختفوا فجأة تحت الركام.
الحرب قاسية لأنها لا تقتل البشر فقط، بل تقتل الإحساس الطبيعي بالعالم.
تجعل الإنسان خائفاً حتى من الأشياء التي كانت تمنحه الطمأنينة، وتحوّل البيت، الذي خلق ليكون ملاذاً، إلى ذكرى مؤلمة.
نحن اليوم في أواخر مايو/آيار.
مرّت أسابيع فقط على القصف الذي ضرب بيروت، لكن بعض الخسارات لا تدخل الزمن الطبيعي أبداً. تبقى معلّقة داخل الروح، كأن الانفجار حدث قبل دقائق.
وعين المريسة اليوم ليست مجرد حي متضرّر في بيروت… هي صورة عن مدينة كاملة تحاول أن تجمع نفسها من جديد… مدينة متعبة، موجوعة، لكنها ما زالت، بطريقة مؤلمة وجميلة، تقاوم فكرة الانكسار الكامل.
ربما لهذا يبدو اللبنانيون دائماً وكأنهم يعيشون بين شيئين متناقضين: الحزن العميق… والقدرة الغريبة على الوقوف من جديد.
ففي هذا البلد، حتى الركام يحمل ذاكرة.
وحتى الأماكن المهدّمة، تبقى مليئة بأصحابها، بخطواتهم، بأصواتهم، وبالحياة التي مرّت من هنا ذات يوم… ثم غابت فجأة.

امرأة عمرها قرن… ترفض مغادرة ذاكرتها

في هذا العمر، لا يعود البيت مجرد مكان للسكن. يصبح امتداداً للروح نفسها.
هذه السيدة التي تجاوز عمرها المئة عام، لم تكن تتحدث عن جدران حين رفضت مغادرة منزلها رغم القصف.
كانت تتحدث عن حياة كاملة استقرت هنا، عن قرن تقريباً من الأيام التي مرّت داخل هذا المكان، حتى صار جزءاً من تكوينها الإنساني. في وجهها بدا الزمن كله حاضراً.
وجه يعرف الحروب القديمة، والانكسارات التي مرّ بها لبنان جيلاً بعد جيل، لكنه ما زال يحتفظ بذلك التعلّق الهادئ بالحياة.
حين يكبر الإنسان، تتغيّر علاقته بالعالم.
لا يعود المستقبل هو ما يربطه بالحياة بقدر ما تربطه الذاكرة.
تصبح التفاصيل الصغيرة جزءاً من الهوية: زاوية الجلوس المعتادة، الضوء الذي يدخل من النافذة صباحاً، صوت الحي، والأشياء التي تبدو عادية للآخرين لكنها تختصر عمراً كاملاً بالنسبة له.
لهذا يبدو النزوح أكثر قسوة على كبار السن.
ففكرة “البداية الجديدة” التي قد تبدو ممكنة للآخرين، تتحوّل في هذا العمر إلى اقتلاع داخلي مؤلم.
كيف يمكن لامرأة عاشت أكثر من قرن في المكان نفسه أن تشعر بأن العالم ما زال يشبهها بعد أن تترك بيتها؟
في المشهد، لم تكن تبدو غاضبة أو منهارة.
كانت تبدو متجذّرة.
كأنها تقول بصمت إن الإنسان لا يترك بسهولة المكان الذي خبّأ فيه عمره كله.
الحروب لا تدمّر الأبنية فقط، بل تدفع البشر إلى مواجهة أسئلة قاسية: إلى أين يذهب الإنسان حين يصبح بيته خطراً؟
وكيف يخلع ذاكرته عن الجدران التي عاش بينها كل هذه السنوات؟
ربما لهذا بدا الكرسي الذي جلست عليه أهم من أي شيء آخر في الصورة.
امرأة مسنّة جداً تجلس بهدوء وسط الخوف، كأنها آخر شاهد حي على زمن كامل يختفي ببطء.
في لبنان تحديداً، لا تشبه البيوت أي مكان آخر.
فالناس هنا لا يسكنون داخل منازلهم فقط، إنما داخل تاريخهم الشخصي أيضاً.
كل بيت، كما في مكان،يحمل طبقات من الحكايات، من الوجوه التي مرّت، ومن السنوات التي عبرت بين الحرب والحياة اليومية.
ولهذا، حين يهدَّد منزل، يشعر الإنسان كأن جزءاً من ذاكرته أصبح مهدَّداً معه.
الأكثر وجعاً أن هذه السيدة ليست استثناء.
خلف كل نافذة متضرّرة في لبنان، هناك حكاية مشابهة. رجل عجوز يتمسّك بشرفته، أم تخشى على صور أولادها، وعائلات تحاول أن تبدو قوية فيما التعب يسكن أعماقها.
ومع ذلك، يبقى في اللبنانيين شيء يصعب تفسيره بالكامل. هذا التعلّق العنيد بالحياة.
كأنهم كلما اقتربوا من الخسارة، ازدادوا تمسّكاً بالأماكن التي صنعت ذاكرتهم.
هذه المرأة التي تجاوزت المئة عام لا تبدو فقط امرأة ناجية من القصف.
إنها ذاكرة مدينة كاملة ما زالت ترفض أن تغادر نفسها.

*كاتبة لبنانية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد