حكايةُ اللوزي… حين يمرُّ الرجال وتبقى الهيبة

حكايةُ اللوزي… حين يمرُّ الرجال وتبقى الهيبة

13-04-2026 11:52 PM

جلبةٌ في الأغوار. رجالٌ يتهامسون عند طرف السيل، ووجوهٌ تعرف الخبر قبل أن يُقال.

قالوا: “أبو صالح في الديرة”.
الشيخ مفلح اللوزي عاد من سفر العمر، يحمل في خطاه سيرةً أثقل من الكلام.
حضوره مثل ظل نخلةٍ في تموز… يسبق بردها رؤيتها.

مفلح اللوزي… اسمٌ إذا ذُكر اعتدل المجلس. واحد من رجال الأردن الذين تركوا أثرًا يشبه نقشًا على حجرٍ لا تمحوه السنون.

دخل السياسة من بابها الواسع، نائبًا بين الناس، ووجهًا من وجوه البادية، وركنًا في مجلس الأعيان والمجلس الوطني، وحاضرًا في أمانة عمّان، في كل مقامٍ يحتاج رجلًا يعرف وزن الكلمة قبل أن ينطق بها.

وكان، فوق ذلك كله، شيخًا يعرف متى يلين ومتى يشتد. إذا حضر الصلح هدأت النفوس، وإذا اشتبك الخلاف قيل: “هاتوا أبو صالح”، وكأن الحكاية وصلت إلى خاتمتها.

يُروى أن بيته في الجبيهة ظل مفتوحًا. القهوة حاضرة، والباب مشرع، والوجه بشوش. يدخل الغريب قبل القريب، ويخرج محمّلًا بشيء من طيبة الرجل.

لا يعدّ المعروف ولا يحسبه، يعطي وكأنه يؤدي حقًا عليه. هكذا كانت سجايا الرجال… وهكذا كان.

في مواسم الخير كان حاضرًا، وفي الشدّة كان موقفه واضحًا. لا يكتفي بالكلام، يمشي بين الناس، يزور، يسمع، يصلح، ويقرّب المسافات. رجلٌ يزرع أثره بين القلوب، لا على الورق.

ومن عاصر تلك الأيام يعرف أن اسمه يسبقه، كسمعةٍ لا تحتاج تعريفًا.

ومضت الأعوام… وتعب الجسد الذي حمل الكثير. رحل أبو صالح بهدوء الكبار، بعد عمرٍ طويل، تاركًا سيرةً تُروى، وأبناءً حملوا اسمه في مواقعهم، كأن الرجل توزّع فيهم ولم يغب.

المهم… أن مفلح اللوزي، أو ما تبقّى من صداه في الذاكرة، ما زال حاضرًا. في حديث الكبار، في قصص الصلح، في رائحة القهوة، وفي كل مجلسٍ يُذكر فيه الرجال.

قال أحدهم: “هذا الرجل لو مر مية سنة يظل ينذكر بكل مجلس….”

وصدق.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد