«أصل الأنواع»… داروين في المنيَل
13-04-2026 12:36 AM
لنتخيل موتى يسيرون بأكفانهم إلى الوراء بين بشر أحياء غير مبالين ولا خائفين مما يرون، ورجال تساقطت شعور رؤوسهم وفقدوا أصابع أيديهم وأرجلهم ونساء فقدن أثداءهن، هذه الأجواء الجحيمية ليست من فيلم رعب هوليودي، بل من رواية «أصل الأنواع» للروائي المصري أحمد عبد اللطيف، الصادرة عن منشورات حياة 2025 والواصلة إلى القائمة القصيرة من الجائزة العالمية للرواية العربية.
وأول ما يستوقفنا التطابق المقصود لعنوان الرواية مع عنوان كتاب تشارلز داروين الشهير، وهو تطابق مقصود قامت عليه فكرة الرواية كما أكد ذلك – من دون مواربة – الكاتب في لقاء معه حين قال: «إذا كانت طبيعة الإنسان في النظرية الداروينية تقوم على «التخلي»، فلماذا لا أستعير «التخلي» أفقا لرواية تدور أحداثها في زمن يبدو فيه التخلي (عن الهوية، عن الأصل، عن الحب، عن الكلمة) هو العقد الضمني بين الأفراد، والتخلي الواضح بين السلطة والشعب، والتخلي المرعب عن موتانا وآثارهم؟». حتى في ثنايا روايته نجد إشارة صريحة إلى عنوان كتاب داروين مع تمييزه بالخط السميك فكتب «ما حدث لكل واحد منهم ليس إلا فروعا متشعبة من أصل الأنواع». وفي كلمات الاستهلال الثلاث التي افتتح بها روايته يختار كلمة من كتاب داروين عن غريزة الاستعباد، لتتجاور مع اقتباس من الجاحظ وآخر من بورخيس. فحضور داروين ليس عرضيا في رواية قائمة على قلب مسار التطور الدارويني، فتُجرد الإنسان من زوائده التي اكتسبها بالانتخاب الطبيعي، لتعطينا نسخة مسطحة منه بلا أطراف ولا شعر ولا عواطف وبحدٍّ أدنى بدائي من اللغة.
يتعمد أحمد عبد اللطيف أن يهيئنا لولوج نصه المتشح بالرماد، ذي الأجواء السوداوية بإهداء كتابه إلى موتاه لأنهم أحياء في قلبه، الموتى الذين هم شخصيات مركزية في الرواية، سواء في قبورهم أو وهم يطردون منها نتيجة التهيئة العمرانية الجديدة، فنجدهم هائمين في الشوارع أو عائدين إلى بيوت سكنوها وهم أحياء.
تبدأ رواية «أصل الأنواع» بحكاية رام وهو مهندس مدني يكلَّف بتنفيذ مخطط توسعة وتطوير لقسم من المدينة يستدعي هدم مقبرتها التي دفنت فيها زوجته، وأثناء استحمامه يلاحظ تساقط شعره من كل جسده حتى من حاجبيه، ثم تنقلنا الرواية إلى بتشان اللص سابقا، بائع الفواكه حاليا بعد أن عقد صفقة مع جهة عليا ليعمل مخبرا لديهم، ويتفاجأ هو أيضا بأنه فقد أصابعه وأصبحت يده قطعة واحدة ملساء. ومن دون رابط ينقلنا الراوي العليم إلى لاعب كرة قدم شهير وقائد المنتخب يدعى يحيى الحافي، يفقد بدوره أصابع رجليه وهو في الملعب استعدادا لمباراة مصيرية لفريقه. وأصحاب هذه القصص الثلاثة الذين يشتركون في فقد أحد أعضاء الجسم لا يجمع بينهم سوى مكان السكنى في منطقة المنيل في القاهرة، لكن ببراعة تحسب له يجمع أحمد عبد اللطيف خيوط السرد التي لا رابط لها ليضمها نسيج واحد، فبتشان عمل لفترة قصيرة في مكتب سمسرة تعرّف من خلاله على رام، وناريمان التي قضت ليلة في شقة رام تلتقي في صبيحة تلك الليلة صدفة ببتشان، حيث يتزوجها بعد ذلك.
أما فاتن أخت يحيى الحافي فتتعرف على رام حين جاءت لتعاين شقة له يعرضها للبيع. فيصبح رام الشخصية المحورية التي التقى من خلالها كل أبطال الرواية، هؤلاء الأبطال المعطوبين الذين يعانون من الفقد العاطفي المتفاقم بالفقد الجسدي نتيجة الضياع الوجودي المحيط بالإنسان، في زمن تحولات أسرع منه، لم يعط له الوقت الكافي لاستيعابها، كما وضح الروائي أنه كان وهو يكتب روايته منشغلا «بسؤالين رئيسيين يتعلقان بتحولات الإنسان المعاصر ومستقبله، إلى جانب التحولات العمرانية التي تشهدها المدن، وعلى رأسها القاهرة». والمدينة ليست خلفية لأحداث الرواية، بل هي شخصية أساسية، فيتماهى الجسد الإنساني بشكل المدينة حيث كان رام – مثلا- «يستعير الجسد لوصف المدينة، فهناك شوارع هي مفاصل المدينة، وحارات وأزقة هي أصابعها، وحين يقول هيا إلى سرة المدينة يقصد وسطها»، لذلك يبعث لنا الروائي رسالة مفادها، أن هدم القرافة لأجل توسعة عمرانية، ليس تطويرا للمدينة فإزالة مقابر تاريخية طمس للذاكرة نفسها وقطيعة مع تاريخها. فعمرانها نفسه صورة حجرية من بُناتها وساكنيها «فتصميم المدن المختلفة قد ينتج أنماطًا بشرية متباينة»، كما صرح الروائي. لذلك نجد أن «المهندس المسلم تفنن في تخطيط شوارع رئيسية واسعة تتشعب منها عشرات الشوارع الضيقة ليس توفيرا للمساحة والنظر إلى المستقبل فحسب، وإنما الأهم إدراكه لطبيعة طقس المدينة الحار فالشوارع الضيقة تمنع تسلل أشعة الشمس وتخلق نوعا من النسيم البارد». فإعادة هندسة المدينة هو تغيير لأرواح ساكنيها، وإذا كان هذا التغيير لا يراعي روحها وماضيها يَنتج عنه تشويه للبشر والحجر، يقود لا محالة إلى اغتراب مشابه لما شعر به رام في الرواية «المدينة لم تعد مدينة طفولته وشبابه، بل صارت أخرى غريبة، وهو نفسه من يساعد في غرابتها، وفي إخفاء معالمها، هو نفسه يد تمحو ذكرياته، وهو نفسه قدم تطأ وجهها بما تحمله من براءة وتيه».
هذا التفسخ في البشر نتيجة تساقط أطرافهم وشعورهم، وضمور أعضائهم التناسلية واختفاء أثداء النساء، يصاحبه جرف لمقبرة المدينة وطرد الأموات منها ليبقوا هائمين في الطرقات. كل هذا يتم في غفلة متعمدة من السلطة المشغولة بعيد ميلاد الرئيس الذي غطت أخباره على كل شيء عداه، حتى أصبحت مشاهدة مباراة للمنتخب في تصفيات كأس العالم «استراحة من خطب الرئيس وافتتاحات الرئيس وفيلم وثائقي عن الرئيس ومسلسل درامي عن الرئيس وكيف يواجه الأعداء، وأقوال من حكمته أو ضيوف يتحدثون عن أمجاد عصره»، وأصبح وصول الفريق القومي إلى كأس العالم من منجزات الحكومة. ويرسم لنا الروائي مفارقة ذات دلالة مهمة، ففي الوقت الذي يفقد فيه المواطن أصابع يديه مثل بتشان، أو أصابع رجليه كيحيى الحافي، نجد جماعة السلطة ومن يمثلها يتمتعون بأصابع مبالغ في طولها وضخامتها، فالحراس «كانت أصابعهم طويلة جدا، حتى تكاد كل إصبع أن تكون ثلاثا» والجندي يبلغ طول سبابته نصف متر، وجلال بيه رجل الأمن يمتاز أيضا بسبابة ضخمة مهولة. وحين يشتكي بتشان للمسؤول الأمني من فقدان أصابعه ويجيبه المسؤول بأنها إشاعة يقتنع المواطن المسكين بذلك «فليس معنى أن أصابعه اختفت أن هذه حقيقة، وإن كانت السلطة وهي تعرف أكثر من الجميع تقول إنها إشاعات فهي إشاعات»، ولكن هذا التصديق الأعمى للسلطة يختفي مع نهاية الرواية حين يبعث الموتى من قبورهم، ويعود رام بعد صلبه، فعندما تخبرهم السلطة أن رام قد توفي لا يصدقونها، فقد «كانت هذه في نهاية المطاف رواية السلطة، ولم يعد الناس يصدقون الميكروفونات».
ثيمات متعددة تناولها أحمد عبد اللطيف في روايته «أصل الأنواع» منها الحب المشوه غير المكتمل فكل شخصيات الرواية تعيش حبا معاقا بتعبير مظفر النواب، وحتى رام الموزع قلبه بين نيفين المتوفاة ومريم المبتعدة فقد القدرة على الحب «وغدا هو نفسه في عِداد الموتى»، رغم أنه بحث عن هذا الحب في صور نسائية متعددة «ففي لحظة هيئ له أن نيفين ومريم وفاتن المرأة نفسها بوجوه مختلفة، وربما المرأة نفسها في مراحل مختلفة من حياتها». وكذلك الحال مع بتشان الذي أحب امرأة تزوجته طمعا في الاستقرار لا لذاته، ما يوصلنا إلى فكرة أن الحب الكامل مجرد وهم فـ»وجود الحب لا يعني اكتماله وأن ثمة حبا يبقى كرضيع لا ينمو إلا في خلق بيئة له يؤسسها العقل».
استلهم أحمد عبد اللطيف تقسيم نصه من أسبوع الآلام في التراث المسيحي فقسمه إلى ثمانية أقسام حسب أيام الأسبوع بدأها بأحد الزعف (أحد الشعانين) وأنهاها بأحد القيامة، وتحت كل قسم فصول رقمها بحروف الأبجدية وحين أنهاها انتقل إلى الأرقام وبرر ذلك فنيا في فقرة من الرواية جاء فيها «كان يشعر في أعماقه أن لغته تهرب منه، وبالكاد يقبض على كلمات قليلة يتفوه بها، وبدا له أن الأرقام قد تكون اللغة المناسبة لمرحلته الجديدة»، فحين اضمحلت اللغة بعد المشاعر وتساقط الأعضاء لم تبق سوى الأرقام بديلا. لنكمل معها هذه الرواية التي جاءت في شكل نص سائل لا نقاط ولا فواصل فيه ولا بداية فقرات، بقصدية من المؤلف الذي اعتبر أن اللغة في روايته تخففت من زوائدها كما تخففت الأجساد من أطرافها في خط سير معاكس لنظرية أصل الأنواع عند داروين، ولا غرابة في ذلك حسب رأي الروائي فـ»لو تأملنا الواقع، لوجدناه أكثر غرابة من الغرابة ذاتها».
شاعرة وإعلامية من البحرين
انتهاء هدنة عيد الفصح بين روسيا وأوكرانيا رسميا
عراقجي يتهم واشنطن بتشدد وتغيير الأهداف قبيل توقيع "مذكرة إسلام آباد"
تصريح هام بشأن حصار الموانئ الإيرانية
«أصل الأنواع»… داروين في المنيَل
على تخوم مؤتمر برلين حول السودان
ستارمر وماكرون يشددان على ضرورة شمول لبنان بالهدنة
أمريكا المتناقضة: تُشعِل النيران… وتُوهمنا بإطفائها!
منظومة الأمن الوطني الأردني: نموذج استراتيجي للنجاح
مأساة في هايتي .. مصرع 30 شخصاً في تدافع بقلعة تاريخية
الأردن وسوريا: شراكة استراتيجية تعيد رسم توازنات الإقليم
القيادة المركزية الأميركية تعلن حصاراً على موانئ إيران ابتداءً من 13 أبريل
أوربان يعترف بهزيمته في الانتخابات
تعرف على فندق سيرينا الذي استضافة محادثات إيران في إسلام آباد
إربد: جناة يطعنون سائقاً ويضعونه في صندوق مركبته قبل أن يفروا
وزير الدفاع الباكستاني ينفجر غضباً .. وإسرائيليون يدعون إلى اغتياله
بدء مهاجمة محطات الكهرباء الإيرانية .. وطهران تهدد بإغراق المنطقة بالظلام .. فيديو
مقتل وزير الخارجية الايراني الأسبق كمال خرازي
تطورات بقضية استشهاد 3 من مرتبات إدارة مكافحة المخدرات
الصفدي: المفاوضات يجب أن تنتج تهدئة دائمة تعالج أسباب التوتر وتعزز الاستقرار
هذه المناطق على موعد مع أمطار غزيرة اليوم
بعد قانون إعدام الأسرى .. بن غفير يهدد زياش
واشنطن توافق على شرط إيراني مهم لأجل السلام
تنقلات وانتدابات واسعة في الجهاز القضائي .. أسماء
حرارة صيفية مبكرة تضرب عمان والأغوار والعقبة
الأمن: فيديو الاعتداء على شخص بصندوق مركبة مشهد تمثيلي
تحذير إيراني: المنطقة ستغرق في الظلام إذا استُهدفت البنية التحتية للطاقة
الهدنة على المحك .. إيران تتوعد بالانتقام وتلوّح بورقة النفط
المنطقة تقترب من الإنفجار الكبير مع انتهاء مهلة ترامب الليلة .. تطورات متسارعة
