أنا لا أحتاج إلى القانون الدولي

 أنا لا أحتاج إلى القانون الدولي

26-02-2026 03:59 PM

حين يضعف صوت القانون، يتحوّل العالم إلى سوقٍ مفتوحٍ للمصالح، وتُدار العلاقات بميزان الربح والخسارة، لا بميزان العدالة، هنا يتضخّم الإحساس بالقوة، وتعلو ألوهية الإنسان، فيتجرأ على أخيه، وتُختزل القيم إلى أرقام، وتغدو الكرامة بندا تفاوضيا. غير أن القانون والعدالة ليسا طرفا في صراع المصالح، بل شرط الوجود الإنساني ذاته؛ بهما انتقل البشر من الفوضى إلى المعنى، ومن الغريزة إلى المسؤولية. ومنذ اللحظة التي سُفك فيها أول دم على وجه الأرض، كان القانون، في جوهره، محاولة دائمة لإعادة التوازن بين القوة والحق، وبين الإنسان ونفسه قبل أن يكون بينه وبين غيره.
عُرفت في المخيال الأوروبي القديم كبقعةٍ بيضاء على حافة الخرائط؛ جزيرة بعيدة مترامية الأطراف، لكنها ذات موقعٍ يتحكّم بمفاصل القطب الشمالي. إنها غرينلاند، أكبر جزيرة على وجه الأرض؛ اسمٌ تصدّر العناوين في مستهل عام 2026، لا بوصفه خبرا عابرا، بل كمرآةٍ عكست هشاشة النظام المؤسسي الأممي بأسره. هناك، عند أطراف الجليد الصامت، انكشف ارتباك العالم، وتعرّت مؤسساته من يقينها.
تقع بين أمريكا الشمالية وأوروبا في المحيط المتجمد الشمالي، ورغم صغر عدد سكانها، غير أن وزنها الجيوسياسي يفوق بكثير حجمها الديمغرافي. وتتبع لمملكة الدنمارك قبل أن تنال حكما ذاتيا واسعا عام 1979، عُزّز بصلاحيات أكبر في 2009. تتولى كوبنهاغن شؤون الدفاع والسياسة الخارجية والمواطنة والعملة والسياسة النقدية، فيما يدير الإقليم شؤونه الداخلية. وبحكم عضوية الدنمارك في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن الحلف يُعدّ ملزما بالدفاع عنها ضمن منظومة الأمن الجماعي. ورغم أنها جزء قانوني من المملكة الدنماركية، إلا أنها انسحبت من الجماعة الأوروبية، عقب استفتاء عام 1985، وأصبحت ضمن فئة «الأقاليم والدول ما وراء البحار». وفي الداخل، يتصاعد تيار يرى أن المستقبل يكمن في الاستقلال الكامل. هكذا تقف غرينلاند عند تقاطع الجغرافيا والسياسة والثروة؛ جزيرة جليدية ظاهريا، لكنها في العمق أحد مفاتيح التوازنات الاستراتيجية والاقتصادية في القرن الحادي والعشرين. منذ القرن التاسع عشر، أولت الولايات المتحدة الأمريكية اهتماما استثنائيا بالجزيرة، وسعت في أكثر من مناسبة إلى شرائها، غير أن كوبنهاغن كانت تؤكد دائما أن الأرض ليست للبيع. هذا الاهتمام لم يكن اقتصاديا فحسب، بل استراتيجيا بالدرجة الأولى؛ إذ يرى باحثون ومؤسسات أمريكية، أن غرينلاند تمثل عنصرا حيويا في منظومة الأمن القومي الأمريكي. وقد وُصفت أحيانا بأنها «ثقب أمني» لاتساع سواحلها وصعوبة مراقبتها، ما يجعلها نقطة حساسة في معادلات الردع والإنذار المبكر.
يندرج هذا الاهتمام ضمن الرؤية التقليدية للسياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، حيث يعتبر بعض المنظّرين أن غرينلاند ينبغي أن تقع ضمن الامتداد العملي لمبدأ مونرو، الذي يرفض أي نفوذ استراتيجي لقوى منافسة في المجال القريب من الولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، لا تُرى الجزيرة كأرض بعيدة ومعزولة، بل كحلقة مركزية في قوس جغرافي يمتد من آلاسكا مرورا بكندا وغرينلاند وآيسلندا، وصولا إلى شمال النرويج؛ قوس تصفه وثائق دفاعية أمريكية بأنه خط الدفاع الأول في مواجهة أي تهديد صاروخي، أو بحري محتمل من الشمال.
عسكريا، تحتفظ الولايات المتحدة بوجود رسمي في الجزيرة، من خلال قاعدة «ثول» الجوية. وبموجب اتفاقيات 2004، تُعدّ القاعدة الموقع الوحيد المسموح للولايات المتحدة باستخدامه لأغراض الدفاع في غرينلاند. أعادت واشنطن في عام 2018 تنشيط الأسطول الثاني المسؤول عن شمال الأطلسي، وفي عام 2020 افتتحت القنصلية الأمريكية في غرينلاند، بالتوازي مع خطط لتعزيز أسطول كاسحات الجليد، في إشارة واضحة إلى تنامي اهتمامها بالقطب الشمالي بوصفه ساحة تنافس جيوسياسي متسارع. وتعاظمت أهميتها مع التحولات المناخية وذوبان الجليد، فتحوّل الفضاء النائي إلى ساحة تنافس دولي. فمع انكشاف مساحات واسعة من البحار، بدأت تلوح ممرات ملاحية جديدة، قد تعيد رسم خرائط التجارة العالمية، أبرزها «الممر البحري الشمالي». كما انكشفت احتياطات ضخمة من اليورانيوم والمعادن الأرضية النادرة، فضلا عن النفط والغاز، ما جعل استخراج الموارد الطبيعية أقل كلفة وأكثر جدوى اقتصادية. هذه المعادن تُعدّ ركيزة الصناعات التكنولوجية الحديثة، من الطاقة المتجددة إلى الإلكترونيات المتقدمة، حتى بات يُنظر إليها بوصفها «نفط العصر الرقمي». أصبح القطب الشمالي اليوم جزءا من معادلة الطاقة العالمية، ساحة للتنافس الدولي، ومرتعا للرهانات على طرق التجارة المستقبلية، ومسرحا لإعادة تموضع عسكري واستراتيجي واسع، تتقاطع عنده مصالح القوى العظمى، وتُقاس أهميته بميزان الطاقة والأمن والمستقبل.
تعدّ روسيا الدولة الأكثر حضورا فعليا في القطب الشمالي؛ لذلك أعادت فتح قواعد عسكرية قديمة، ونشرت أنظمة صاروخية متطورة، وعززت أسطولها من كاسحات الجليد النووية، في مسعى لتثبيت نفوذها وحماية طموحاتها في استغلال احتياطيات النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية. أما الصين، فتنظر إلى المنطقة من زاوية اقتصادية وتجارية، وتسعى إلى تطوير ما تسميه «طريق الحرير القطبي»، بوصفه مسارا بديلا للشحن العالمي، مدعوما باستثمارات كبيرة وشراكات واسعة. هكذا تتجاوز غرينلاند كونها بقعة جليدية على أطراف العالم، لتصبح عقدة أساسية في شبكة الأمن الأطلسي، ونقطة ارتكاز في توازنات القوى الكبرى في الشمال المتجمد. في هذا السياق، عادت واشنطن إلى تكثيف اهتمامها بالجزيرة؛ فمحاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شراءها لم تكن فكرة طارئة، بل تعبيرا صريحا مباشرا ـ وإن بدا فجا دبلوماسيا ـ عن توجه استراتيجي راسخ في دوائر التفكير الأمريكية. أثار التصريح موجة جدل سياسي ودبلوماسي واسعة؛ فقد وصفت رئيسة وزراء الدنمارك الطرح بأنه غير واقعي، مؤكدة أن سيادة الدول ليست موضوعا للصفقات. وفي غرينلاند نفسها، عبّر كثير من السكان عن موقف واضح: «لسنا للبيع ولسنا سلعة»، ورغم ترحيبهم بعلاقات متوازنة، وبإمكانية زيادة الوجود العسكري الأمريكي بالتنسيق مع كوبنهاغن، فإنهم شددوا على أن تقرير المصير ليس بندا تفاوضيا في سوق السياسة الدولية. غير أن الضجيج السياسي تصاعد بشكل لافت عقب تصريحات أشار فيها دونالد ترامب بلهجة حازمة: «سنفعل شيئا بشأن غرينلاند، سواء أحبوا ذلك أم لا»، ملوّحا بقوة الولايات المتحدة النووية، وأنه لا يستبعد استخدام قوته العسكرية إذا اقتضت الحاجة، وأن ما قد يردعه هو «اعتبار أخلاقي وعقلي» فحسب. وعندما طُرح عليه سؤال حول ما إذا كان هناك ما يمنعه قانونيا من استخدام قوته العالمية، جاءت إجابته بعبارة: «أنا لا أحتاج إلى القانون الدولي»، ليوقف أي تصرّف يرى أنه مناسب. قبل أن يعود لاحقا ليقول إنه ينوي الالتزام به، ولكن وفق تعريفه الخاص لماهية القانون الدولي، وأنه يعتبر نفسه حكما فيه.
هذه العبارة، مهما كان سياقها، كشفت صراعا بين إرادةٍ مطلقة والأعراف والالتزام المؤسسي، وأعادت طرح السؤال القديم عن حدود القانون أمام سطوة النفوذ. في المقابل، شدّدت كوبنهاغن على أن المساس بأراضيها مساسٌ بحلف شمال الأطلسي، الملزم بالدفاع عنها بموجب مادته الخامسة. وقد أماطت تصريحات ترامب اللثام عن شرخٍ عابرٍ للأطلسي، إذ قوبلت أطروحته برفضٍ أوروبي حازمٍ عبّر عن غضبٍ مكتوم، تجاه مقاربة أعادت إلى الأذهان منطق الصفقات في قضايا السيادة، مع تلويح الإدارة الأمريكية بأدوات تجارية ضاغطة، من بينها فرض رسوم جمركية على بعض الصادرات الأوروبية، في مشهدٍ عكس احتدام الصراع الجيوسياسي بين حسابات القوة ومقتضيات الشرعية الدولية. السؤال الأعمق هنا: أين تقف المؤسسات الدولية والقانون الدولي في خضم هذا السجال؟ حين يُطرح موضوع سيادة الدول بمنطق الصفقات، وحين يُختزل النظام الدولي في رؤية فردية ترى نفسها حكما على تعريف القانون، فإن المسألة لا تتعلق بجزيرة منسية في صقيع الشمال البعيد، بل بمفهوم النظام الدولي ذاته.
عبارة «لا أحتاج إلى القانون الدولي»، حتى إن قُدّمت في سياق جدلي أو أعقبها توضيح، لم تكن كلمات عابرة في مقابلة صحافية، بل تختصر تحولات كبرى في موازين الفكر السياسي، وتكشف عن أزمة أعمق: من مجرد خلاف حول جزيرة إلى مؤشر على مرحلة دولية تتراجع فيها هيبة المؤسسات الدولية والمرجعيات الجامعة أمام صعود منطق القوة والمصلحة. فالقانون الدولي لم يُنشأ ليكون خيارا انتقائيا، بل إطارا ناظما يمنع انزلاق العلاقات إلى منطق الغلبة الصرفة على حساب الأعراف والقواعد.
ويبقى التحدي الحقيقي: هل تستطيع المؤسسات الدولية استعادة فاعليتها وهيبتها، أم أن العالم يتجه نحو نظام تُعاد صياغته بقواعد القوة وحدها؟ هنا لا تكون الأزمة في الممرات البحرية، بل في فكرة القانون ذاتها، وفي السؤال الأبدي: هل تُقيّد الشرعية القوة، أم تعيد القوة تعريف الشرعية؟

كاتبة مصرية



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد