سقوط «الجيل زد» في هوَّة الإشباع والاستخدامات

سقوط «الجيل زد» في هوَّة الإشباع والاستخدامات

29-11-2025 03:07 PM

من الطقوس المثيرة للاهتمام فيما يسمى بحفل «السبوع» في مصر، أن الطفل بعد إتمامه أسبوعاً واحداً من العمر، يُقام له طقس رئيسي مُتوارث منذ آلاف السنين، وفيه تقوم سيدة جهورة الصوت في يدها أداة تحدث دويًّا قويًّا (غالبًا ما تكون هاون نحاسي) وتبدأ في إملاء الرضيع، الذي بدأت حواسه جميعًا تعمل بشكل طبيعي بعد تمام الأسبوع من عمره، بمن عليه اتِّباعهم، ومن يجب أن ينأى عنهم. وبالرغم من أن الطقس يبدو هزليًا ترفيهيًا، لكنه في حقيقة الأمر أعمق من هذا.
لقد تم تصميم هذا الطقس بحرفية بالغة، لدرجة أن جميع الأسس التي بُنيت عليها نظريات الإعلام في العصر الحديث قائمة على هذا الأساس. فكلَّما كان الطفل صغيرًا، سَهُل تشكيل اتجاهاته النفسية، كما لو كان قطعة من الصلصال. لكن، هل لا توجد جدوى من مُخاطبة طفل في المهد؟ الإجابة بالنفي. أثبت العلم الحديث أن ذاكرة الطفل تستوعب جميع المؤثرات الخارجية وتختزنها في اللاوعي (العقل الباطن) بداية من وجوده في رحم أمّه، وليس فقط منذ لحظة الميلاد. فلقد أثبتت الدراسات أن عقل الإنسان بالرغم مما يبدو عليه من قوَّة وتعقيد، فإنه مطواع ومن السهل إعادة تشكيله، وتكون العملية أسهل كلَّما بدأت إعادة التشكيل في مراحل مبكِّرة من العمر، ويا حبذا لو بدأ ذلك في طور الأجنَّة! لكن ما يضع جميع هذه الإملاءات حيز التنفيذ هو الدأب على تكرارها، حتى ولو كانت تخالف الأعراف المتَّبعة والأذواق السائدة.
وبالاستناد إلى تلك الحقائق المستوحاة من ممارسات فعلية وتم تجريبها على مدار، ليس فقط قرون، بل آلاف السنين، صيغت نظرية «الاستخدامات والإشباع» Uses and Gratification Theory، التي ظهرت في أربعينيات القرن الماضي، عندما لاحظ الباحثون مدى تعلُّق مستمعي الراديو ببرامج عينها، وكذلك تفضيلهم للمسلسلات الطويلة جدًا، التي تسمى حاليًا بأوبرا الصابون. ولقد بدأت دراسة الآثار النفسية للإعلام في الشكل البدائي لنظرية «الاستخدامات والإشباع» من خلال ملاحظة إقبال العامة على أنواع محددة من وسائل الإعلام، مثل الجرائد والمجلَّات الكوميدية المصوَّرة الخاصة بالأطفال، ومدى تأثُّر الحالة المزاجية للعامة حينما اختفت الجرائد إبَّان الإضراب العام لبائعي الصحف في نيويورك عام 1899. بيد أنَّ المفاجأة الكبرى كانت مستمعي جهاز الترفيه الموجود في كل منزل آنذاك، وهو «الراديو»، الذي أصبح وسيلة إعلامية لا غنى عنها: فهو وسيلة الترفيه والتوعية ونشر الثقافة والعلوم. وأمَّا المسلسلات الطويلة التي تلح على فكرة واحدة وتعمل على تكرارها طوال الوقت، فقد اعتبرها المستمع الصديق والرفيق. ومن ذلك، استخلص الباحثون أن وسائل الإعلام صارت وسيلة تفاعلية حيَّة لها أربع وظائف أساسية، وهي: المُراقبة، وتوفير وسيلة للربط بين الأحداث والأخبار، والترفيه، وأخيرًا نشر الثقافة.
قد يعتقد البعض أن المتلقي هو من يختار الأخبار من وسائل الإعلام التي صارت كثيرة في الوقت الحالي؛ لأنه فيما سبق كان يتم الترويج لأكذوبة «الجمهور راغب في ذلك» أو «نحن نعمل بهذا الشكل بناء على رغبة الجماهير»، ولقد أثبتت الأيام عدم صحة هذه الادعاءات. فنظرية الإشباع والاستخدامات يمكن توجيهها بسهولة لكي تخدم أغراضاً حميدة أو الترويج لممارسات خبيثة. فعلى سبيل المثال، ساهمت وسائل الإعلام والأساليب الدعائية قديمًا في دفع الشباب للتدخين بطرق برَّاقة، إلى أن صار التدخين مرضًا أصيلًا وفيروسًا لا يمكن احتواؤه مهما حاولت المنظمات المهتمة بشؤون البيئة والفرد التنويه ضده؛ لأن هناك طوال الوقت وسائل جذب إعلامية أخرى مستترة في أغلب الأحيان تدعو إلى الشغف حد إدمان التدخين، وما يستتبعه من ألوان أخرى من عقاقير الإدمان.
واستكمالًا للممارسات الإعلامية الموجَّهة، يُلاحظ أن المتمم الرئيسي لنظرية «الاستخدامات والإشباعات» هو مبدأ «التأثير النائم» Sleeping Effect، ويُعنَى هذا التأثير بتمرير رسائل محددة، غالبًا ما تجابه برفض شعبي واسع النطاق، بل وقد تكون في الأساس ضد الفطرة البشرية السليمة. والأسلوب المتَّبع في هذا المبدأ هو الإلحاح في طرح الفكرة، لدرجة تُغرق المُتلقِّي في تفاصيل الرسالة، مما يمرر له دون وعي إلماماً شاملاً بها يستقر في العقل الباطن في نهاية الأمر. والتكنيك المتَّبع هو تراكم المعلومات على مرّ فترات، قد تطول أو تقصر طبقًا لمدى رغبة القائمين على الرسالة في نشرها سريعًا أو بطيئًا، وليس طبقًا لتقبُّل الجمهور للفكرة، وهذا لأن طرق تمرير الرسائل مضمونة؛ فالاعتياد على الفكرة يكوِّن في اللاوعي (العقل الباطن) تقبُّلًا، من نوع ما لها، أو حتى التكيُّف على التعايش معها إلى أن يتم القبول التَّام بها.
ولقد تم بناء الإعلام الرقمي وفقًا لتضافر نظرية «الاستخدامات والإشباعات» ومبدأ «التأثير النائم» على حد سواء، وجميع مستخدمي وسائل الإعلام الرقمي، التي ابتلعت وسائل الإعلام الأخرى، هم رهينة ذلك التأثير، ويقعون في براثن الرسائل الموجهة في كلّ لحظة. فما يسمى بخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تبدأ في طرح مجموعة من الاقتراحات لكل مستخدم جديد، وكأن الخيار متروك له ليختار ما يفضله من مواد، علمًا بأن ما يسمى بالخوارزميات تقوم بحصره في مجموعة من الاختيارات تنقل له رسائل محددة، وكلَّما أراد الخروج من الحلقة المفرغة المُصممة له، يُعاد سجنه بوسائل جاذبة أخرى، كما يفعل الخاطف عندما يُغري طفلًا صغيرًا بقطعة من الحلوى.
ونجاح وسائل التواصل الاجتماعي حتمي؛ لأنها تصرّ على معرفة النوع والمرحلة العمرية لمستخدمها، وكلَّما كان المستخدم أصغر سنًا كانت الرسائل أعنف وأقوى حدة من تلك الموجهة للبالغين الذين استطاعوا لحد بعيد التمييز فيما بين الخبيث والحميد، في فترات لم تتسيَّد فيها وسائل الإعلام الرقمي شاملة وسائل التواصل الاجتماعي. ومن ثمَّ، فإن الغنيمة الكبرى هي «الجيل زد» الذي صارت أفكاره تبدو وكأنها تفوق مرحلته العمرية. واجتهدت وسائل الإعلام في تثقيفه بمعلومات ومصطلحات طنانة لا يعي منشأها أو مدى صحتها وجاهزيتها للتطبيق على نطاق شامل؛ بهدف إيهام الجميع بأن الوعي بأسس الحياة لديهم يفوق ذويهم الأكبر سنًّا.
وبناء على ذلك، من الملحوظ أن «الجيل زدّ» لا يعطي بالًا لمن يفوقونه علمًا وخبرة، بل إنهم يتفننون في هدم الثوابت الأخلاقية وتشويه الشخصيات البارزة التي تعد قدوة للأجيال السابقة، على أسس في أغلب الأحيان واهية، وبهذا يطمس «الجيل زد» الإنجاز الفكري والعقلي لما سبقه من أجيال، ويزرع في قلوب الأجيال التالية له احتقار الثوابت، وكذلك العلوم، بصورة تفوق المستوى الذي وصل له «الجيل زد»، الذي صار لا يهتم بالتعليم، ويعتقد أنه لا جدوى منه، واستبدل به البحث الدؤوب عن المال والأمان المالي الذي يمكن توفيره بأي طريقة من خلال العالم الرقمي الافتراضي الرائع، الذي أصبح المهيمن على العلوم والمعرفة. وربّ العمل المؤتمن على حياة الجميع؛ وخاصة بعد رؤية أن من يخرج عن سلطانه يقع في دوامة العالم الخارجي بما فيه من صراعات وشخصيات سامة وأرزاق قليلة لا تضمن الاستقرار أو حتى الوجود.
واصطياد ضحايا الرسائل الإعلامية الموجهة يسهل كثيرًا في لحظات الضعف الآدمي، مثل فترات التوتُّر أو الاكتئاب، وكذلك عند الرغبة العارمة في الترفيه عن النفس. وفي كل الظروف السابقة، يوفر الإعلام للجسد الهرمونات المسببة للشعور بالسعادة، من خلال حثّ المخ على إفرازها، وتلك الهرمونات هي: الدوبامين Dopamine والسيراتونين Serotonin والأوكسيتوسين Oxytocin. فالدوبامين هرمون المكافأة والتحفيز، ويتم إفرازه عند معرفة معلومة جديدة أو تتبع خبر يهم الفرد أو مشاهدة مقاطع تبعث السرور في النفس. وأما هرمون «السيراتونين» فيتم إفرازه عند المشاركة بطريقة فاعلة في عمل جماعي، استبدلت به وسائل الإعلام منصات الألعاب والتعليق على المقاطع والمنشورات، ما يمد كل فرد أهمية زائفة وشعورًا بأنه قائد الفريق والمتحكِّم في أسس اللعب. وأمَّا هرمون «الأوكسيتوسين» فهو هرمون «الحب» الذي يفرز بسبب الترابط الاجتماعي والحب الرومانسي، والترابط الاجتماعي في وسائل الإعلام يتضح من خلال خلق روابط إنسانية بين البشر في شكل جماعات «كروبات» Group وكذلك تكوين علاقات عاطفية رومانسية عوضًا عن العلاقات الجسدية، سواء مع أشخاص حقيقيين على وسائل التواصل الاجتماعي، أو مع برامج الذكاء الاصطناعي، علمًا بأنه تم استحداث برامج ذكاء اصطناعي مخصصة لإشباع النفوس بالعلاقات الرومانسية على اختلاف أشكالها، وكأن الفرد يتواصل مع أشخاص من لحم ودم.
وكل ما سبق يشير إلى أن «الجيل زد» زُجّ به في حلقة مُفرغة تضمن تواجده المتواصل على وسائل التواصل الاجتماعي، وتبجيله لوسائل الإعلام الرقمية المُختلفة التي تعطيه قدرة زائفة على السيطرة والهيمنة على عالم افتراضي يستخدمه في حقيقة الأمر كدمية يحرِّكها كيفما شاء، ويجعل منه فيروساً يصيب من يليه من أجيال بنفس ما ابتلي به من أمراض نفسية واجتماعية.
«الجيل زد» نموذج حي لخلق أجيال مصابة بمرض «التوحُّد» بمحض إرادتها؛ فلقد صارت الثقة في عالم البشر لديهم معدومة، وتولَّدت لديهم القدرة على مساعدة الذَّات والنهوض من العثرات دون اللجوء إلى فرد آخر، وهذا كما علَّمتهم وسائل الإعلام. إن إغراق البشر في عالم من المعلومات وعالم افتراضي، الذي يفضل فيه البشر عزل أنفسهم عن الآخرين اختياريًا، أصبح هو الخارطة الموضوعة لسير الأحداث في القرن الحادي والعشرين الذي لم يستطع أحد سبر ملامحه، تمامًا كما حدث في القرن العشرين عندما قامت الحرب العالمية الأولى برسم خارطة طريقه. ما يحدث حاليًا هو حرب عالمية جديدة، لكنها أشدّ فتكًا، وضحاياها الفعليون بداية من «الجيل زد» وصولًا لجميع الأجيال التالية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد