التعويذة التي عبرت حدود الزمان والمكان: ألكيبيادس ومكيافيلي
بعد خمسة عشر عامًا من اندلاع الثورة الفرنسية، وبعد أن مُني الملك لويس الخامس عشر بهزيمة كبرى أصابته بالاكتئاب، داعبته خليلته مدام بومبادور بمقولتها الشهيرة: «أنا ومن بعدي الطوفان»، بعد أن تطرَّق الحديث عن ولي العهد. وكانت مدام بومبادور تعني بذلك أنه يجب تفضيل الذَّات والمصلحة الشخصية على أي شيء آخر، حتى ولو كان ذلك ما يحتِّمه الضمير. ولم يكن المثل الذي ضربته مدام بومبادور ناجمًا عن ذاك الموقف عينه، بل كان التَّاريخ دائمًا يحكي عن شخصيات اشتهرت بالتغافل عما يحتِّمه الضمير في سبيل تحقيق مصالح شخصية.
لعل أبرز الشخصيات التاريخية وأشهرها التي وسمها العالم بأنها فضَّلت تحقيق المصلحة الشخصية على الضمير، كان السياسي الديبلوماسي والفيلسوف الإيطالي الشهير نيكولو ماكيافيللي Niccolo Machiavelli (1469-1527) الذي أصبح كتابه «الأمير» The Prince بمثابة دروس في الأنانية وتفضيل المصلحة الشخصية، والتي من توابعها تنحية الضمير جانبًا من أجل تحقيق الغايات المرجوَّة.
كان ماكيافيللي من أوائل من فصلوا الدِّين عن الدولة؛ وهذا لأنه كان أوَّل من نادى بإقصاء الضمير والأخلاق المسيحية التقليدية عن العمل السياسي. لقد صرَّح بموقفه هذا في القرن الخامس عشر، أي في ذروة سيطرة رجال الدين على مفاصل الدولة. وذاك الموقف لم ينبع من شجاعة مفرطة ولا من دعوة للحصول على المزيد من الحرِّيات، بل على العكس؛ كان من أجل تحقيق مصالح سلطوية دكتاتورية. فلقد كان يجادل بأن المهمة الأساسية المنوط بها القائد هي الحفاظ على أمن الدولة وقوتها، وهذا واجب لا مفرّ منه. ولذلك، يجب الالتزام بهذا الواجب حتى لو تطلب الأمر اقتراف أفعال غير أخلاقية أو خادعة.
ومنذ القرن الخامس عشر وحتى وقتنا هذا، من أكثر المقولات تداولًا ومقتبسة من كتابه «الأمير»، الجملة الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»، التي تبرر اقتراف أي عمل مناف للأخلاق والضمير ما دامت نتيجته تؤدِّي إلى تحقيق نتائج سياسية ناجحة. ومن ثمَّ، نصح بتجاهل الضمير عند تفعيل المصلحة الذَّاتية التي تصب في مصلحة الأمَّة؛ لأن الضمير يعدّ نقطة ضعف كبرى لدى الحاكم، ويمكن من خلالها أن يتسرَّب عدوُّ، علمًا بأن الضمير لطالما كان سببًا رئيسيًا في سقوط وهلاك شخصيات سياسية وعلمية بارزة ورائعة. وكما يؤكِّد مكيافيلي، الطبيعة البشرية تميل إلى السوء والشرور. ولهذا لا يوجد على ظهر الأرض مكان للحاكم الصالح الذي يتصرَّف دائمًا بحسن نية؛ لأنه يقع فريسة سائغة لمن لا يتمتّع بنفس أخلاقه وحسن نيَّته. ولذلك، يفضل مكيافيلي القدرة على التصرف بحزم ودهاء وقسوة من أجل الصالح العام على الفضيلة المسيحية التقليدية.
ودائمًا ما تُضرب الأمثال بـ «مكيافيلي» ودعوته للأنانية، ويجادل الغالبية العظمى من المفكِّرين والفلاسفة أنه هو أوَّل من أسس استراتيجية «الأيدي المتَّسخة» التي تبرر للحاكم اقتراف أفعال غير أخلاقية لخدمة غاية أخلاقية أسمى تتمثل في الحفاظ على الدولة. بيد أنه يجب ملاحظة أن مكيافيلي دوَّن كتابه من أجل تقديمه لحاكم الدولة كنبراس سياسي دبلوماسي؛ حيث يحتوي على خلاصة تجاربه السياسية. ويجب أيضًا التشديد على أن العامة غير منوطة على أن تتبع منهاج الكتاب. ومن ثمَّ، لا يجب اعتبار مكيافيلي بأنه شخص منفلت أخلاقيًا أو كاره للبشر؛ لأنه كان ببساطة ووضوح يصف مواقف وحقائق سياسية، ولم يوص العامة قط باقتراف أفعال غير أخلاقية؛ فهدفه الوحيد هو تهيئة الحاكم لإدارة شؤون الدولة بحكمة وحذق، وذاك هو السبب وراء عنونة الكتاب بـ «الأمير». وبالرغم من منطقه، اشتهر مكيافيلي بكونه أمير الترويج للسلوك الانتهازي وتبريره.
وعلى النقيض تمامًا، توجد شخصية ألكيبيادس Acibiades (450-404 ق. م.)، ذاك الجنرال الحربي اللامع ورجل الدولة الألمعي البارع الذي حباه الله بجميع المميزات التي يمكن أن يصبو إليها بشر. فعلى عكس مكيافيلي سليل الأسرة المتوسطة الحال، وإن قيل إن نسبها يمتد لأصول أرستقراطية، كان ألكيبيادس سليل أكبر وأشهر عائلة في أثينا على الإطلاق، تلك العائلة التي كانت دُرَّة تاج أثينا وتسيطر على مفاصل الحكم فيها.
بهر ألكيبيادس الجميع منذ لحظة ميلاده، ليس بسبب ذلك ثراء عائلته ذات المكانة البارزة، بل بسبب جماله ووسامته الطاغية، وذكائه الفذّ الفريد من نوعه، وبالإضافة إلى هذا، تمتُّعه بكاريزما فريدة لا يستطيع أي فرد ممارتها. وعلاوة على هذا كله، وذاك، كان على قدر راق من التعليم، ويكفي القول إنه كان التلميذ النجيب لـ «سقراط»، الذي كان يرى فيه أفضل المميِّزات والإمكانات. لقد نشأ ألكيبيادس على تلقَّي الإعجاب والموافقة الجماعية على مواقفه المثيرة للجدل.
وكنتيجة لهذا كله، انغمس ألكيبيادس في حياة هيدونية، الملذَّات والإغراق في الشهوات طابعها. بل إنه أيضًا سيطر سيطرة كاملة على مجلس الحكم في أثينا، وتلاعب به كيفما شاء، بأسلوب مسرحي لم يستطع أيّ كان سوى الإعجاب به والموافقة على وجهات نظره التي كانت تميل للديكتاتورية وحكم الفرد. وعلى عكس مكيافيلي، لم يكن ألكيبيادس يفعل ذلك لخدمة الحاكم ومن أجل تعزيز هيمنة الدولة، بل من أجل خدمة مصلحته الشخصية فقط، وتحقيق طموحاته التي لا نهاية لها. وعلى هذا، لم يكن يجد غضاضة في اقتراف أعمال فاسدة، وعلى رأسها قبول الرشاوى بجميع ألوانها. ودون أدنى شكّ، مواقفه المتلوِّنة تلك جلبت له أيضًا الأعداء، بجانب المعجبين.
ويذكر التاريخ أنه الشخص الوحيد الذي استطاع تغيير مواقفه السياسية وولاءه بسرعة وسلاسة مذهلة تتبارى وقدرة الحرباء على تغيير لونها، وكان ظهيره في ذلك شخصيته ذات الإمكانيات الهائلة، وموهبته الاستثنائية المزدانه بالوسامة والفصاحة والثَّراء والطموح الذي لا سقف له. لكن المديح أفسده في أنه اعتقد بأنه شخص لا يُقهر أبدًا.
وفي أواخر القرن الخامس قبل الميلاد، ظهر ألكيبيادس على السَّاحة السياسية في أثينا، ولمع نجمه عندما ظهر كمستشار سياسي وعسكري في النصف الثاني من «الحرب البيلوبونيسية» التي اشتعلت بين أثينا وإسبرطة في الفترة 431-404 قبل الميلاد. حينها، أعجب الحكماء والسَّاسة بدهائه حينما اعترض على المعاهدة التي قاموا بتوقيعها مع إسبرطة ووافقوه الرأى بأنها مُذلَّة. ولمَّا حظي بإعجاب وتأييد المجلس، تم تعيينه قائدًا عامًا للجيوش. وفور تخويله تلك السُّلطة، استغل نفوذه في تكوين تحالف مع ممالك كثيرة في المنطقة، مما هدد نفوذ إسبرطة، وفي الوقت نفسه زاد من حجم الثقة المخوَّلة لألكيبيادس الذي كان وحده يقود جيشًا من البيلوبينيس.
عمل ألكيبيادس على تقوية نفوذه السياسي قبل حملته على جزيرة سيسيل، التي فكَّر في شنَّها بعد أن استغاث به أهل «سجيستا» من مملكة «سيليونس». وبالرغم من تحامل ومعارضة بعض كبار السَّاسة لهذه الحملة، استطاع ألكيبيادس أن يجبر الجميع على الإذعان، بعد إقناعهم بأن الحملة سوف تملأ خزائن الدولة وتجعل نفوذ وهيمنة بلاده يتَّسع ويتوغَّل في مناطق جديدة. لكن حدث أثناء التجهيز للحملة أنه تم تدنيس رمز ديني، وبالتأكيد انتهز أعداؤه السياسيون الفرصة لإلصاق التهم به وإعلان أنه قام بتدنيس الرموز الدينية المهمة، وأنه تهديد على النظام الديمقراطي في أثينا. وكان الحكم النهائي الصادر على ألكيبيادس هو خضوعه للمحاكمة فور رجوعه.
لكن ألكيبيادس المدلل لم يحتمل ما رآه من إهانة لذكائه الفذّ، فهرب مع طاقمه البحري بعد أن أقنع الآخرين بأنه سيلحق بهم للخضوع للمحاكمة التي علم فيها أن خصومه السياسيين ينتظرونها فرصة للتنكيل به. وبالفعل، ذاك ما حدث؛ فلقد حكم عليه غيابيًا بالإعدام، ومصادرة أملاكه. وأقنع خصومه السياسيون كبار الحكماء بأن ألكيبيادس لا يصلح بأن يصير قائدًا للجيوش. ولهذا، فرّ ألكيبيادس إلى عرين عدو أثينا، ألا وهو إسبرطة، وأقنعهم بأنه فور منحه ملاذًا سيرأب الصدع الذي أحدثه لهم حينما كان عدوًا، واعدًا إيَّاهم بخير وفير. وبالتأكيد، استطاع أن ينتزع موافقتهم. بل وأصبح مستشارًا عسكريًا لهم، وحقق لهم انتصارات وفوائد جمَّة وانتصارات حاسمة. واتتقامًا لشخصة وغروره، نصح القائدة بتجديد الحرب على أثينا مرَّة أخرى. فأصبحت حرباً طاحنة، وأسوأ ما فيها أنها فرضت حصارًا على شعب أثينا حرمها من الزراعة وجعل أهلها محبوسين خلف جدران خانقة.
لكن بمرور الوقت، أضحى نجل الحاكم من أشد خصومه، فما كان من ألكيبيادس إلَّا وهرب للعدو المشترك لأثينا وإسبرطة، ألا وهو «الإمبراطورية الأخمينية» في آسيا، التي عرفت فيما بعد باسم بلاد الفرس. وبالفعل، استطاع سريعًا أن يكسب ثقة الملك «ساتراب» ويقنعه بألَّا يدفع الأموال للجيش والأسطول البيليبونيزي. أضف إلى ذلك، جعله يقوم برشوة العديد من القادة ويحوِّلهم جواسيس له. لكن ذكاء ألكيبيادس الشيطاني كان يدبِّر في الخفاء خطَّة العودة إلى أثينا قائدًا منتصرًا.
وبعد أن تقابل مع الأمبراطور الأخميني «دارا»، بدأ في عمل وساطة دبلوماسية بين مملكة الفرس وأثينا، وأقنع أثينا بأن يضم الفرس في صفهم لإنهاء الحرب، وأنها كذلك ستصبح فرصة لأن يجلب لهم من الفرس أموالاً طائلة وتمويلاً عسكرياً هائلاً يمكِّنهم من سحق إسبرطة. وبالفعل، نجحت خطة ألكيبيادس، وحظي بتأييد وعفو المجلس في أثينا، ورجع قائدًا منتصرًا، واستعاد جميع ثرواته التي تمت مصادراتها، ومرة أخرى، تم تنصيبه قائدًا على الجيوش، وحقق هناك انتصارات لا مثيل لها.
وظل حال ألكيبيادس على هذا المنوال إلى أن دبَّر خصومه السياسيون مكيدة مكينة له، وأخيرًا قاموا باغتياله حينما خطا خارج باب منزله؛ بأن أمطروه بالسِّهام، ولم يتركوا قيراطًا واحدًا من جسده دون جراح.
عاش ألكيبيادس يدين بالولاء لنفسه فقط، ويفعل كل شيء في سبيل مصلحته الشخصية. ويمكن وصفه بأنه كان عاشقًا لنفسه ومصلحته الشخصية وكارهًا للجميع؛ كان يشعر بأن الإعجاب به يخفي حسداً وتحيُّناً للفرص من أجل القضاء عليه. بيد أنه لم يُخلص لأحد ولم يحب فردًا سوى أستاذه ومعلِّمه سُقراط الذي كان قادرًا على أن يلكز ضميره ويشعره بالعار من أعماله؛ بسبب أن سقراط كان الوحيد الذي عامله بنيَّة صافية، وحاول جاهدًا لأن يجعل منه شخصاً أفضل.
أمَّا الغريب والمدهش حقًا، فأنه عندما يقارن الفلاسفة بين مكيافيلي وألكيبيادس، يتحيَّز الجميع للأخير ويغضُّون الطرف عن حماقاته وكرهه للجميع وأنانيته. فهل كانت وسامة وذكاء ألكيبيادس تعويذة سحرية ممتدة لا يبطلها مرور آلاف السنين؟
ترامب يعلن: نفذنا أقوى عمليات قصف في تاريخ الشرق الأوسط .. تفاصيل
الجزائر تنظر إلى نفسها في مرآة
التعويذة التي عبرت حدود الزمان والمكان: ألكيبيادس ومكيافيلي
كيف انطلت الخديعة الأمريكية على حائك السجاد
صواريخ تستهدف النقب وتحركات عسكرية أميركية جديدة .. آخر التطورات
الدول الفاشلة والاستثمار فيها .. العراق نموذجا
15 شهيداً جراء سلسلة غارات إسرائيلية على جنوب لبنان
المنتخب الوطني تحت 20 يواصل تدريباته استعدادا للاستحقاقات القادمة
انخفاض مؤشرات الأسهم الأميركية
فتح وتوسيع طرق في مناطق ساكب والحسينيات وطريق المكرمة الملكية
زخات مطرية متفاوتة الشدة في عدة مناطق من المملكة
سوريا: الاتفاق مع الأردن يدعم السائقين ويعزز حركة النقل
هيئة الخدمة تنشر الكشف التنافسي التجريبي 2026 .. رابط
هل تنبأ الذكاء الاصطناعي بهجوم إيران
صدارة مسلسلات رمضان تشعل أزمة بين مي عمر وياسمين
جلسة حوارية في اليرموك عن تمكين المرأة
التنمية المستدامة في اليرموك يطلق برنامج "سفراء الاستدامة"
ولي الدم في القيادة الإيرانية: الحرب تتجه نحو الانتقام
الدول العربية تحذر .. إغلاق مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة
موعد التسجيل لامتحان الثانوية العامة 2026
مستقبل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط ورقة سياسات يعدها مركز دراسات التنمية المستدامة في اليرموك
نقل شيرين عبد الوهاب للمستشفى: ما السبب
الخروج إلى البئر عودة جمال سليمان في عمل تتنازعه الخطوط السردية
طرق التعامل مع الارتجاع المعدي المريئي خلال الصيام
الأمن العام: نتابع المحتوى الإعلامي والرقمي للتعامل مع الأنباء المضللة


