الحرمان من التعليم في السودان

الحرمان من التعليم في السودان

16-03-2026 01:13 AM

لا تقتصر خسائر حرب السودان على إنهيار المدن وإزهاق الأرواح، بل تمتد لتطال المستقبل. فبينما يحتفي العالم بضحكات الطلاب ونجاحاتهم، يحرم في السودان ما بين 250 إلى 300 ألف طالب وطالبة، غالبيتهم في دارفور وكردفان، من الجلوس لامتحان الشهادة السودانية الموحد والمقرر في 13 أبريل/نيسان المقبل، الشهادة التي تظل بوابتهم الوحيدة نحو الجامعات والمعاهد العليا، ونحو حلم يتبدد مع أول رصاصة .الحرب جعلت التعليم في السودان رهينة جغرافية السيطرة العسكرية، ووضعت طلاب دارفور وكردفان أمام طريق مسدود، إذ لا يمكنهم الجلوس للامتحانات الموحدة داخل مناطقهم، ولا يستطيعون الانتقال إلى مناطق سيطرة الجيش.
والحرمان من التعليم لم يعد مجرّد نتيجة عَرَضية للحرب، بل بات جزءًا من معادلة الصراع السياسي والعسكري، وسلاحا يستخدمه طرفا النزاع. فوزارة التربية والتعليم الاتحادية، في بورتسودان، لا تستطيع إقامة مراكز للامتحانات في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، لأسباب بديهية، وأعلنت أنها لن تسمح بإرسال أوراق الامتحانات إلى تلك المناطق بسبب عدم القدرة على تأمينها. وترى أن الحل المتاح أمام الطلاب في مناطق سيطرة الدعم السريع هو انتقالهم إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش للجلوس للامتحانات. غير أن هذا الطرح، رغم بساطته الظاهرية، لا يعالج المشكلة عمليًا. فالطالب المتحمس لخوض هذه المغامرة، سيواجه طرقًا موبوءة بالمخاطر، وإجراءات أمنية مشددة، وتكاليف سفر وإقامة لا تستطيعها معظم الأسر بعد أن استنزفتها الحرب اقتصاديًا ونزوحًا، ناهيك عن الخطر المحدق بالطالبات بشكل خاص.
وفي المقابل، تمنع قوات الدعم السريع الطلاب من السفر إلى مراكز الامتحانات في مناطق سيطرة الجيش، وأعلنت عن تنظيم امتحان موازٍ في مناطق سيطرتها، في خطوة تبدو للوهلة الأولى حلاً إنسانيًا، لكنها تحمل في طياتها قنبلة موقوتة مهددة لوحدة السودان. كما أنها تواجه إشكالاً جوهريًا يتمثل في احتمال عدم الاعتراف بهذه الشهادة، ليس فقط داخل السودان، بل أيضًا على المستوى الدولي، كما بادر وأعلن الاتحاد الأوروبي. وهكذا، يجد الطالب السوداني في مناطق سيطرة الدعم السريع نفسه أمام خيارين مرّين: إما الامتحان في منطقته والحصول على شهادة بلا اعتراف محلي أو دولي، أو المخاطرة بحياته سعياً وراء
شهادة معترف بها قد لا يصل إليها أبداً.
هكذا، تحولت امتحانات الشهادة السودانية من استحقاق تعليمي إلى ملف سياسي يُستخدم في معركة الشرعية بين طرفي الحرب. فكل طرف يسعى إلى إثبات قدرته على إدارة الدولة داخل مناطق سيطرته، ويجعل من التعليم إحدى أدوات هذا الإثبات، غير عابئ بأنه يكرّس جيلاً كاملاً من الضياع. لكن الأمر أخطر من مجرد أزمة تعليمية؛ إنه تفكيك ممنهج لأحد أعمدة الدولة الوطنية. فالتعليم الموحد كان دائمًا أحد أهم العوامل التي تحفظ وحدة الوجدان الوطني، لأنه يخلق التواصل والتجربة المشتركة بين الأجيال. وحين ينقسم التعليم، وهو أحد أهم مؤسسات الدولة الوطنية، فإن ذلك يضعف الروابط المشتركة بين المواطنين ويهيئ الأرضية الذهنية والوجدانية لتقسيم السودان إلى دولتين. وقد بدأت بالفعل تظهر ملامح ما يمكن تسميته بـ”الانفصال الوجداني” بين المجتمعات التي تعيش تحت السلطتين.
إن تحييد التعليم وإبعاده عن الصراع يجب أن يصبح الأولوية العاجلة، وفي مقدمة أجندة أي قوى، دولية أو إقليمية، تسعى لتقدم الدعم الإنساني للسودان. بل إن بعض التجارب الدولية تشير إلى أن التعاون في الملفات الإنسانية والتعليمية يمكن أن يشكل مدخلاً لخفض التوتر وتهيئة الأرضية لوقف الحرب. أما القوى المدنية والسياسية السودانية، فقد آن الأوان لأن تتحمل مسؤوليتها التاريخية، وتتجاوز صراعاتها وانشغالها المستمر بالعموميات حول المواثيق وإعلان المبادئ وخرائط الطريق والعملية السياسية…الخ، بأن تضع ملف التعليم في قمة أولوياتها، كقضية ملموسة تمس حياة كل الأسر السودانية. هل سنكون مجرد حالمين متوهمين إذا دعونا إلى عقد اتصالات ولقاءات تشاورية بين القوى المدنية والسياسية، المتصارعة، يخصص فقط لمناقشة مسألة التعليم، وكيفية تنظيم امتحان موحد للشهادة السودانية في جميع أنحاء البلاد؟
ومن ناحيتي، أتقدم بالمقترحات التالية:
• الضغط لتأجيل امتحان الشهادة المقرر في 13 أبريل/نيسان، كما يقترح خبراء تربويون، لإتاحة الوقت للتفاوض حول إمكانية عقد امتحان موحد لكل السودان.
• تبني مقترح لجنة المعلمين السودانيين بتشكيل “لجنة وطنية” من خبراء تعليم سودانيين، تتولى الإشراف على امتحان موحد في كل السودان، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم الاتحادية والإدارات التعليمية في مناطق سيطرة الدعم السريع .
• دعوة المنظمات الدولية المتخصصة، كاليونسكو واليونيسيف، للإشراف الفني واللوجستي على العملية، عبر فتح ممرات آمنة للطلاب، توصيل أوراق الامتحانات وتأمين المراكز، بما يضمن الحيادية وعدم التسريب وسلامة الجميع .
• في أي مؤتمر دولي داعم للسودان، مؤتمر برلين القادم مثلا، فليكن التعليم على رأس جدول أعماله.
إن تبني القوى المدنية والسياسية السودانية لهذه القضية، قد يحقق أكثر من هدف. فمن جهة، محاولة إنقاذ مستقبل مئات الآلاف من الطلاب، ومن جهة أخرى، قد يشكل مدخلاً لتقارب سياسي بين هذه القوى نفسها، في مواجهة حالة التشرذم التي تعاني منها اليوم، ويعيد ربطها بهموم الناس اليومية، بدلاً من انشغالها بالمصالح السياسية الضيقة. والانخراط في قضية تمس حياة الناس مباشرة يمكن أن يعيد ربط العمل السياسي بقواعده الاجتماعية، ويعيد تعريف السياسة بوصفها وسيلة لخدمة المجتمع لا مجرد صراع على السلطة. ففي نهاية المطاف، جوهر السياسة ليس التنافس على المناصب، بل الاستجابة لتطلعات الناس، وبناء الحاضر والمستقبل. واليوم، يقف مستقبل جيل كامل من السودانيين على المحك. وإذا لم تُبذل جهود عاجلة لإنقاذ امتحانات الشهادة السودانية من قبضة الحرب، فإن الخسارة لن تكون تعليمية فحسب، بل وطنية أيضًا. صحيح النفط والذهب ثروة ضرورية للتنمية، لكن العقول السودانية هي الثروة الحقيقية التي إن ضاعت، فسيضيع السودان.

٭ كاتب سوداني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد