في زمن الرحيل: من اختار أن يبقى إنساناً

في زمن الرحيل: من اختار أن يبقى إنساناً

19-03-2026 12:22 AM

في عالم يبدو أنه يتقن القسوة أكثر مما يتقن الرحمة، تظهر أحياناً مشاهد صغيرة، عابرة في ظاهرها، لكنها قادرة على أن تعيد ترتيب ما نظنه حقائق ثابتة. مشاهد لا تعلن عن نفسها، لكنها تترك أثراً عميقاً، كأنها تهمس لنا بأن الإنسانية لم تغادر هذا العالم بعد.
في بيروت، المدينة التي اعتادت أن تستيقظ على تعبها وتصرّ رغم ذلك على الحياة، ظهرت مجموعة من النساء من الجنسية السريلانكية، عاملات يعشن بعيداً عن أوطانهن، يحملن ما استطعن من طعام، ويتوجّهن به إلى خيم النازحين الذين قدموا من الجنوب إلى بيروت، بعد أن اضطروا إلى ترك بيوتهم تحت وطأة التهديدات المستمرة والغارات المتكررة.
لم تكن هؤلاء النساء يعرفن بيروت كما يعرفها أهلها. لم يعشن تفاصيلها اليومية، ولا يحملن في ذاكرتهن حكاياتها أو وجعها المتراكم. لم يعرفن أسماء شوارعها، ولا تاريخ جدرانها. ومع ذلك، عرفن الطريق… إلى الخيم.
إلى الأماكن التي لم تبن لتكون بيوتاً، لكنها أصبحت مأوى.
إلى وجوه لم يلتقين بها من قبل، لكنها كانت كافية ليشعرن بالمسؤولية.
في لحظة يهرب فيها كثيرون، ويصمت آخرون، قررت هؤلاء النساء أن يخرجن. أن يحملن الطعام بوصفه فعلاً إنسانياً بسيطاً، لكنه في جوهره عميق الدلالة.
في تلك الخيم، حيث الحياة مؤقتة، والقلق دائم، وحيث تترك البيوت خلف أصحابها كأنها ذاكرة مفتوحة على الغياب، كان هناك من يطرق الباب، أو ما يشبه الباب.
كان هناك من يرى، من يشعر، من يمد يده دون مقابل.
لم تسأل تلك النساء عن الطائفة، ولا عن الانتماء، ولا عن الأسماء. لم يكن السؤال: من أنتم؟ بل كان: هل أنتم بخير؟ هل تحتاجون إلى شيء؟ وفي هذا التحول البسيط في طبيعة السؤال، تكمن كل معاني الإنسانية.
هذا المشهد، على بساطته، يضعنا أمام سؤال أكبر: ما الذي يجعل الإنسان إنساناً؟ أهو الانتماء إلى الأرض، أم القدرة على تجاوز حدودها؟ أهي الهوية، أم القلب؟
في زمن اعتدنا فيه أن نعد خساراتنا، وأن نحصي أسماء من فقدنا، وأن نشعر بثقل العالم علينا، تأتي مبادرة كهذه لتربك هذه المعادلة. فبينما نقف أحياناً عاجزين أمام حجم الألم، تظهر يد غريبة، تحمل القليل، لكنها تفعل الكثير.
لا بطولة معلنة هنا، ولا استعراض، ولا انتظار لتقدير أو تصفيق. هناك فقط فعل إنساني صادق، يعبر عن إيمان بسيط… فالخير لا يحتاج إلى إذن، ولا إلى لغة مشتركة، ولا حتى إلى معرفة مسبقة.
لقد اعتدنا أن نقول إن العالم خذلنا، وربما في ذلك شيء من الحقيقة. لكن الحقيقة الكاملة أكثر تعقيداً. فالعالم، في لحظات معينة، لا يخذلنا بالكامل. أحياناً، يرسل لنا غرباء، ليذكرونا بأننا ما زلنا مرئيين.
في لحظة توزيع الطعام داخل الخيم، لم يكن ما يحدث مجرد استجابة لحاجة طارئة. كان، في جانب منه، إعادة تعريف للعلاقة بين الإنسان والآخر.
هناك دائماً، في مكان ما، قلب ينبض للآخر، حتى لو لم يعرف اسمه، ولا قصته.
يا بيروت، المدينة التي احتضنت أبناءها القادمين من الجنوب، رغم جراحها، هذا المشهد ليس تفصيلاً عابراً. هو تذكير بأن العالم، رغم كل شيء، لا يزال يحتفظ ببذور الرحمة.
ربما لن تحفظ أسماء هؤلاء النساء في السجلات، وربما لن تروى قصصهن بالتفصيل، لكن أثرهن سيبقى. سيبقى في ذاكرة من تلقّى الطعام، وفي شعور داخلي يقول إننا لم نهجر تماماً.
وحين تهدأ هذه الأرض يوماً ما، وتطوى صفحات الألم، قد ننسى الكثير من التفاصيل. قد تختفي الأصوات، وتتلاشى التواريخ. لكننا لن ننسى ذلك الإحساس النادر، أن غريبة، في قلب خيمة، قدّمت لنا أكثر من طعام… قدّمت لنا وطناً.
وفي عالم يضيق بالحدود، لعل هذا الدرس هو الأهم… أن الإنسان، حين يختار أن يكون إنساناً، يصبح أقرب من أي قريب.

حين تصبح الرحمة فعل مقاومة

في الحروب، لا يقاس الخوف فقط بعدد الانفجارات، إنما بعدد الذين يغادرون، وبعدد الذين يختارون، رغم كل شيء، أن يبقوا.
في الجنوب اللبناني، حيث تترك البيوت على عجل، وتغلق الأبواب دون وداع، وتبقى الحياة معلّقة بين أمل العودة واحتمال الفقد، تتشكل مشاهد إنسانية لا ترى دائماً في نشرات الأخبار. هناك، حيث ينزح الناس حفاظاً على حياتهم، يظهر أحيانا من يسير في الاتجاه المعاكس.
في أحد هذه المشاهد، يبرز شاب كرّس وقته وجهده لإنقاذ الحيوانات التي تركت خلف أصحابها. كلاب وقطط وجدت نفسها فجأة في عالم بلا مأوى، بلا طعام، وبلا يد تمتد إليها. مخلوقات لا تفهم الحرب، لكنها تتحمل نتائجها كاملة.
في ظل النزوح الجماعي من الجنوب، حيث حمل الناس ما استطاعوا من ذكرياتهم وغادروا، بقيت هذه الكائنات في أماكنها، تنتظر عودة قد لا تأتي. عندها، تحوّل فعل البقاء نفسه إلى خيار أخلاقي، لا إلى مجرد قرار فردي.
هذا الشاب لم يتحرك بدافع واجب رسمي، ولا استجابة لنداء مؤسسة، إنما بدافع إنساني خالص. في وقت ترتّب فيه الأولويات وفق الضرورة، اختار أن يرى ما قد يغيب عن كثيرين: أن الرحمة لا تتجزأ، وأن الحياة، أيّاً كان شكلها، تستحق الحماية.
في مشهد مؤثر، كان يحمل جراء صغيرة من تحت الركام. ستة جراء، بلا أم. عبارة بسيطة تختصر حجم الفقد. فالأم التي لم تعد، سواء غابت أو عجزت عن الوصول، تركت خلفها حياة معلّقة، تبحث عمن يحتضنها.
فالإنسان، حتى في أقسى الظروف، قادر على أن يختار الرحمة. ففي لحظة يسود فيها الخوف، وتصبح النجاة أولوية قصوى، يكتسب أي فعل إنساني إضافي قيمة مضاعفة.
إنقاذ هذه الحيوانات لم يكن خالياً من المخاطر. العودة إلى مناطق مهددة، والدخول إلى أبنية متضررة، والتنقل بين الركام، كلها خطوات تنطوي على خطر حقيقي. ومع ذلك، تكررت هذه المحاولات، وكأن الإصرار على إنقاذ حياة، مهما بدت صغيرة، هو بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة.
هذا الشاب لا يقدّم نفسه بطلاً، ولا ينتظر اعترافاً. ما يفعله أقرب إلى استجابة داخلية لا يمكن تجاهلها. حين يرى كائناً جائعاً أو عالقاً، يتحرك. وحين يسمع صوتاً خافتاً تحت الركام، يبحث. وحين يجد حياة، يحملها.
في هذا السلوك، يتجلى تعريف مختلف للإنسانية. ليس بوصفها فكرة مجردة، إنما كممارسة يومية، كاختيار متكرر. فالحيوانات التي تترك في الحروب غالباً ما تتحول إلى جزء من الخسائر غير المحسوبة، لكنها، في جوهرها، كائنات حيّة تشعر بالجوع والخوف والبرد.
إن الرحمة، حين تكون صادقة، لا تعرف حدوداً ضيقة، ولا تمارس بشكل انتقائي. هي موقف شامل، يبدأ من الإنسان، لكنه لا ينتهي عنده.
قد لا يُذكر اسمه كثيرًا، وقد لا تُكتب عنه تقارير مطوّلة، لكن الأثر الذي يتركه يتجاوز اللحظة. في كل حياة أنقذها، في كل كائن وجد طعامًا أو مأوى، هناك قصة تستمر بدل أن تنتهي.
في زمن يجبر فيه كثيرون على الرحيل، يصبح البقاء، حين يكون من أجل حماية حياة أخرى، أكثر من مجرد خيار. يصبح موقفاً.

*كاتبة لبنانيّة



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد